نجاحات وإخفاقات وجدل على الدوام

17/08/2016 - 11:28:31

بقلم: خالد عكاشة مدير المركز الوطنى للدراسات الأمنية

مشوار طويل قطعه جهاز الشرطة المصرية فيما يقارب على ١٠٠ عام منذ بدأ يتشكل له دور سياسى فى منظومة الحكم بمصر، تقلب داخل عهود وأحداث عديدة صعودا وهبوطا واقترابا وتباعدا لكنه ظل كمثيله من أجهزة الأمن فى كافة دول العالم، له مساحة هامة فى العمل بجوار النظام الحاكم يستهدف الحفاظ على الأمن الداخلى للدولة وبصورة أو بأخرى يحافظ على الاستقرار السياسي، وفى تلك الأخيرة ربما تختلف زوايا الرؤية وتتضارب المفاهيم حول أى نوع من الاستقرار السياسى يعمل عليه جهاز الأمن فى أى دولة، فالمتصور أن تصبح زاوية الرؤية من ناحية النظام الحاكم غيرها عن أحزاب معارضة أو كيانات داخلية تعادى هذا النظام وربما أيضا مجموعات تحمل السلاح وتنتهج العمل السرى بغية إسقاط هذا النظام، لذلك تبقى دائما معادلة العمل الأمنى لها ظلال سياسية تتسع وتضيق بحكم الظرف التاريخى وملابساته


وتبقى وزارة الداخلية أو أى من مسميات الأمن الداخلى تحمل تناقضات تلك الرؤى وتحظى بأهمية وتقدير بالغين فى حين تظل هى الهدف الأبرز والدائم لسهام النقد، وربما تسجل لها مجهودات وضربات ناجحة فى مجابهة الخروج عن القانون أو أى من الاختلالات الأمنية فى الوقت الذى تتعثر أمام بعض الإخفاقات التى قد تسبب مشكلات وأزمات، ولهذا ولغيره من تشابكات الدور الأمنى فى الحفاظ على استقرار الدولة وصيانة قوانينها وبالأخص الدور السياسى الذى نحن بصدده، هناك مسيرة تاريخية وبعض من المحطات الهامة والدالة رأينا أن نلقى الضوء عليها ونستذكرها بغرض استكشاف المستقبل على خلفية هذا الماضى البعيد والقريب من أجل دور أمني رشيد واع، نستهدف صياغته اليوم قبل الغد يساعد الدولة فى المضى قدما إلى الأمام بخطوات ثابته لا يشوبها ارتباك الرؤية بأى صورة من الصور.


الشرطة السياسية أو البوليس السياسى هو جهاز أمنى تأسس عام ١٩٢٤م فى عهد «الملك فؤاد» بهدف حماية الملك من مؤامرات تهدد حكمه، لكنه بعد قيام الحرب العالمية الثانية ١٩٣٩م امتد نشاط الشرطة السياسية فى مصر وتوسعت مهامه بشكل كبير، لكن قبل هذا التأسيس الرسمى كان هناك فصلا يعد البداية الحقيقية لتشكيل دور يمكن اعتباره دورا أمنيا سياسيا فى فبراير من العام ١٩١٠م، جاء ذلك عندما أطلق شاب مصرى يدعى «إبراهيم الورداني» الرصاص على رئيس الوزراء “بطرس باشا غالي” فأرداه قتيلا، وكانت تلك أول حوادث الاغتيال السياسى فى مصر التى عدت سببا مباشرا فى بحث إنشاء جهاز بوزارة الداخلية المصرية تحت قيادة الإنجليز وكان هذا الجهاز يطلق عليه فى البداية اسم “مكتب الخدمة السرية”، ثم حمل عدة أسماء أخرى فيما بعد منها «القلم المخصوص” و”القسم السياسي»و»الغرفة ب” وكان السير/ الدون جوست هو صاحب الفكرة ومهندسها نقلا عن مثيلتها بجهاز الأمن الإنجليزى فى بريطانيا حينئذ، وكان المكتب فى البداية يهتم بالجمعيات السياسية ذات النشاط المعادى للإنجليز وللسراى والنظام الذى كان يحميه الإنجليز، واقتصر فى مهامه الأولى على إرسال تقارير إلى دار المعتمد البريطانى والمندوب السامى بطبيعة وضعية الاحتلال، ولم يقدم تقاريره أو نسخا منها إلى الحكومة المصرية إلا بعد تصريح فبراير ١٩٢٣م ومنذ هذا التاريخ تؤكد الوثائق أن هذا المكتب أصبح يتبع السراى مباشرة، ولم يكن البوليس السياسى يعمل فى الداخل فقط بل كان نشاطه يمتد خارج مصر، وقد أرسى قواعد هذا التقليد «حسن نشأت باشا» سنة ١٩٢٤م عندما كان رئيسا للديوان الملكي، وكان عرش الملك فؤاد مهددا بمؤامرات الخديو المخلوع عباس الذى كان يحاول العودة إلى مصر، وكان حسن نشأت يملك شبكة واسعة ونشطة من العملاء فى أوربا وتركيا يتلقى منهم تقارير بصفة دورية عن نشاط الخديو السابق وتحركاته واتصالاته، وكان من مهام الجهاز عبر العملاء الذين يعملون لحسابه أيضا تقصى أخبار الطلبة اليساريين والوفديين.


