فى الأمن العربى- الأفريقى

17/08/2016 - 1:12:18

بقلم - أ.د. السيد فليفل عضو مجلس النواب والأستاذ بمعهد الدراسات الإفريقية

لما كان العرب والأفارقة يعيشان على بقع واحدة، ولما كان العرب فى غالبيتهم أفارقة بالموقع والانتماء، ولما كانت الروابط الحضارية والتاريخية قد جمعت بينهما فى سياق واحد، كذلك ولما كانت مصالحهما فى مواجهة قوى البغى والعدوان الأوربى وما نضح عنها من ظاهرة استعمار واسترقاق وحروب صليبية قد جعلهما شركاء مصير واحد، ومن ثم شركاء نضال واحد، أدى إلى تبلور منظمتيهما الإقليميتين الجامعة العربية ومنظمة الوحدة الأفريقية واللتين دخلتا فى شراكة نضالية مبكرة فإن من المهم فى الوقت الراهن أن نحاول أن نفكر فى مسار الحياة المشتركة للعرب والأفارقة وما يكتنفها من تحديات عسى أن يساعد ذلك فى بلورة رؤية للعمل المشترك.


ونرصد فيما يلى بعضا من أهم التحديات التى يواجهها الطرفان، وما قد يجمع بينهما من روابط مشتركة فى المجابهة. كما نبحث فى المخاطر التى يتعرضان لها والتى قد تفرض عليهما ليس فقط المواجهة على أسس مشتركة ولكن أيضا النظر بعين الاعتبار إلى إمكان تكامل هذه المواجهة عبر بنى واحدة.


وقبل أن ندخل فى هذا المجال فإن هنالك معضلة منهجية تتعلق بالكينونة العربية والكينونة الأفريقية، وفى رأى علامة مثل على المزروعى -رحمه الله- فإن الأفارقة ليسوا فقط هذه الجماعات التى تحيا على أرض الكتلة الرئيسية من القارة من الناحية الجغرافية، بل إنه ينظر من الناحية الجيولوجية إلى منطقة الجزيرة العربية على أنها امتداد للقارة الأفريقية، على اعتبار أن البحر الأحمر هو جزء من الأخدود الأفريقى شطر الجزيرة العربية لعد عشرات الأميال عن الكتلة الرئيسية لأفريقيا، حتى أنه ليعتبر أن منطقة الخليج العربى هى منطقة أفريقية مستدلا على ذلك بوحدة الأداء الحضارى منذ العصور السحيقة ووجود الرسوم الصخرية على نحو يكاد أن يكون متطابقا بدءا من البحرين وعمان شرقا إلى بادية الشام شمالا إلى كهوف الصحراء الكبرى الأفريقية غربا.


ومن دلائل صحة هذا الرأى ذلك الإدراك الذى توصل إليه الاستراتيجيون من الوحدة الاستراتيجية الجامعة لعدة مناطق متشابكة بالمنطقة العربية والأفريقية وهى منطقة الخليج العربي، ومنطقة البحر الأحمر، ومنطقة القرن الأفريقي، ومنطقة حوض النيل. وما دام هذا الربط بين هذه المناطق يقوم على أسس جغرافية واستراتيجية وجيوسياسية، فلنسأل أنفسنا: هل له أساس اقتصادي؟ والإجابة نعم. فبترول الخليج يمر بقناة السويس، ومياه النيل مطمع لإسرائيل، وإيران تفكر فى البحر الأحمر والقرن الأفريقي. وبطبيعة الحال يرتبط هذا البترول بالطلب الضاغط عليه، وأيضا يرتبط بالدول المعنية بالتجارة فيه أو باستخدامه، وتلك التى تستخدم قناة السويس ذهابا وجيئة مع ما لكل منها من مصالح متشابكة، متوافقة أحيانا ومتضاربة أحيانا أخرى، ومن ثم فإن المرور الدولى فى الخليج والبحر الأحمر يجذبان إلى المنطقة كافة السياسات الدولية ذات الصلة.


