نجيب ساويريس والأقباط وثورة يوليو

17/08/2016 - 10:44:08

بقلم : حسنين كروم

فجاة أثار رجل الأعمال خفيف الظل المهندس نجيب ساويريس فى مقاله الأسبوعى كل يوم أحد بجريدة الأخبار قضية ثورة ٢٣ يوليو سنة ١٩٥٢ والأقباط، وأنه لاحظ كما قال بالنص: “هناك ثقافة طائفية متشددة تكونت على مدى عشرات السنين بدأت فى رأيى مع ثورة ٢٣ يوليو، فليس صدفة أنه لم يوجد ولا ضابط مسيحى واحد فى مجموعة الضباط الأحرار، وقد يكون السبب هو تنسيق أو تحالف مع جماعة الإخوان للقيام بالثورة، وتبع ذلك تدهور التمثيل القبطى فى الحكومات المتتالية حتى انحصرت فى توليهم لوزارة الهجرة “.


وبعد يومين نشرت الأخبار ردا من صديقنا سامى شرف مدير مكتب معلومات خالد الذكر الزعيم الراحل جمال عبد الناصر نفى فيه ما قاله نجيب ودعم نفيه بأسماء الوزراء الذين تولوا مناصب وزارية وبعضها سيادية، والأهم أنه ذكر اسم ضابط قبطى كان فى تنظيم الضباط الأحرار، وهو “ الملازم أول واصف لطفى حنين فى الكتيبة ١٣ كتيبة الثورة، وكان الدور الذى قام به ليلة الثورة هو تأمين البوابة رقم ٦ المواجهة لكلية البوليس بالعباسية واعتقال الضباط من رتبة البكباشى فما فوق “.


ويوم الأحد التالى رد عليه نجيب وقال إنه تلقى رسالة رقيقة من الدكتورة هدى عبد الناصر ترد عليه وحرص نجيب على التأكيد أنه على علاقة صداقة واحترام مع العائلة إلا أنه واصل اتهاماته وقال بالنص: “ما دفعنى للكتابة مرة فى هذا الموضوع هو بعض الردود والتعليقات على مقالى وجدت فيها طمسا وإنكارا لحقائق ووقائع حدثت بالفعل، وشهد عليها شهود ومجرد إنكارها والسكوت عنها يعتبر تزييفا للتاريخ، إن الأمم التى تزيف تاريخها ولا تواجه واقعها لا تتعلم من أخطائها، ولا يمكن بأى حال أن تتطلع إلى مكانة لائقة بين مصاف الدول الكبرى التى يسود فيها العدل والقانون “ .


وقال نجيب فى نهاية مقاله: “بالنسبة لمن خانتهم ذاكرتهم ومن ينكرون علاقة ناصر بالإخوان، فأحب أن أذكرهم بالفريق طيار عبد المنعم عبد الرؤوف، وهو أحد مؤسسى تنظيم الضباط الأحرار، وكان ينتمى إلى الإخوان المسلمين، وهو الذى جند جمال وضمه للجمعية السرية لضباط الجيش، وقد حلف جمال قسم الولاء للإخوان أمام مرشدهم البنا وأكد على ذلك كثيرون من ضمنهم خالد محيى الدين وهذه حقائق تاريخية لا يمكن إنكارها” .


وبداية أود توضيح أنه لا يمكن اتهام نجيب بأنه طائفي، فهو علمانى يعارض اشتغال الكنيسة بالسياسة أو تدخلها فيها وهو موقف أعلنه مرارا وتكرارا أيام البابا شنودة وفى شركاته أعداد كبيرة من المسلمين ومن المحجبات، وله ولأسرته أعمال خيرية عديدة يستفيد منها مسلمون وأقباط، كما أنه رجل صريح لا يخفى رأيه؛ إلا أن لديه مشكلتين الأولى النسيان السريع، فقد تناسى تماما ولم يعلق على واقعة ذكر سامى شرف اسم الملازم أول واصف لطفى حنين، وكان عضوا فى تنظيم الضباط الأحرار، ولا أعرف إن كان قد نسى ذلك أم تعمد نسيانه حتى يؤكد مقولته بأنه لم يكن هناك أى ضابط قبطى فى تنظيم الضباط الأحرار .


