خروجا عن مبادئ الإسلام الأسباب والعلل وتشخيص الداء

17/08/2016 - 12:16:29

بقلم - رجائى عطية

بذل المؤرخون، القدامى والمحدثون، جهودًا جادة للتعرف على سبب أو أسباب نكبة البرامكة، ولم يستقروا جميعهم على رأى واحد، وإنما تعددت بهم الأسباب والعلل، دون كلمة من الرشيد تهديهم وتهدى دولته والأمة القائم بأمرها، لماذا بطش وأطاح فجأة بأسرة البرامكة، ونكبهم هذه النكبة الشديدة غير المفهومة.


وهذه التعمية هى أشر نواتج الحكم الاستبدادى المطلق، أن يفعل الحاكم ما يشاء بمن يشاء متى يشاء، دون أن يكون مطالبًا ببيان العلة أو السبب، ودون أن يجرؤ أحد من الرعية على سؤاله أو مطالبته بذلك!


لقد عرف الناس لماذا أمر الرشيد فور توليه الخـلافة، بضـرب عنـق «أبى عصمة» القائـد، لأن ولاءه أو مصانعته للخليفة «موسى الهادى» شقيق الرشيد، دعته إلى تقديم موكب «جعفر» ابن موسى الهادى على مرور عمه الرشيد على الجسر، وقال عبارةً لم ينسها له هارون: «اصبر وقف حتى يجوز ولى العهد»، فحفظها الرشيد له، وما أن تولى الخلافة حتى أمر بضرب عنقه قبل أن يسير إلى بغداد لتولى مقاليد الحكم!


عرف الناس لماذا ضرب هارون ـ عنق القائد «أبى عصمة»، لأن الرشيد لم يُخف السبب، ولأن السبب كان واقعة ذائعة مشهورة!


أما نكبة البرامكة، وعلة البطش بهم هذه البطشة الغليظة، فلم يتحدث بها الرشيد حديثُا معلنًا قط، فظل الناس فى حياته، والمؤرخون بعد وفاته، يضربون أخماسًا فى أسداس لماذا بطش بهم الرشيد هذه البطشة الشديدة!


ودارت الأسباب التى أوردها المؤرخون، حول الملل والغيرة اللذين يتسربان إلى السلطان، وتصاعد هذا الشعور إلى حذر وتوجس ومخاوف، ساهم فيها اتساع مكانة البرامكة واتساع سلطاتهم ونفوذهم، وتزايد ثرائهم وقصورهم، وتوليهم كافة مفاصل الدولة حتى صارت الكلمة لهم، مما لا يرضى الحاكم المستبد الحريص على أن تكون كلمته هى الأولى والوحيدة، وزاد البعض على هذا السبب إطلاق جعفر بن يحيى سبيل «يحيى بن عبد الله بن الحسن» العلوى، والذى كان الرشيد بعد نقضه الأمان الذى كان قد أعطاه له، قد عهد به إلى «جعفر بن يحيى» ليكون تحت يده، وأن الرشيد وإن أظهر لجعفر ـ حين علم بإطلاقه أنه أحسن صنعًا، وأنه لو سأله لأشار عليه بنفس ما ارتآه، إلا أنه أضمرها لجعفر أن خالف أوامره، وأطلق سراح العلوى الذى يظن الرشيد أنه خطر عليه.


وتوسع البعض، على اختلاف فى الآراء وفى التفاصيل، بنسبة موجدة الرشيد على
«جعفر»، إلى علاقته بأخته العباسة التى كان قد أذن لهما بالزواج شريطة ألا يكون بينهما ما بين الزوج وزوجته، فخالفا أمره، وأثمرت العلاقة الزوجية التى صرح بها وحرم على الزوجين ممارستها ـ أثمرت طفلا، وشى الوشاة بأمره إلى الرشيد، وقالوا له أن اخته العباسة قد هرّبت الوليد مع بعض جواريها إلى مكة حيث يُرَبّى فيها، ونسج البعض روايات حول هذا الغرام بين العباسة وجعفر، وكيف خدعته لتجره ـ متخفية ـ إلى معاشرتها على أنها إحدى الجوارى اللائى تدفع إحداهن إليه كل ليلة، فأقبل عليها دون أن يرى وجهها، ونسجوا كيف استشاط الرشيد غضبًا حين علم بأمر المعاشرة وأمر الولد، ولم يقل هؤلاء النساجون كيف خفيت مظاهر الحمل وارتفاع البطن لتسعة أشهر فى البلاط الملكى وأمام الخليفة وأسرته، وزادوا أن الرشيد حين حج حجته الأخيرة التى فيها سجل ولاية العهد لأولاده الثلاثة على التوالى، استوثق هناك من الأمر، وعاد من الحج وقد عزم على قتل «جعفر بن يحيى» البرمكى، وقد كان!