ويصدق على هذا الحكم تجربة عصر ما قبل الحرب العالمية الثانية وعصر الحرب الباردة وعصر الهيمنة الأمريكية. بيد أن جديدا فى توازن القوى قد حدث فى السنوات القليلة بل والأشهر القليلة الماضية. ومن ذلك:


أولا- أطلقت الولايات المتحدة الأمريكية سراح نظام الملالى فى إيران، وأنهت القيد الشكلى الذى كنا نعتقد أنها تقيده به، وذلك بعدما جرى فى أواخر العام الماضى توقيع الاتفاق النووى والذى قبلت به إيران «شكلا» الضغوط الغربية على تجاربها النووية والصاروخية مقابل فك الحصار الاقتصادي، وتسليمها الودائع المجمدة، ودخولها سوق النفط لتزيد من انخفاض أسعاره وتزيد نكبة الاقتصاديات الخليجية فتزداد دول الخليج «السنية» ضعفا أمام المد الفارسى «الشيعي» والذى حاول أن يطوق المنطقة بامتداده من شمالى إيران إلى أراضى العراق بموافقة حكومته وإلى سوريا بموافقة حكومتها أيضا، وإلى لبنان بموافقة طيف واحد «حزب الله» وإلى فلسطين المحتلة بموافقة حماس لكى يمتد منجل المرشد الأعلى، ولا نقول هلال المرشد الأعلى. وما كاد ذلك يتم حتى انطلقت إيران مع الحوثيين فى اليمن لتطوق القسم الباقى من الدائرة عند جنوب البحر الأحمر والقرن الأفريقى وحوض النيل، وبذا تؤمن الولايات المتحدة الأمريكية، عن طريق الحليف الجديد إيران، ربيبتها إسرائيل.


ثانيا- أطلقت الولايات المتحدة من قلب الدائرة الشيعية آنفة الذكر منجلا آخر سلفى الهوي، إرهابى النشأة، لكى توغل المنطقة فى الاقتتال الذاتي، تحت المسمى «السنى الشيعي» لكنه وباستخدام العميل التركى أردوغان، والذى قاتلت لأجله طائرات F٣٥ فى قاعدة إنجرليك الجيش التركي، أخذ يمدد نصل المنجل إلى الحدود الغربية المصرية بانطلاق مجموعات من طائرات النقل التركية من قلب قطر التى تحالفت مع تركيا وصارت لها قواعد مجاورة للقواعد الأمريكية، فإذا بها تنقل الدواعش الإرهابيين إلى حدود مصر الغربية وإلى قلب ليبيا بعدما استبان فشل الإرهاب فى سيناء. وبهذا اتضح للكافة أن الخطر الموجود على أرض الشام والعراق هو نفسه الموجود غرب الحدود المصرية- الليبية. وتبقى ملاحظة جديرة بالتأمل هى أن «الحاوي» الأمريكى هو وحده القادر على أن يربى عملاء من ثعابين الشيعة الحوثيين ومن حيات الدواعش.


ثالثا- أن الرابطة باتت موثقة بين الدواعش الشرق الأوسط، وحركات الإرهاب والتطرف فى المغرب الإسلامى من ناحية، وفى بوكو حرام بنيجيريا من ناحية ثانية، وحركة شباب المجاهدين الصوماليين من ناحية ثالثة، وبالتالى فإن الدائرة حول الجزيرة العربية تواصلت مع دائرة أخرى تمتد من شمالى أفريقيا إلى القرن الأفريقى لتلقى بالدائرة الأولى عند باب المندب.


رابعا- تمر الدوائر آنفة الذكر على حالة من الفوضى تضرب أطنابها فى منطقة القرن الأفريقي، فثم اشتباكات تتجدد على الحدود الإريترية- الإثيوبية وثم توتر فى قلب الصومال نتيجة لعدم قبول المواطنين الصوماليين بالقوات الأفريقية التى جرى تكوينها من دول جوار الصومال، رغم أن القرار الصادر بشأنها من الأمم المتحدة نص على عدم تكوينها من هذه الدول، ولقد ترتبت على تلك التشكيلة الإقليمية أن صارت القوات الأفريقية عاملا مساعدا على استمرار تقسيم الصومال بأسلوب تثبيت الوضع القائم، وعدم تمكين الفيدرالية الصومالية من التواصل مع الأقاليم الشمالية لإحياء الدولة المركيزة مجددا، وإبقاء اعتماد النظام السياسى الصومالى على هذه القوات فى مواجهة جماعة الشباب المجاهد كيما تبقى القيادة عاجزة عن المضى قدما لاستعادة الدولة. ولا يقف الأمر عند هذا بل إن إثيوبيا باتت تتحكم فى تجارة الصومال، وتستفيد منها وتتربح فيها. وبات حكامها شركاء مباشرين فى الموز والماشية والإبل، وهم يرتبون مع حملة السلاح والميليشيات الإتاوات التى تدفع، كما لو كانت لإثيوبيا بالصومال دولة نظامية لديها مخابراتها وإداراتها ولفرض الضرائب وتسيير الجمارك داخل الدولة الصومالية.


