زواج المسلمة من غير المسلم

17/08/2016 - 10:41:38

بقلم: د.عباس شومان وكيل الأزهر الشريف

المستقر في شرعنا الإسلامي أن الزواج يكون بين المسلم والمسلمة، كما يكون بين المسلم والكتابية (المسيحية أو اليهودية)، على خلاف بين العلماء في كراهة الزواج من الكتابيات من عدمه، والراجح عدم الكراهة ما لم يُخش من الكتابية على دين الزوج والأبناء، ومن موروثات فقهنا الإسلامي إجماع فقهاء المسلمين على عدم جواز زواج المسلمة من غير المسلم ولو كان كتابيا، ولعل البعض يرى في هذا الذي أجمع عليه الفقهاء من عدم مشروعية زواج المسلمة من غير المسلم على إطلاقه إخلالا بمبدأ المساواة وتحيزا من طرف على آخر، حيث كان من المنطقي – من وجهة نظرهم - أن يكون زواج المسلمة من الكتابي جائزا قياسا على زواج المسلم من الكتابية، ولكن البيان الموضوعي وتدبر الحكمة من ذلك يزيل هذه الإشكالية ويبين أنه ليس هناك تحيز أو إخلال بمبدأ المساواة .


وذلك أن جواز زواج المسلم من الكتابية يرجع إلى أن المسلم يؤمن برسول الكتابية وكتابها، فشرط إيماننا نحن المسلمين أن نؤمن بجميع الكتب والأنبياء والمرسلين السابقين على النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم، وتلزمنا شريعتنا بتمكين الزوجة الكتابية من إقامة شعائر دينها بما في ذلك الذهاب إلى كنيستها أو معبدها، ويلزم الزوج المسلم أن يحترم زوجته غير المسلمة كزوجته المسلمة تماما وأن يعدل بينهما، ولا يتصور أن مسلما يؤمن بدينه ويعرفه حق المعرفة أن يهين زوجته الكتابية أو يتعرض لكتابها أو رسولها بسوء، لأن هذا يخل بسلامة عقيدته كمسلم.


ولذا، فإن المودة والسكينة مرجوة في زواج المسلم بالكتابية، وهذا لا يرجى تحققه في زواج المسلمة من الكتابي، لأن شريعته لا تؤمن برسولنا كما ينبغي أن يكون الإيمان به، فأهل الكتاب بين منكر لرسالة رسولنا الكريم جملة ومؤمن بأنه مرسل للعرب خاصة، بالإضافة إلى أن شرائع أهل الكتاب لا تلزمهم بتمكين المسلمة من أداء شعائر دينها، وهو ما يتصور معه قيام الزوج غير المسلم بما يؤذي المسلمة لأنه لا يؤمن بدينها، ولذا فإن افتقاد المودة والسكينة التي هي من أهداف الزواج السامية متوقع بشكل كبير في زواج المسلمة من الكتابي. وتتضح الصورة أكثر إذا نظرنا إلى أمر آخر، وهو عدم جواز زواج المسلم بالمشركة التي لا تؤمن بكتاب ولا نبي، لأن المودة والسكينة مفقودة فى هذه العلاقة، لأن شريعتنا لم تأمرنا بالإيمان أو حتى الأعتراف بالأديان الوضعية التى يدين بها البعض كالبهائية والمجوسية وعبادة الأوثان والكواكب وغيرها، فضلا عن أنه لا يجوز للمسلم أن يقر زوجته على هذا الباطل أو يظهر احترامه له، وهذا لا شك سيؤذي مشاعر زوجته، وهو غير جائز في العلاقة بين الزوجين، ولذلك مُنع الزواج من المشركة ابتداء. ولأن اختلاف الدين غير مؤثر في أمور أخرى كأكل طعام أهل الكتاب والتعامل معهم في أمور المعاملات الحياتية – كما سبق أن بيَّناه في مقال سابق - فقد أجازته شريعتنا الإسلامية، حيث إن هذه الأمور لا علاقة لها بالمشاعر ولا الإيذاء خلافا للنكاح، ولنتأمل قوله تعالى: «اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم، والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم»، حيث نلاحظ في الأطعمة الحل في الجانبين، بينما في الزواج اقتصر الأمر على جانب ولم يتعرض للآخر، وذلك بتعبير رقيق يفهم منه المراد دون إيذاء.


ومن ثم، يتبين عظمة الإسلام وسماحة شريعته، وأن المسألة لا علاقة لها بالتحيز أو الإخلال بمبدأ المساواة، على أن هناك أمرا يجب أن ينظر إليه فقهاء العصر، وهو زواج المسلمة من غير المسلم في بلاد الغرب، حيث إن هناك حاجة ماسة إلى معرفة حكم هذا الزواج في الأقليات المسلمة في العديد من الدول، مع الأخذ في الاعتبار أن هذه الدول تنظر إلى الزواج على أنه عقد مدني، ولا يظهر لاختلاف الدين أثر يذكر على هذا الزواج، كما أن القول بوجوب التفريق بين المسلمة وزوجها غير المسلم في هذه الحال قد يعرضها لمشاكل جمة إذا لم تكن لها عائلة تعولها أو مكان يؤويها، فقد تجد الزوجة المسلمة نفسها مضطرة لترك إسلامها والعياذ بالله، أو سلوك طريق المعصية لتدبر نفقاتها ومواصلة حياتها إذا لم تجد عملا أو زوجا آخر مسلما، ولعل الاجتهاد الجماعي يوجد حلا لهذه المعضلة، كأن يُمنع زواج المسلمة من غير المسلم ابتداء، فهي مسلمة مستقرة على إسلامها قبل الزواج ويمكنها الزواج من مسلم. أما إذا تزوج رجل وامرأة وهما على غير الإسلام، فأسلمت الزوجة وبقي زوجها على دينه، فيفرق هنا بين حالتين: الأولى عدم تعرض الزوجة لما سبق ذكره إن هي فارقته، وذلك لوجود عائلة تعولها أو مصدر رزق كوظيفة أو تجارة تمكنها من العيش الكريم حتى ترزق بزوج مسلم، وفي هذه الحالة يحرم على الزوجة أن تستمر في زواجها من غير المسلم، والثانية عودة الزوجة إلى دينها قبل الإسلام أو سلوك طريق الانحراف لا محالة إن هي فارقت زوجها غير المسلم ولم يكن لها عائلة أو مصدر رزق، وأعتقد مجتهدا أن قواعد شرعنا تسمح بالإبقاء على هذه الزوجية في هذه الحالة صيانة للزوجة وحماية لدينها في ظل زوجية لا تؤذيها في مشاعرها، لأن الغالب عدم تأثير الانتماء الديني على الحياة في هذه المجتمعات، ولا يعقل أن تكون أحكام شريعتنا مؤدية إلى عقاب الزوجة التي تدخل في الإسلام بتضييعها اجتماعيا أو عودتها إلى غير الإسلام.