تفجيرات تايلاند : صفعة للمجلس العسكرى بعد استفتاء الدستور

17/08/2016 - 1:27:49

تقرير: إيمان عبدالله

رغم الأزمات السياسية العنيفة التى تتعرض لها تايلاند منذ أكثر من عقد، للمرة الأولى تستهدف ضربات الإرهاب المنتجعات السياحية قبلة أكثر من ٣٠ مليون سائح سنوياً وعصب الاقتصاد القومى . تفجيرات نهاية الأسبوع الماضى لم تحمل بصمات الإرهاب الدولى لكنها كانت عمليات تخريب محلية الصنع رداً على نتائج استفتاء الدستور الذى منح السلطة العسكرية الحاكمة فى البلاد الحق فى الاحتفاظ بنفوذها على الساحة السياسية .


فى أقل من ٢٤ ساعة، هز أحد عشر تفجيراً خمسة أقاليم سياحية فى جنوب الفلبين تزامن معها مجموعة من الحرائق المتفرقة لتخلف أربعة قتلى وعشرات المصابين بينهم أجانب . توقيت التفجيرات التى حلت فى عطلة الاحتفال بعيد الأم والذى يوافق فى تايلاند عيد ميلاد الملكة سيريكيت يحمل رسالة سياسية قوية للسلطة العسكرية الحاكمة فى البلاد منذ الانقلاب الأخير على رئيسة الوزراء بنجلك شيناوترا فى عام ٢٠١٤ . التفجيرات لم تكن تستهدف إيقاع عدد كبير من الضحايا لكنها مثلت صفعة قاسية لرئيس الوزراء الجنرال برايت تشان اوتشا وضربة موجهة إلى صناعة السياحة التى تمثل أحد الأعمدة الرئيسية فى اقتصاد تايلاند .


وتحل حوادث التفجيرات الإرهابية فى تايلاند بعد أقل من أسبوع على التصويت على استفتاء الدستور الجديد الداعم للمجلس العسكرى والذى وافق عليه الناخبون بنسبة ٦٠٪ . هذا الاستفتاء يمهد الطريق أمام استكمال خارطة الطريق بإجراء انتخابات عامة فى شهر نوفمبر من العام المقبل لكنه يلزم الحكومات القادمة بمباشرة مهامها تحت إمرة الجيش . ويسمح الدستور الجديد باختيار رئيس وزراء غير منتخب وكذلك تعيين أعضاء مجلس الشيوخ البالغ عددهم ٢٥٠ عضوا من قبل السلطة العسكرية أما أعضاء مجلس النواب الخمسمائة فسيتم اختيارهم بموجب نظام جديد يعتمد على التمثيل النسبى للأحزاب ومقاعد الدوائر الانتخابية . هذا الدستور سيفضى فى النهاية إلى تشكيل حكومة ائتلافية ضعيفة وبالتالى تصبح للقيادة العكسرية الكلمة الفصل فى اتخاذ كافة القرارات السياسية فى البلاد .


وقبيل الاستفتاء الذى شارك به ٥٥٪ من الناخبين، رفضت السلطة العسكرية أى مناقشات حول مسودة الدستور واحتجزت عشرات المعارضين ورفضت المراقبة المستقلة على صناديق الاقتراع. ورغم هذه الإجراءات التعسفية فإن كثيراً من الناخبين بمن فيهم المنتمون لرئيس الوزراء الأسبق تاكسين شيناوترا ظلوا متأرجحين فى قرارهم بسبب الوعود بإنهاء حالة الشلل السياسى فى البلاد والقضاء على الاضطرابات الدامية التى ضربت البلاد منذ الانقلاب على تاكسين شيناوترا فى عام ٢٠٠٦ أملاً فى أن يسعى السياسيون لتحسين حالة الاقتصاد ويتولى العسكريون فرض حالة الاستقرار فى البلاد.


