بعد سنوات من الإقصاء السياسى والتفريق العنصرى الغالبية فى أثيوبيا ترفض حكم التيغرى

17/08/2016 - 1:26:27

تقرير: يمنى الحديدى


على الرغم من أن الحكومة الأثيوبية تحكم قبضتها جيدا على مقاليد الحكم, إلا أن المظاهرات وجدت طريقها للخروج فى هذا البلد متعدد العرقيات والثانى من حيث عدد السكان فى إفريقيا بعد نيجيريا, وفى واحدة من أسوأ التظاهرات التى شهدتها أثيوبيا على مدار الـ٢٥ عاما الماضية, بدأ المنتسبون لعرق الأورومو وهم الأغلبية السكانية فى أثيوبيا سلسلة من التظاهرات فى شهر نوفمبر الماضى واستمرت حتى الآن, لتنضم بعد ذلك قبائل الأمهرة, العرق الثاني فى أثيوبيا من حيث الكثافة السكانية إلى هذا الماراثون يوم السبت الماضى, وذلك فى ظل تصاعد وتيرة العنف بين المتظاهرين والحكومة، حيث أسفرت مظاهرات الأورومو عن ٤٠٠ قتيل, وذلك طبقا لمنظمة هيومن رايتس, ورغم إنكار السلطات ذلك إلا أن الفيديوهات أظهرت الوحشية التى استخدمتها القوات الأمنية ضد المتظاهرين, أما فى أمهرة فقد كان الوضع أكثر رأفة, حيث أدى احتجاجهم إلى مقتل سبعة فقط وإصابة العديد من المحتجين واعتقال المئات، وكرد تعسفى على هذه المظاهرات قامت الحكومة بقطع خدمات الإنترنت فى البلاد لمدة يومين, حيث إن الدولة هى المهيمن الرئيسى على الشركة المسئولة عن خدمات الإنترنت فى البلاد.


لم يكن هناك حدث مباشر وراء تأجيج هذه المظاهرات, إلا أن السبب الأساسى كان المطالبة بالإصلاح السياسى والمساواة من قبل المتظاهرين, وذلك لشعورهم بتهميش الحكومة لهم، فعلى الرغم من أن الأورومو يمثلون ٣٤.٤٪ أى ما يعادل ثلث الكثافة السكانية فى أثيوبيا, إلا أنهم يعانون من الإقصاء والتهميش السياسى من قبل” التيغرى” العرق الحاكم, إلى جانب عدم وصول التنمية الاقتصادية إلي مناطقهم, فالنهج الذى تقوم عليه التنمية الأثيوبية هو دعائى أكثر من كونه معتمدا على حقائق تنفذ على الأرض, فشركات وناطحات سحاب “أديس أبابا” مملوكة من النخبة الحاكمة ومسئولى الجيش منذ عشرين عاما, بمعنى آخر أنه بعد ١٠٠ كيلومتر خارج أديس أبابا لا يتمكن بعض الأثيوبيين من إطعام أنفسهم, بالإضافة إلى أن هناك ٧ ملايين فرد مدرجون تحت برنامج الحماية الشاملة و٤ ملايين فرد يحتاجون مساعدات غذائية مباشرة, مما يوضح أن الأثيوبيين يختلفون خارج أديس أبابا عما هم داخلها.


ومما زاد من حدة الاحتقان بين العرقيات المختلفة والحكومة, هىّ خطة الحكومة فى الاستيلاء على الأراضى وتهجير أهلها, فقد بدأت احتجاجات الأورومو الأخيرة منذ إعلان الحكومة خطتها فى توسيع حدود أديس أبابا على حساب إقليم الأورومو, وبالرغم من تخلى الحكومة عن نيتها, إلا أن المظاهرات استمرت حتى يوم السبت الماضى فى إقليم الأورومو ومناطق من العاصمة أديس أبابا، أما الأمهريون وهم يمثلون ٢٧٪ من كثافة أثيوبيا السكانية فقد اعتادوا أن يشكلوا نخبة المجتمع, حتى إن اللغة الأمهرية ما زالت الأكثر استخداما فى البلاد, وبالنسبة لهم فهم لا يريدون حكم التيغرى بعد الآن.


ويسيطر عرق التيغرى والذى يمثل ٦.١٪ من سكان أثيوبيا على الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية الحاكمة للبلاد منذ أكثر من ٢٠ عاما, ويعمل على تعزيز حكمه فى البلاد، حتى إن كان على حساب العرقيات الأخرى, حتى وصل الأمر إلى عدم وجود معارض واحد فى البرلمان، وتعد الحكومة المركزية حليفا جيدا للغرب, وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية, حيث تستخدم أثيوبيا كقاعدة جوية للطائرات بدون طيار, والتى تستخدمها ضد جاراتها الصومال, على الرغم من أن الحكومة أعلنت مؤخرا أنها لم تعد تسمح بذلك.


كما أن علاقة أثيوبيا بجيرانها ليست على ما يرام, ففى يونيه الماضى قامت معركة بينها وبين إريتريا على الخط الحدودى بينهما, وقد أسفرت المعركة عن مئات القتلى وبالرغم من الحليف الغربى, إلا أن الوضعين الداخلى والخارجى يهدد الحكومة الأثيوبية الحالية برئاسة رئيس الوزراء هايله مريم، ويخشى المحللون من أن ظهور الحركات الانفصالية فى السنوات الأخيرة, كجبهة التحرير الأورومية, وجبهة تحرير أوغادين القومية قد تزيد من حالة الاضطراب التى تعيشها البلاد.


وساعد فى تفجير هذه الاضطرابات عدة عوامل على رأسها, الهواتف الذكية وخدمات الإنترنت, والتى مكنت الأثيوبيين من التواصل بسهولة وبأرخص الطرق عبر تطبيقاتها المختلفة, وتظن الحكومة أنها السبب الأساسى وراء هذه المظاهرات، والسبب الثانى هو تضامن العرقيات المهمشة وعلى رأسها الأورومو والأمهرة بالرغم من الفروق الموجودة بينهم، فالأمهرة أغلبهم مسيحيون يقطنون فى المرتفعات ويتمتعون ببعض المزايا الاقتصادية والسياسية, أما الأورومو فأغلبهم من المسلمين ويعيشون فى الأراضى السهلية ولا يتمتعون بأى مزايا.


وربما السبب الأقوى وراء هذه المظاهرات هو غياب الذكاء السياسى الذى اتصف به رئيس الوزراء الأسبق ماليس زينوى, الذى تولى منصب رئيس الوزراء لمدة ١٧ عاما حتى وفاته عام ٢٠١٢ بسبب مرض غير معروف، حيث كان يتمتع زينوى بكاريزما لا يتمتع بها هايله مريم فى حزبه الحاكم نفسه, كما أنه لا يحظى بتأييد التيغريين الكامل, وتولى هايله منصب رئيس الوزراء بعد زينوى بالولاية حيث كان نائب رئيس الوزراء، وطبقا لآراء بعض المحللين فإنه لا يملك الذكاء السياسى للتعامل مع هذه المواقف.


ويخشى البعض من تصاعد وتيرة العنف فى البلاد كما حدث من قبل فى عام ٢٠٠٥, فى أعقاب تزوير الانتخابات, وراح ضحية هذه الاضطرابات العديد من الأشخاص.


ويبقى الغرب فى موقف حرج, فبالرغم من دعوتهم المستمرة للديمقراطية, لكن من المؤكد أنهم لا يريدون أن يخسروا هذا الحليف الاستراتيجى فى هذه المنطقة المتقلبة.