ومشكلته الثانية هى النقص الفادح فى معلوماته التاريخية بحيث بدا واضحا أن قرأ كتابا أو أكثر ولم يقرأ باقى الكتب التى أرخت لهذه الفترة، كما بدا واضحا أنه لم يتوقف ليفكر فى هذه الوقائع، فهو عندما يتحدث عن عدم وجود ضباط أقباط فى التنظيم، فكأنه يتحدث عن تأسيس حزب أو جماعة تطلب انضمام أعضاء لها، وتستبعد منها الأقباط، لا عن تنظيم سرى سرى يخطط لقلب نظام الحكم والاستيلاء عليه، وبدأه مجموعة أصدقاء يختارون بعناية أعضاء التنظيم من بين من يعرفونهم ويثقون فيهم لأن أى خطأ فى اختيار واحد قد يؤدى بهم جميعا إلى المشانق، أى لا يتم التجنيد هنا على أساس هذا مسلم أو مسيحي، وخطؤه الثانى والفادح الذى أراد التدليل به على تحالف الثورة مع الإخوان هو وجود عبد المنعم الرؤوف فى التنظيم، بينما كانت أمامه وقائع تسعفه فى اتهامه أكثر من حكاية عدم وجود ضابط قبطى ووجود عبد المنعم عبد الرؤوف، لو أنه قرأ عن هذه الفترة جيدا مثل زيارة أعضاء مجلس قيادة الثورة قبر الشيخ حسن البنا وتقديم إبراهيم عبد الهادى باشا رئيس الوزراء الذى تم فى عهده اغتيال البنا فى الثانى عشر من فبراير سنة ١٩٤٩ أمام جمعية الشبان المسلمين عند خروجه منها فى شارع الملكة نازلى “ رمسيس الأن “ وكذلك انضمام عبد الناصر نفسه والسادات وكمال الدين حسين للجماعة وهم أعضاء مجلس قيادة الثورة واختيار عضو مكتب الإرشاد المرحوم الشيخ حسن الباقورى وزيرا للأوقاف وتركه الجماعة، ولم ينتبه نجيب ساويريس إلى أنه كان من ضمن أعضاء مجلس قيادة الثورة شيوعيان هما خالد محيى الدين ويوسف صديق بالإضافة إلى شيوعى ثالث فى التنظيم هو المرحوم زميلنا والكاتب أحمد محروس والذى تعتبر أجزاء كتابه عن الثورة من أبرز المراجع عنها بل إن عبد الناصر نفسه كان عضوا فى حدتو التنظيم الشيوعى تحت اسم حركى هو “ موريس “، كما كان عضوا فى حزب مصر الفتاة الاشتراكى فيما بعد بزعامة المرحوم أحمد حسين، ذلك أنه فى فترة الأربعينيات تعرض قسم كبير من الشباب المصرى للحيرة فى كيفية مواجهة الاحتلال البريطانى والنظام الملكى والحزبى الموجود وقتها، فأخذ عدد منهم ينتقل من الإخوان إلى مصر الفتاة إلى المنظمات الشيوعية وهكذا كان شأن خالد الذكر، جرب التنظيمات الثلاثة الإخوان والشيوعيين ومصر الفتاة دون إيمان حقيقى بها لذلك سرعان ما اصطدم بالإخوان بعنف وبالشيوعيين كذلك ولا يمكن لإنسان عاقل أن يتصور ولو للحظة تعاطف عبد الناصر مع الإخوان أو أى تيار دينى يعمل بالسياسة لان ذلك يتناقض تماما مع إيمانه بالقومية والدعوة للوحدة العربية وتعلو فوق المذاهب الدينية . ولا أعرف لماذا تجاهل نجيب ساويريس وجود شيوعيين فى مجلس قيادة الثورة خالد محيى الدين ؟ فهل هذه موضعية وأمانة تاريخية ؟ والأمر الملفت هنا أنه ركز على عبد الناصر وتغافل تماما عن فترة حكم الرئيس الراحل أنور السادات وإفراجه عن قادة الإخوان الذين كانوا فى السجون بأحكام قضائية فى واقعة محاولة اغتيال عبد الناصر بميدان المنشية عام ١٩٥٤ وواقعة تنظيم ١٩٦٥ بزعامة سيد قطب وزينب الغزالى وعبد الفتاح إسماعيل، وكان من أعضائه مرشدهم الحالى الدكتور محمد بديع ومحمود عزت وغيرهم وأعاد لهم مجلة الدعوة الشهرية ومقرا للجماعة فى شارع سوق التوفيقية بالقاهرة ونشاطا علنيا مقابل مساعدته ضد من اعتبرهم أعداءه فى هذه الفترة وهم الناصريون والشيوعيون، وأضفى على الدولة لأول مرة منذ ثورة ١٩١٩ بقيادة خالد الذكر سعد زغلول باشا طابعا دينيا بأن قال إنه يريد بناء دولة العلم والإيمان فى غمزة بأن دولة خالد الذكر عبد الناصر كانت دولة الكفر والعياذ بالله وأطلق عليه أنصاره لقب الرئيس المؤمن ودخل فى صدام علنى مع البابا شنودة الثالث، وقال فى خطبة علنية أنا رئيس مسلم لدولة إسلامية، وألمح إلى أن البابا يريد دولة قبطية وانتهى الأمر بصدور قرار عزله فى قرارات الثالث من سبتمبر سنة ١٩٨١ .