وذكر المؤرخون من هذه الأسباب، ما كان يدسه «الفضل بن الربيع» كاره البرامكة، وبكار الزبيرى الكاره للعلويين، من وشايات ومزاعم وادعاءات وشائعات إلى الرشيد، يدور بعضها على أن للبرامكة ميلاً إلى العلويين، ويدور بعضها حول اتهامهم بالزندقة، فضلا عن أن «زبيدة» زوجة الرشيد كانت تجد على «جعفر» بالذات ـ أنه الذى قام فى أمر عقد ولاية العهد للمأمون على حساب نجلها «محمد الأمين».


واستشهد بعض المؤرخين بأن النكبة لم تكن مفاجئة، وإنما كانت لها مقدمات وأسباب طويلة، وأن الرشيد كان على قدر كبير من الدهاء، فدارى نواياه، وإن شفت على نيته بعض وقائع، ذكروا منها ما رواه الطبرى وغيره، من أن «يحيى بن خالد البرمكى»، دخل يومًا على الرشيد بلا إذن على ما جرت عليه العادة ومعاملة الرشيد المعتادة له، ولكن الرشيد أظهر له نفورًا وردّ عليه على غير ما اعتاد محادثته به، ثم قال لجبريل والد بختيشوع الطبيب الذى كان بمجلسة: ما بالنا يُدْخل علينا بلا إذن، فأدرك «يحيى» البرمكى أنه المقصود، فقام ليقول للرشيد:«يا أمير المؤمنين قدمنى الله قبلك (أى أماتنى)، والله ما ابتدأت ذلك الساعة، وما هو إلا شىء خصنى به أمير المؤمنين ورفع به ذكرى، حتى إنى كنت لأدخل عليه وهو فى فراشه مجردًا أحيانًا، وحينًا فى بعض إزاره، وما علمت أن أمير المؤمنين كره ما كان يحب. وإذ علمت، فإنى أكون عنده فى الطبقة الثانية من أهل الإذن، أو الثالثة أن أمرنى سيدى بذلك».


وقيل أن الرشيد استحى، وكان من أرفق الخلفاء وجهًا، وقال ليحيى وعيناه فى الأرض ما يرفع إلى «يحيى» طرفه: «ما أردت ما تكره، ولكن الناس يقولون!»، وقال جبريل الذى روى الواقعة، إنه ظن أنه لم يسنح للرشيد جواب يرتضيه، فأجاب بذلك ثم أمسك. وخرج يحيى.


وأورد الطبرى وابن الأثير أيضًا، بسندهما ـ أن يحيى بن خالد البرمكى، دخل بعد ذلك يومًا على الرشيد، فقام الغلمان إليه، فقال الرشيد لمسرور الخادم: مُرْ الغلمان إلا يقوموا ليحيى إذا دخل الدار. وقيل أن يحيى البرمكى دخل يومًا فلم يقم إليه أحد، فاربدّ لونه، وإن الغلمان والحجاب كانوا بعدئذ إذا رأوه أعرضوا عنه. فكان ربما استسقى الشربة من الماء أو غيره، فلا يسقونه، وبالحّرى أن سقوْه أن يكون ذلك بعد أن يدعوا بها مرارًا.