معارضو الدستور يرون أن التعديلات الجديدة ليست سوى تعزيز لسلطة المجموعة العسكرية الحاكمة ومنع استئثار أى حزب قوى بالسلطة ويؤكد المراقبون أن التعديلات الدستورية الأخيرة تستهدف سحق شعبية رئيس الوزراء الأسبق تاكسين شيناوترا فالأحزاب التى كان يدعمها إمبراطور الاتصالات اكتسحت كل الانتخابات السابقة منذ عام ٢٠٠١ لكنها خرجت من السلطة مرتين على يد السلطات العكسرية وثلاث مرات على يد القضاء . ويظل شيناوترا مثيرا للجدل فهو شخصية محبوبة لديه شعبية جارفة بين الناخبين الفقراء فى المناطق الشمالية والشمالية الشرقية للبلاد لكنه مذموم من طبقة النخبة فى بانكوك والتى يمثلها القصر الملكى - الذى يترأس كافة المؤسسات فى تايلاند والعسكريين والقضاة . وقد اتهم شيناوترا بالفساد وإساءة استغلال السلطة ويعيش حاليا فى منفاه الاختيارى فى دبى . ويرجح بعض المحللين تزايد هيمنة السلطة العسكرية الحاكمة فى تايلاند إلى القلق من اعتلال صحة الملك بوميبول ادوليادج البالغ من العمر ٨٨ عاما وهو شخصية لها قدسية ويعد رمزاً لوحدة البلاد. الملك ادوليادج هو صاحب أطول فترة حكم فى العالم حيث توج ملكاً فى عام ١٩٤٦ . لذا فإن طبقة النخبة فى تايلاند تعتمد على السلطة العسكرية لحماية مصالحها إذا ما حدثت هزة فى القصر الملكى .


الداعمون للدستور يعتبرون هذا الاستفتاء أول اختبار حقيقى للمجلس العسكرى برئاسة اوتشا ويرون أن هذه الإجراءات ضرورية لضمان وضع ضوابط وتوازنات فى النظام السياسى للبلاد تتيح تقويض الفساد وإنهاء حالة الانقسام السياسى. استمرار وجود السلطة العسكرية فى تايلاند تسبب فى حدوث شرخ فى العلاقات الأمريكية مع تايلاند أقدم حليف للإدارة الأمريكية فى المنطقة. الولايات المتحدة فرضت عقوبات ضد تايلاند فى أعقاب الانقلاب العسكرى شملت تعليق المساعدات المادية وتراجع الارتباطات الأمنية . فى المقابل توجهت السلطة العسكرية نحو مزيد من التقارب مع موسكو وبكين ويرى «براجاك كونج كيرات» أستاذ العلوم السياسية بجامعة بانكوك أن الزعماء العسكريين يستخدمون بطاقة التقارب مع روسيا والصين كورقة ضغط على أوربا والولايات المتحدة لإعادة العلاقات لسابق عهدها .


من يقف إذا وراء التفجيرات الأخيرة فى بانكوك، بعدما استبعدت التحقيقات احتمالية الإرهاب الدولى على غرار ضرب السياحة فى تركيا ونيس بفرنسا هناك فرضيتان الأولى أن تكون هذه الهجمات قد تمت بأيدى المعارضين فى الداخل للسلطة العسكرية والمدعومين من رئيس الوزراء الأسبق شيناوترا . وترجح هذه الفرضية تنسيق الهجمات بشكل مدروس واستهدافها خلق حالة من الذعر أكثر من التدمير. حدوث التفجيرات فى عيد ميلاد الملكة فى ظل وجود جمهوريين معارضين يرفضون استمرار الملكية فى تايلاند يدعم هذه الفرضية .الفرضية الأخرى تتجه صوب الجماعات الانفصالية الإسلامية المسلحة فى ولايات أقصى جنوب الفلبين، فالإسلام يعد الديانة الثانية فى تايلاند بعد العقيدة البوذية ويمثل المسلمون حسب الإحصائيات شبه الرسمية حوالى ١٠٪ من السكان وتواجه الأقلية المسلمة التى تسعى للحكم الذاتى إرهاب السلطات والتضييق عليها. وقد أسفرت الاضطرابات بين الطرفين إلى وقوع حوالى ٦٥٠٠ قتيل على مدى العقد الماضى . ورغم أن الانفصاليين لم يتبنوا حتى الآن أى هجمات خارج حدود مقاطعاتهم إلا أن القنابل اليدوية الصنع التى وجدت فى مواقع التفجيرات تشبه ما يستخدمه هؤلاء الانفصاليون الأمر الذى قد يكشف عن حدوث تغيير جذرى فى خططهم يستهدف ضرب السياحة كونها ضربة موجهة فى الأساس نحو السلطات العسكرية .


 



آخر الأخبار