بدأت‏ ‏سلسلة‏ من عمليات‏ الاعتداء ‏ضد‏ ‏أفراد‏ ‏الجيش‏ ‏البريطانى اعتبارا من العام ١٩٤١م، ‏وواكبت‏ ‏هذه‏ ‏الحوادث‏ ‏ظروف‏ ‏الحرب‏ ‏العالمية‏ ‏الثانية‏ ‏التى ألقت على عاتق البوليس السياسى عبء متابعة ومراقبة رعايا دول المحور فى مصر وتحرى نشاطهم، ليتطور‏ ‏جهاز‏ ‏الأمن‏ ‏السياسى ‏خلال‏ ‏تلك‏ ‏الفترة بطبيعة تلك المهام الجديدة فعلى المستوى المركزى ظل «القسم المخصوص» يقوم بدوره فى الإشراف وتحريك أجهزة الأمن السياسى الفرعية، ‏وعلى‏ ‏المستوى‏ ‏المحلى تولى‏ «‏قلم‏ ‏الضبط‏ ‏فرع‏ ‏ب» ‏القيام‏ ‏بعمليات‏ ‏اعتقال‏ ‏الألمان ومن يتعاون معهم، ‏ويبدو‏ ‏أن‏ ‏ضغط‏ ‏العمل‏ ‏على «‏قلم الضبط‏ ‏فرع‏ ‏ب‏» ‏كان‏ ‏متزايدا‏ ‏فأنشئ‏ «القسم المخصوص» فى بوليس القاهرة لإجراء التحريات الخاصة عن الإيطاليين والألمان، وبعد حادث ٤ فبراير ١٩٤٢م امتد نشاط البوليس السياسي ليشمل المصريين أيضا وكانت التهمة المستعملة والمتداولة الشيوعية أو أى ميول ألمانية أو معاد للحلفاء، وكان اكتشاف الأشخاص الذين يمكن أن يطلق عليهم هذا الوصف أو ذاك ليس مهمة البوليس السياسي فقط بل مهمة المخابرات البريطانية أيضا.