ولا أعتقد أن سبب هذه البطشة الشديدة أو النكبة العريضة، يمكن أن يرد إلى سبب واحد أو علة واحدة، فذلك ضد واقع الحياة وطبائع الأشياء فى شئون الحكم، والمؤكد أنه كانت هناك علل وأسباب لهذه النكبة، بعضها ولا شك رئيسى، والبعض الآخر ليس على ذات القدر وقد يكون ثانويًّا، بيد أن هذه الأسباب تتكتل وتتساند لتشكل وحدةً واحدة هى التى تحرك الأمور فى اتجاه البطش العنيف الذى صارت إليه!


على أن ذلك لا يمنع من أن بعض الأسباب التى قيلت، لا تصمد للبحث، ويغلب عليها الرجم أو ما يشبه الرجم، وظنى أنه لا يستقيم لنا التفتيش عن الأسباب دون أن نشخص شكل أو صورة النكبة، لأن هذا التشخيص يعطى رؤيةً لازمة لسَبْر أغوار العلل والأسباب!


صورة أو صور النكبة!


لا أعتقد أن النكبة جرت على شاكلة أو صورة واحدة، وإنما على صورتين أو مشهدين يجب التمييز بينهما، لأن لهما ما بعدهما فى سَبْر العلل والأسباب.


أن ما جرى مع «جعفر بن يحيى»، يختلـف بوضوح عما جـرى لباقى الأسـرة، فقـد كان «جعفر» هو الوحيد من الأسرة الذى ضُرب عنقه وصلب جثمانه بعد تقطيعه، وامتدّ ضرب الأعناق إلى صبيين صغيرين له!


فتقول حقائق الأحداث، أن قطع الرقاب، لم ينل إلا «جعفر يحيى البرمكى»، واقترن بالتمثيل بجثته وصلبها على ثلاثة جسور ثم حرقها، إمعانًا فى التشفى، وإن القتل امتد إلى صبيين صغيرين من أولاده، لم يكن على أى منهما أى مأخذ.


وقد روى الرواة أنه أُتى إلى الرشيد بصبيين صغيرين كانا ولدى جعفر، وكان جميلين حسنى الصورة، فاستنطقهما الرشيد فوجدهما فصيحين يتكلمان بلغة مدنية جميلة، وينطقان بفصاحة هاشمية، ولكنه أمر بضرب عنقهما!!


بيد أنه فيما عدا الغلمان والموالى الذى امتد إلى بعضهم القتل، فإن التعامل اختلف مع باقى الأسرة: يحى الأب، وأبنائه الثلاثة الباقين: الفضل، وموسى، ومحمد.


فلم يجر ضرب الأعناق والقتل على الأب وأبنائه الثلاثة الآخرين، أو على أحد من الأسرة والأحفاد، ولم تضرب أعناق سوى «جعفر» وولديه الصبييين الصغيرين.


ومعنى ذلك أن موقف الرشيد، ودوافعه، بالنسبة لجعفر، تختلف اختلافًا أساسيًّا عن موقفه ودوافعه بالنسبة للأب يحيى وأبنائه الثلاثة الفضل وموسى ومحمد، بل ويمكن استنتاج أن العصف بالأسرة كان أثرًا من آثار ضرب عنق «جعفر»، اتقاءً للتداعيات والآثار التى يحتاط منها الحويط!


بل إن حبس الرشيد ليحيى البرمكى قد بدأ رفيقا فى منزله، ثم نقل مع بعض التداعيات إلى السجن الذى كثرت فيه معاناته، ورفض الرشيد الاستجابة لرجائه الذى بثه إليه كتابةً وذكر بعض المؤرخين نصه، على أن الرشيد لم يجاوز الحبس إلى قتل أحد من الأسرة أو ضرب عنقه كما فعل بجعفر، وثبت أن يحيى والفضل بقيا فى الحبس حتى ماتا فيه، لا يوجد خبر يفيد أن الرشيد أقدم على قتل أحد من الأسرة خلاف جعفر بن يحيى وصبييه.


