فنانو «مزاهر» أعمارهم تعدت ٨٠ عامًا.. وزوارهم عرب وأجانبفرقة «الست مديحة»: «الزار فن وملناش فى السحر»!

17/08/2016 - 11:56:29

تقرير: عالية الجعبرى وإسراء أيمن

فن الزار، أحد الفنون المصرية التى قاربت على الاندثار، وتعنى أصل الكلمة «زائر النحس»، ويوجد ثلاثة أنواع من الزار، الزار الصعيدى أو المصري، والزار السودانى أو الإفريقي، وزار أبو الغيط وهو زار مدح النبي، ويمتاز كل نوع فيهم بإيقاعته المختلفة.


ويشتهر الزار بأنه يساعد على التخلص من الجن والعفاريت وأنه نوع من الشعوذة، وهذا ما يرفضه فنانو الزار، يؤكدون أن الزار عبارة عن فن وموسيقى، وهو فن ليس «فيه حاجة غلط.. وأنهم ليس لهم فى السحر».


«المصور» زارت فرقة «مزاهر» لموسيقى الزار الشعبى فى المركز المصرى للثقافة والفنون «مكان»، وقالت «الست مديحة أم سامح»، مؤسسة الفرقة، «بدأت فى الغناء فى جلسات الزار وعمرى ١١ عامًا, وكانت العائلة معظمها تعمل فى الزار، فنشأت فيه وأحببته وتمسكت به إلى الآن».


وتضيف «مديحة»: «الزار عبارة عن فن وموسيقى، والناس «بتستريح عليها» وموجود ليس فى مصر فقط، بل فى المغرب ولبنان والصومال والجزائر، وكل بلد وله أسلوبه فى تقديمه، فالزار «لا هو حاجة غلط ولا حاجة بتضرى بها نفسك.. واحنا ملناش فى السحر»، لافتة إلى أنه بالنسبة للذبح الذى يحدث فى الزار ويرفضه البعض باعتباره شعوذة، «فعملنا الأساسى فى الحوارى والمناطق الشعبية، ومن تعمل زار هُناك، تكون عاملة حسابها، إنها تعزم جيرانها وأهلها.. وعيبة لو جلسوا بدون أكل، لذلك فهى تذبح لهم».


وتضيف فاطمة خليل أم حسن، إحدى أعضاء فرقة «مزاهر»، تعرضنا لمضايقات كثيرة وطرد من الجيران، فتضطر من طلبتنا لعمل الزار، تغيير مكان الزار عند والدتها أو أحد أقربائها، موضحة أنهم آخر حافظى ذلك التراث الفني، فتقول: «زمان الزار ما كانش ليه مستقبل فكان اللى يكبر فيه وميقدرش يدى يتركن على الحيط للى بعده»، لكن الآن العالم اتغير، وأصبح فيه اهتمام من الأجانب بالزار، واللى عايز يتعلم يجى يتعلم، المركز فاتح أبوابه، واللى ليه مزاج يتعلم، هيتقبل ويتحمل ولن يتركنا بعد شوية، خصوصا أن الزار لا ليه ورقة ولا نوتة».


وساهمت فرقة «مزاهر» بأعضاء فرقتها فى تحسين الصورة السلبية التى كونتها الدراما المصرية عن الزار، والتأكيد أن الزار جزء أصيل من الثقافة والتراث المصرى شأنه شأن الفنون التراثية الأخرى، ويعتمد على آلات الطبلة والمزمار والكنبورة والدف والصاجات والأراغول والسمسمية فى الزار الإفريقي، وتم تقديم العروض المختلفة داخل وخارج مصر، بالتعاون مع المركز المصرى للثقافة والفنون «مكان»، فتنقلت «مزاهر» إلى المجر وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا وغيرها.


«المصور» رصدت بعضا من حاضرى الزار فى «مكان» لمعرفة أسباب تواجدهم، فقالت نانسى عبدالعظيم، أخصائى تراث شعبى فى متحف الحضارة، إن الموسيقى رائعة، وهذا تراث بلدنا، وهويتنا الموسيقية المميزة عن غيرنا ما يعتبر جاذبا للسياح، لكن لا توجد أماكن كثيرة تقدم هذا النوع من الموسيقى، فلا يوجد -حسب علمى- سوى «مكان» التى تقدم فرقة «مزاهر»، ومسرح الضمة التى تقدم فرقة أسياد الزار، وبالرغم مما هو شائع عن الزار أنه لأعمال السحر والشعوذة، فهذا كان شأن أجدادنا، ونحن كمتحضرين لا يعنينا، سوى التراث الفنى فلماذا لا نعيد تقديمه.