وعلى ضوء اختصاص «القسم المخصوص» المحلى اختص «قلم الضبط فرع ب” بالمسائل السياسية المحلية وأسندت إليه مهام مكافحة الشيوعية ومتابعة النشاط العمالي، وأنشئ مكتب للبوليس السياسى برئاسة «مجلس الوزراء» وظل قائما يدير عمله ويقدم تقاريره للنحاس باشا حتى جاءت حكومة «أحمد ماهر باشا» عام ١٩٤٤م، ليكون أول قرار تصدره هو حل هذا المكتب والتنكيل بالعاملين فيه من الضباط والأفراد فى إجراء كان معتادا حينئذ للحكومات التى تسقط وتتبدل بغيرها، لكن الحكومة الجديدة كانت أحرص إلى إنشاء مكتب جديد يضم رجال بوليس آخرين يدينون لها بالولاء وتوسعت فى تجهيزه وتقديم الدعم له، حيث تشابكت اهتمامات جهاز الأمن السياسى وتعقدت بسبب تعدد الأنشطة والتيارات السياسية فى الشارع المصرى خاصة فى الفترة ما بين العام ١٩٤٦ ـ ١٩٥٢م، حيث شهدت تلك الحقبة الزمنية الصعود الكبير لأفكار «جماعة الإخوان المسلمين» بصورة غير مسبوقة والتى اعتبرها «البوليس السياسي» خطرا على الأمن السياسي، وشملت التقارير التى رفعت إلى مجلس الوزراء للحكومات المتعاقبة حينئذ أن تلك الجماعة بوجودها المتمدد وإيمانها وأتباعها بالعنف فضلا عن غموض أفكارها، تمثل تهديدا حقيقيا خاصة وأن هذا الصعود تزامن مع صعود مماثل للتنظيمات الشيوعية والحركات الصهيونية التى سبقت قيام دولة إسرائيل وحرب عام ١٩٤٨م، وتفاقم الوضع بصورة مفاجئة حين أضرب رجال البوليس أنفسهم عن العمل بسبب السخط العام لأسباب اقتصادية فئوية، ونظم إضرابية عن العمل بصورة واسعة فى أكتوبر من عام ١٩٤٧م والأكبر منه بعد شهور فى مارس ١٩٤٨م شارك فيهما قوات البوليس النظامية ولم ينضم لهم «جهاز الأمن السياسي» بكافة فروعه، حيث ظل هذا الأخير تحكمه اعتبارات ولائه للنظام السياسى الذى كان يجابه مصاعب أمنية عديدة السالف ذكرها، وتدخلت فى حينها وحدات من قوات الجيش لمحاصرة الإضراب والتعامل مع أفراده وقياداته وتعاون مع الجيش حينها «القسم المخصوص» بالمعلومات والتفاصيل التى توافرت لديه، بجانب عمله الرئيسى الذى كان يشهد سباقا محموما للحفاظ على أمن الشارع السياسى فى ظل ساحة ملتهبة بالأحداث اليومية.


فى ظل هذه المرحلة التى عدت من أخطر مراحل العنف السياسى فى مصر والتى مثلت الرحم والإرهاصات الكبيرة لقيام ثورة يوليو ١٩٥٢م، توسع العمل باطراد داخل منظومة «البوليس السياسي» فأنشئ عام ١٩٤٧م مكتب جديد ضمن «القسم المخصوص» فى بوليس القاهرة، أطلق عليه (مكتب الشئون العربية) كان من ضمن مهامه وأهدافه الرئيسية الحفاظ على أرواح الزعماء واللاجئين العرب، خاصة وأن هذه الفترة أيضا شهدت تدفقا لعدد كبير منهم للإقامة بالقاهرة على خلفية مقاومة الاحتلال الإنجليزى والفرنسى فى العديد من البلدان العربية التى كانت تشهد صورة مقاربة لما يحدث بمصر، كما أقيم أيضا «مكتب مكافحة الشيوعية” تابع لنفس “القسم المخصوص” أنشئت له فروع فى المحافظات الرئيسية بالوجه البحرى والقبلى والقناة، وانبثق من هذا المكتب فرع مهم أسندت له مهام مراقبة ومتابعة «النشاط الصهيوني» وصلة هذا النشاط الجديد باليهود المقيمين فى مصر حينئذ، حيث شكلت الجالية اليهودية فى هذه الفترة والتى قدر عددها بما يقارب الـ (١٠٠ ألف نسمة) خليطا متشابكا وممتدا داخل معظم المدن المصرية خاصة القاهرة والإسكندرية، وكان النشاط الصهيونى المتعلق بتجنيد الشباب اليهودى للسفر إلى فلسطين والانخراط فى المعسكرات الإسرائيلية هناك، يدور بشكل محموم فى معظم البلدان التى يقيم بها جاليات يهودية كبيرة مثل مصر والعراق وسوريا والمغرب واليمن، وصاحب ذلك عمليات تهريب أموال وثروات تلك العائلات التى قررت الهجرة إلى إسرائيل وهذا شكل ضغطا أمنيا وتوترا كبيرا عملت عليه الأقسام الجديدة للأمن السياسى التى اضطلعت بهذا النشاط ومكافحته.


لكن عمل وجهد البوليس السياسى فيما قبل ثورة يوليو ١٩٥٢م لم تكن أشهر نشاطاته هى ملاحقة تلك الخلايا التى تنتهج العنف فقط، بل كان له صولات وجولات فى ملف آخر أكثر إثارة نتناوله بالعرض فى الحلقة القادمة بالأسبوع القادم إن شاء الله تعالى.