وفى قلب إثيوبيا، ورغم إجراءاتها على حساب دول الجوار، يتحلل الموقف الداخلى تحللا كبيرا بسبب سياسة الحكومة الإثيوبية المنتمية إلى جماعة التجراي، والتى تعمل على توسيع إقليميها فى الشمال إلى الغرب على حساب بنى شنقول، والوسط على حساب الأمهرا، والجنوب على حساب الأورومو، وهو ما ألهب هذه الشعوب التى قامت تدافع عن التقسيم الإدارى القديم الذى يحفظ لكل قومية نطاقا جغرافيا معلوما. ومع استمرار الحكومة فى اختراق هذه النطاقات الجغرافية الإقليمية تستمر المظاهرات فى الأقاليم وفى العاصمة وتسيل الدماء بغزارة نتيجة للقمع والعنف الإثني.


خامسا- ولا يقف القرن الأفريقى عند حد ما يعانيه من مصاعب، سواء فى داخل دوله أو فيما بينها. إنما توافدت على الصومال رياح الطمع قادمة من دعاة الفرس الشيعة الإيرانيين ومن دعاة العثمانية الجديدة الأردوغانيين، يحاولون أن يجدوا لأنفسهم مكانا على حساب الغائب العربي، وبصفة خاصة على حساب الفاعل العربى الأساسى مصر. ولم تقف إسرائيل مكتوفة الأيدى، ففى دعوة للسفراء الأفارقة فى تل أبيب والقدس أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتن-ياهو عزمه تأسيس منتدى إسرائيل- أفريقيا على غرار ما صنعته كثير من القوى الكبرى والإقليمية واختار الصومال كى يعلن عن تقديم الدعم لجيشها ضد حركة الشباب. وكما جمع الأمريكان بين الأفاعى والثعابين جمع نتن-ياهو بين المتناقضات كلها، فالقاتل الأثيم على أرض فلسطين، العنصرى الصهيوني، يبدو رحيما بالصومال ومقاوما للإرهاب، بينما هو فى الحقيقة يدعم الوجود الكينى العسكرى المحتل لمواقع النفط داخل الأراضى الصومالية برا وبحرا، ويدعم الجيش الإثيوبى الموجود على الأرض الصومالية، هكذا إذن تمتد المخططات لكى تذكرنا بحالة التهييج التى جرت ضد مجموعات من القراصنة فُرضوا على الساحل الصومالى لكى يبرروا وجود أساطيل الدول الكبرى فى المنطقة. وفى نفاق بين استجاب العالم لأكذوبة حماية المنطقة من هؤلاء القراصنة، بينما كانت الحقيقة أن هؤلاء القراصنة جزء من المخططات الدولية فى مياه بحر العرب وباب المندب والساحل الصومالي.


سادسا- المحاولات السعودية لتصفية الانقلاب الحوثى فى اليمن بالقوة، والتى أدت إلى وقف تغلغل المد الإيرانى إلى مضيق باب المندب، وهو الأمر الذى تم بالتنسيق مع مصر التى قامت بإجراءات فعالة فى البحر الأحمر. تبدت منها حالة رفيعة من التعاون شاركت فيه الدول العربية على ساحلى هذا البحر الشرقى والغربي.


سابعا- ويدخل فى المتغيرات الهامة تلك الإرادة الحديدية للرئيس عبدالفتاح السيسى والقيادة العسكرية المصرية فى تحديث الجيش المصري، وتمكينه من نيل أسلحة نوعية ذات طابع استراتيجى مع تنويع مصادر التسليح على نحو نقل مكانة وترتيب القوات المسلحة إلى الأمام ليس فى المنطقة المشار إليها وحدها ولكن على المستوى الدولي.


فإذا نظرنا إلى هذه المتغيرات جميعا فى ضوء حقيقة كبرى جامعة هى وجود أميركى عسكرى متزايد منذ الإعلان عن القيادة العسكرية الأمريكية الجديدة لأفريقيا (أفريكوم) فى مقابل الانفتاح الاقتصادى العملاق للصين على القارة الأفريقية والذى بلغ أكثر من ضعف حجم نظيره الأمريكى أو فاق كل من الاستثمارات الأمريكية والأوربية معا فى أفريقيا، إضافة إلى عودة روسيا إلى أفريقيا، وبصفة خاصة منذ أمكن للقيادة المصرية والقيادة الروسية أن تتوافقا على عمل مشترك يحفظ وجودهما فى عالم مضطرب.


والشاهد فى هذا كله أننا نلمح حركة الغير على الأرض العربية الأفريقية أكثر مما نلمح حركة العرب والأفارقة لتأمين أنفسهم، ما يقتضى منا أن نسأل العرب والأفارقة سؤالا مريرا:


(إلام يعبث كل متجبر بأرض بلادكم وتجلسون صامتين كأن الأمر لا يعنيكم)؟ يا قادة أفريقيا والأمة العربية، أو يا أيها العرب الأفارقة والأفارقة العرب اختشوا!