أما منال عواد، فتقول، أنا مهتمة بهذا النوع من الأشكال الموسيقية التراثية بحكم تخصصي، وقد شاهدت مؤخرا الزار، صحيح أن التجربة كانت مُختلفة ومُرعبة بعض الشيء، إلا أننى لا أُمانع من مشاهدته مرة أخرى، فهو فن فى الأول والآخر، وتقارب لأصوليات فنية لم نتمكن من مشاهدتها فى مكانها الأصلي.


ويقول طاهر محمد، ٢٢ عامًا، أُفضل التراث الشعبي، لأنه يعيدنى لموسيقى أجدادى ويربطنى بهم روحانيا، وقد أعجبنى «مكان» من حيث ديكوراته وشخصيته التاريخية المختلفة عن المراكز الثقافية، أو أماكن عرض الفنون الشعبية التراثية.


وقد لاحظت «المصور» خلال وجودها فى «مكان»، أن هناك أجانب وعربا وليس فقط مصريين، فيقول «أبو محمد « قطرى ٥١ عاما، يجلس فى إحدى الزوايا، هو وابنته، والتى أصر على اصطحابها إلى هذا المكان، قائلا: «أنا من عشاق الزار، ودائما آتى إلى هنا فى كل زيارة لمصر، فلا يمكن أن أضيع فرصة مثل هذه».


مضيفا: «أتمنى أن تهتم وزارة الثقافه بمثل هذه الأمور، لأنها من المعالم التراثية التى تشكل صورة رائعة عن التراث والثقافة المصرية، ومع الأسف فى كل زياراتى أجد أكثرية الحضور من الأجانب، وكنت أتمنى أن أرى شبابا مصريين من يقوم بهذه العروض، بدلا من الكبار.


وتقول هند الخضيري، طبيبة مصرية تعيش فى إنجلترا منذ ٢٠ عاما، «للأسف لم نكن نعلم بأن الزار يعرض فى مراكز ثقافية، فقد ظننا أنه أصبح تراثا ثقافيا لم يعد له وجود سوى فى ذاكرة السينما والكتب والقصص، خاصة أن هذا النوع من الفن التراثى الرائع يستحق الاهتمام، ويحتاج إلى مزيد من التسويق له سواء داخل أو خارج مصر».


لكن نوال عيسى، من البحرين، كان لها رأى آخر، قائلة: لقد أتيت إلى المكان على اعتبار أنه مولد شعبى وليس زارًا، وأعتبر تلك الموسيقى خاطئة، لأن أصولها استخراج الجن والمس من الإنسان فى زمن لا يوجد به أطباء نفسيون، ولا أفضل تكرار التجربة مرة أخرى، وقد عرفت المكان من خلال صديقة مصرية.


فى السياق ذاته، يقول أحمد المغربي، مؤسس المركز المصرى للثقافة والفنون «مكان»: إن المركز يقدم كل أربعاء حفلة موسيقية للزار الشعبى منذ ١٥ عاما، وكان هُناك تخوف فى البداية للالتباس بين الموسيقى وتقديم الطقوس الأخرى، إلا أن «مكان» نال ثقة المؤسسات المختلفة، بل وأصبح هُناك عملية تبادل وتعاون لتقديم ذلك التراث فى مختلف البلدان الأجنبية كنوع من الموسيقى كالروك والهيب هوب والجاز.


ولفت «المغربي» إلى أن موسيقى الزار كثير من الناس يربطها بالسحر والشعوذة، وهذه صورة خاطئة قدمتها لنا الدراما، وحقيقة الزار هى أنه منتج ثقافى إنسانى تم تطويره من الموسيقى الإفريقية والفرعونية، حتى وصلنا بهذا الشكل، وهناك أنواع عديدة من الزار فى كل بلد سواء المغرب أم لبنان، فكل قام بتطويعه تبعا للآلات المتاحة أمامه فى عصره.


وأكد «المغربي» أن الزار وغيره من المأثورات الشعبية الغنائية المصرية، كالموال وفن الأراجيد النوبى والجعافرة والغجر، متوارث، وبالتالى مُهدد بالضياع فى ظل زيادة أعمار حفظة التراث التى تتعدى الثمانين، وبالتالى كان لتأسيس «مكان» أهمية بالغة فى حفظ وتسجيل وتوثيق لكل ما هو قديم بالتعاون مع سيد ركابى وفرح المصرى وجمالات ورضا شيحة وأحمد الشنكحاوى وسالم عطالله وعلى الخلصوى وأم سامح ورأفت وأم حسن وغيرهم، وتشكيل الفرق الموسيقية طبقا لأشكالها القديمة، حفاظا على ذاكرة الوطن الموسيقية والغنائية وتقديمها مجددا عبر مكان.