ذلك كله لم يستحق كلمة نقد واحدة ولم يشر إلى هذه المرحلة ما دام قد فتح قضية ثورة يوليو الأقباط، والسادات كان من قادة الثورة ويعتبر نظامه استمرارا لها، ونفس الأمر مع نظام مبارك والذى اعتبره استمرارا لثورة يوليو أيضا وشكاوى البابا شنودة العلنية والتى نقلتها الصحف والقنوات الفضائية عن استبعاد الأقباط من المناصب القيادية التى تتناسب مع نسبتهم العددية فى المجتمع، وتساءل ألا يوجد قبطى يصلح لأن يكون محافظا أو رئيس جامعة ؟ كما لم يتم اتخاذ أى شأن فى بناء أو ترميم الكنائس سوى أن مبارك فوض المحافظين فى مسألة ترميم الكنائس وأصدر قرارا بان يكون عيد الميلاد المجيد السابع من يناير أجازة رسمية فى الدولة كلها لا للأقباط الأرثوكس فقط، ومع ذلك أطلقت أجهزة مبارك السلفيين على الكنيسة لدرجة محاصرتها والتهديد باقتحامها فى قضية وفاء قسطنطين والحملات الصحفية التى كانت تتهم البابا نفسه بأنه الذى يحرض أقباط المهجر ضد مبارك .


ذلك كله تغافل عنه عمدا، وأؤكد عمدا، ربما لعداء يكنه له لأن شركة والده تم تأميمها وربما لأن نظامى السادات ومبارك وفرا أوسع الفرص لرجال الأعمال، وهؤلاء لا يهمهم دين أو مذهب، إنما مصالحهم، لدرجة أن أحد كبار رجال الأعمال الأقباط شارك فى تأييد حملة ترشح مبارك فى انتخابات عام ٢٠٠٥ بإعلان فى الصحف يقول فيها نؤيد ترشيح مبارك لأن اسمه ورد فى الإنجيل مبارك شعب مصر ؟ .