أسباب فى الظاهر


ولا مقنع فيها


وأنت مهما اجتهدت، وعلى كثرة ما اجتهد الباحثون والمؤرخون، لن تجد ولم يجد أحد ما يمكن أن يكون سببًا قويا تقبله الأفهام لهذه البطشة الجامحة، ولا لعلة اختلاف موقف الرشيد بين جعفر وباقى أفراد الأسرة، الأب أو بنيه.. ولا يجزئ فى ذلك قصة العباسة المنسوبة لجعفر، فهى قصة متهافتة لا تصمد للنظر، ومليئة بالثقوب، ولا هى بالقصة التى تقبل طبقًا لتفسير الأستاذ أحمد أمين أن الحب والمشاعر لا يفرقان بين الشريف والوضيع ولا بين الغنى والفقير.


كما أنها ليست بالقصة التى ترفض للأسباب التى أبداها ابن خلدون، واستبعد فيها على العربية البدوية الأصيلة سليلة الخلفاء وأخت الخليفة أن تتردى فى مثل هذه العلاقة، فلا منطق الأستاذ أحمد أمين شاذ مستبعد، ولا استبعاد ابن خلدون قائم على أسباب مقبولة، وإنما يأتى استبعاد هذه الحكاية من ذات عناصرها الوهمية التى نسجها الرواة.


حكاية تحرج الرشيد من حضور العباسة وجعفر لمجلس شرابه ولهوه، وما يسفر عنه من النظر إليها، تعلة بالغة الانتحال، لأن التحرج من النظر إلى أخت الخليفة الحاضرة لمجلس اللهو والطرب، إنما يأتى من جميع الحاضرين، جعفر وغير جعفر، ولا معنى لخص جعفر بهذا التحرج إلا أن يكون الرشيد قد أحس بأن بينهما عاطفة وهوى، وعلاج ذلك أمر هين على خليفة يملك الأمر والنهى، ويأمر أخته الصغيرة فتطيع، وما كان عليه إلا أن يأمرها، بل كان هذا واجبًا من البداية، بالكف عن حضور هذه المجالس التى لا تليق بالحرائر، ناهيك بأخت الخليفة وأمير المؤمنين!


وأعجب من هذا، أن يفكر الخليفة فى عقد زواجهما والشرط عليهما ـ إلا يكون بينهما ما يكون بين الزوج وزوجته، فمعنى هذا الشرط الغريب العجيب، أن الرشيد على اقتناع بل يقين بأن الغرام قد أخذ بهما، ويبعد فى أى منطق، ناهيك بخليفة فى عقل الرشيد، أن يصرح بزواج ويشترط عدم ممارسته، ويتهيأ له أن هذا الشرط ممكن التنفيذ، حتى ليطيش صوابه عندما يعلم أن الحبيبين اللذين أخذهما الغرام وربطتهما الزوجية التى صرح بها، قد اجتبى منهما الزواج جزيته، وأنهما مارسا ما أحلّه الله والزواج لهما، والأولى بدلاً من هذا الإمعان فى الخيال، أن يبعد الخليفة النار عن الشرر، وأن يأمر أخته بأن تلتزم ما تلتزمه حرائر بيت الخلافة، وتكف عن حضور ومداومة حضور مجالس اللهو الطرب والشراب!


وأكثر من هذا خيالاً ووهما، أن ينسج النساجون قصة مؤداها أن العباسة هربت وليدها مع بعض جواريها إلى مكة ليربى هناك، متجاهلين أن أمرًا كهذا لا يخفى بين الجوارى فى البلاط الملكى، ومتجاهلين أن هذا الخيال مستحيل الوقوع بما يصاحب الحمل من مظاهر تعلو فيها البطن على مدى تسعة أشهر، يلحظها الأعمى والبصير بين أسرة الخليفة والجوارى والخدم ببلاط الخلافة!


أما إطلاق «يحيى بن عبد الله بن الحسن» العلوى، فهو على علة الرواية لا يبرر هذه البطشة الجامحة، فقد يبرر اللوم أو المؤاخذة أو العزل عن المنصب، فكل الأدوات متاحة للخليفة يستطيع أن يلجأ إلى ما يشاءه منها، سيما وحبس «يحيى بن عبد الله العلوى» مناقض للأمان المكتوب الذى أعطاه له الخليفة، ويخالف شرائع الإسلام، وأصول الشهامة العربية، فضلاً عما يجب بين أبناء العمومة داخل البيت الهاشمى المنتسب إلى الرسول عليه الصلاة والسلام.