إلى أين الطريق؟ إن الطريق تفرضه التحديات السابقة، وهو تأسيس نمط من العمل المشترك يتيح لأصحاب الأرض والبحار المعنية من الخليج شرقا إلى بحر العرب، فمضيق باب المندب فالبحر الأحمر وحوض النيل أن يعملوا معا، وأن يسعوا إلى تحييد كل القوى التى تقبع على أرضهم رغما عنهم، ولكى يفعلوا هذا فإن عليهم أن يمتلكوا إرادة صلبة قادرة على الفعل وقادرة على الإنجاز وأعدهم بشيء واحد إذا امتلكوا هذه الإرادة وهى أنهم لن يمروا من التاريخ إلى عالم النسيان إنما سيذكرون كما يذكر الآباء المؤسسون للوحدة العربية والوحدة الأفريقية سواء بسواء إذا هم اتخذوا الخطوات التالية:


أولا- لما كانت هنالك فى نهاية العام الحالى قمة عربية أفريقية يزمع عقدها فى مالابو (غينيا الاستوائية) فإن القمة يمكن أن توجه نداء صارما برفض الوجود العسكرى على الأرض العربية والأفريقية لأية قوة أجنبية.


ثانيا- انطلاقا من الاجتماع الذى تم للتنسيق بين القادة العسكريين لدول الساحل والصحراء يعنى الدول العربية والدول الأفريقية لمواجهة الإرهاب فإن الضرورة تفرض تشكيل مكتب متابعة من هذه الدول لإنفاذ مقرراته فى مجابهة الإرهاب مع الإعلان المباشر بأن الدول العربية والأفريقية إذ تنسق فى هذه المجابهة تحمل الأمم المتحدة ومجلس الأمن والدول المنخرطة فى دعم الإرهابيين المسئولية الكاملة عن عدم اتخاذ الإجراءات والقرارات الكفيلة بمنع تسليحهم مع المطالبة بتسليم رؤوسهم الذين ترعاهم هذه الدولة أو تلك ليخضعوا للعدالة ولتتم محاسبتهم على ما جنت أيديهم.


ثالثا- إن الظروف ناضجة لتأسيس «المنتدى العربى الأفريقى للبحر الأحمر» على أن يضم هذا المنتدى كل الدول العربية المطلة على البحر الأحمر ومن يرغب من ظهيره شرقا من دول الخليج ومعها الدول العربية الأفريقية (مصر- السودان- جيبوتي- إريتريا- الصومال) وفى هذه الحالة فإن كثيرا من المتغيرات ستفرض نفسها، كما أن كثيرا من المزاحمات سينحسر خطرها إذ يكفى أن يعلم الكافة أنك تملك الإرادة وأنك عازم على المضى فى الطريق إلى آخره، وهذا فى حد ذاته يردع من يخطفون الأضواء ويمارسون البروز الإعلامى ويتحركون على المسارح حركات عارضة، لأنهم سوف يقولون قولا واحدا قوة وجود غير مقبولة، أو إن شئت قوة احتلال خفى جرى تعريتها.


رابعا- أن من المهم وقد صارت مصر عضواً فى مجلس الأمن والسلم الأفريقى أن يتم تفعيل فكرة مجلس الأمن والسلم العربى وأن يدخل المجلسان على الفور فى حوار استراتيجى لضمان تفعيل العمل الجماعى العربى الأفريقى وتأكيد فرص مقاومة الإرهاب وفرض حالة من الاستقرار تتيح لشعوب المنطقتين- المنطقة الواحدة استراتيجيا فى حقيقة الأمر- التفرغ للبناء والتنمية والبناء الحقيقى لتعاون عربى أفريقي.


إن بوسع العرب والأفارقة أن يكونوا شيئا مذكورا فقط إذا ما أرادوا أن يكونو شيئا مذكورا، وبوسعهم أن يحافظوا على أنفسهم لو تكاتفوا ضد المفتئتين عليهم، هذا وحده يعيد إريتريا قوة فاعلة فى الإقليم، وهذا وحده يوحد الصومال، وهذا وحده ينسق الأدوار ويساعد على البناء والتنمية ويدعم الاستقرار وينشر السلام فى هذا الجزء الذى طالت معاناته وتفرقت شعوبه، وعانت البؤس والشقاء. وهى جديرة بأن تنال حقها من الأمن ومن التنمية والمشاركة فى حياة حرة كريمة بعيدا عن اختراقات أراضيها والتحكمات فى مصالحها من هذا الطرف أو ذاك، وهذا فى حد ذاته يجعل كل المفتئتين يثوبون إلى رشدهم.