على كل حال ربكم الأعلم بالنوايا، ولكن على من يتصدى لوقائع تاريخية أن يكون على الأقل على معرفة بها أما رأيه فهو حر فيه، لكن هناك شكاوي، أو فلنقل ملاحظات يتذكرها من عاشوا فى الخمسينيات والستينيات وهى أن الأقباط كان لهم وجود كثيف فى بعض مدن الصعيد مثل أسيوط وعدد من الأحياء داخل القاهرة مثل شبرا والأزبكية والفجالة لدرجة أنه تم عقد مؤتمر قبطى عام ١٩١١ فى أسيوط هدد فيه منظموه بإعلان الاستقلال ردا على الحملات التى تعرضوا لها وقادها بعض الكتاب والتهديد باتخاذ إجراءات ضدهم ومنها سلخ جلودهم، وكان الاحتلال البريطانى يغذى هذه العداوات التى سرعان ما انهارات فى ثورة ١٩١٩ بارتفاع شعار الهلال مع الصليب، وكان المشايخ المسلمين يخطبون فى الكنائس وتخرج منها المظاهرات وقساوسة يخطبون فى المساجد وتخرج منها المظاهرات أيضا، وساد شعار الدين لله والوطن للجميع ولا دين فى السياسة ولا سياسة فى الدين، والتى جسدها حزب الوفد بزعامة خالدى الذكر سعد زغلول ومصطفى النحاس باشا .


لكن هذه الفترة هى التى شهدت ظهور جماعة الإخوان المسلمين عام ١٩٢٨ كجمعية دينية ثم صمت الجميع عنها بعد أن أعلن حسن البنا فى المؤتمر الخامس تحولها للعمل السياسي، بل استغلها الملك فؤاد وابنه فاروق سياسيا وكذلك بعض الأحزاب، وكان أكبر مثال استغلال حكومة إسماعيل صدقى عام ١٩٤٦ لها ضد الوفد، ولدرجة أنه توجه لافتتاح منشآت رياضية بجامعة فؤاد “ القاهرة الآن “ استقبله مصطفى مؤمن زعيم طلبة الإخوان فى الجامعة بقصيدة ترحيب قال فيها : “واذكر فى الكتاب إسماعيل “، ونشبت مصادمات دموية بين الوفديين والإخوان، ومع ذلك لم تتخذ أى من أحزاب الفترة الليبرالية أى إجراء ضد جماعة دينية تحولت للعمل السياسى إلا بعد اغتيالها القاضى أحمد الخازندار وضبط أسلحة العربة الجيب، فأصدرت حكومة محمود فهمى النقراشى قرارا بحلها فردت باغتياله فى نوفمبر، وردت حكومة خليفته إبراهيم عبد الهادى باشا فى رئاسة الوزارة والحزب السعدى بتدبير عملية اغتيال البنا وإلقاء القبض على أكثر من ثلاثة آلاف منهم ثم تمت إعادة الجمعية مرة أخرى عام ١٩٥٠ وسمح لها بالنشاط السياسي، وهذه وقائع لا أعرف إن كان قد تعمد تغافلها نجيب ساويريس أو لم يقرأ عنها بما فيه الكفاية ثم نعود إلى الشكاوى التى بدأت تظهر بعد ثورة يوليو لبعض الأقباط ولأسباب غير التى ذكرها خفيف الظل نجيب ساويريس، ذلك أن زيادة عدد السكان أحدثت خللاً فى تمركزات الأقباط فى عدد من المناطق بحيث زاد عدد المسلمين فى المناطق والأحياء التى ذكرناها، كما أن التركيز على الثورة التعليم الابتدائى والثانوى دفع بأعداد كبيرة من المسلمين لدخول الجامعات فزادت أعدادهم عن عدد الأقباط فى بعض الكليات مثل الطب والصيدلة أيضا أدى قرار تعيين الخريجيين إلى الإخلال بهذه النسبة فى بعض الوزارات مثل المالية والسكة الحديد وهكذا، وقرار التعيين شمل الجميع دون النظر إلى ديانتهم ولكن هذا ما حدث، وأدى لزيادة أعداد المسلمين فى هذه الأماكن، لكننا لم نسمع أبدا فى فترة حكم خالد الذكر عن استبعاد مسيحى من منصب يستحقه لصالح مسلم، ولم يجرؤ أحد على التحريض ضد عدم تهنئتهم بأعيادهم، لأن من كان سيفعل ذلك يعلم ما ينتظره، وكان عدد المسلمين الذين يحتفلون بموالد الأقباط أكثر من الأقباط أنفسهم، هذا ما عشناه فى هذه الفترة، وأذكر بها خفيف الظل نجيب ساويريس، وأقول له لا تسمح لمشكلة تأميم شركة والدك أن تدفعك إلى نكران وقائع التاريخ .