ويمكنك أن ترى اتساع الأمر للوم أو المؤاخذة أو العزل، مما قيل أن الرشيد قاله لجعفر، من أنه كان حريًّا به أن يتخذ ما اتخذه، فهو يدرك أن الأمان لا يجوز نقضه، وأن نقضه محسوب على الخليفة، وأنه لا يعفيه منه الفتوى الضالة التى انتزعها انتزاعًا على ما مر بنا، وأن هذه الاعتبارات توسع لجعفر أن يعالج الأمر بحكمة تصب فى النهاية فى صالح الخليفة نفسه، سيما ولم يظهر من العلوى الهاشمى أى شر على مدى سنوات منذ تصالح وأُعطى الأمان المكتوب بيد الرشيد. وليس من الحكمة أو الحصافة، أن يتعامل الخليفة مع وزرائه الكبار على أنهم مجرد خدم وحشم، وعليه أن يفسح لهم، فإذا لم يعجبه قرار اجتهد فيه وزيره، فإنه يستطيع أن يحاسبه ويلومه ويؤاخذه بل ويعزله عن منصبه، ولا يحتاج الأمر لضرب عنقه فى هذا المشهد المأساوى الملىء بالتشفى المقصود، والمقرون بضرب العنق، وتقطيع الجثمان، ونشره مصلوبًا على ثلاثة جسور ببغداد مدينة السلام، قبل حرقه بعد أن أنتنت رائحته.


وعلى ذلك فأنت ترى أن لا شىء مما قيل، يبرر هذه البطشة الجامحة بالوزير الذى تربطه به محبة وصداقة وعشرة ومودة، وكان أمام الخليفة من البدائل ما يغنيه عن هذا الجموح!


الذى لا شك فيه، أن الرشيد أراد ما فعله بالبرامكة، وأقوى الأسباب التى قيلت لذلك، اتساع سلطانهم ونفوذهم، وتزايد ثرائهم، واتجاه الناس والشعراء والأدباء إليهم، وضيق البعض من علو كعب الموالى والشعوبيين، على العرب، ورغبة الخليفة أن ينفرد بالأمر، وألاَّ يزاحمه فى سطانه مزاحم.


كل هذا مفهوم بل هو قصة متكررة، ولكنها على أرجحية مبرراتها، لا تبرر هذه البطشة الباطشة، فسلطان البرامكة لم ينتزعوه رغم أنف الخليفة، وإنما مارسوا ونفدوا ما أعطاه لهم، وذلك واضح مما أولاهم إياه من ثقة، وما بوأهم من مناصب كان يمستطاعه أن يحجبها أو يقتصد فيها، أو يبدل ويغير مواضعها، وأن يعزل من يشاء عنها، ولا خوف على الخليفة من مناهضة أو مقاومة، فمشاهد النكبة ذاتها تقطع بأن البرامكة استكانوا ولم يثوروا ولم يناهضوا ولم يبذلوا أكثر من التوسل والاستعطاف والرجاء، وكلها ردود أفعال لم تكن لتغيب عن الرشيد، وتوفر عليه كثيرًا من العنف والقسوة والتشفى إزاء من خدموه سنين عددًا، وساعدوا فى إقامة صرح مملكته المترامية!


ظنى أن السبب الرئيسى كامن وظاهر، عشق السلطة وعشق الاستبداد بها. ويصعب بل يستحيل أن نجد سببا لبطشة الرشيد هذه البطشة الجامحة، غير الحكم المطلق، والاستبداد.. فأين هذا من سيرة النبى عليه الصلاة والسلام، ومن سيرة الخلفاء الراشدين الذين اقتدوا وتأسوا به، فسطروا صفحات سرعان ما داسها هؤلاء السلاطين الذين تمسحوا فى الإسلام، ولكنهم ناقضوه كل المناقضة.