عائلات المنيا يا سيادة الرئيس ( ٣-٣ )

17/08/2016 - 10:29:02

بقلم - عادل سعد

لم تنجح الدولة فى مقاومة الإرهاب المتجذر فى بطون القرى بأسيوط طوال عشرين عاما ولم تسفر سياسة زكى بدر (الضرب فى سويداء القلب) إلا عن ازدياد الموقف اشتعالا.


راح ضحية لهذه السياسات الآلاف من المدنيين الأبرياء، وانكمشت قرى أسيوط الفقيرة النائمة فى أحضان الجبل كالقنفذ لترد عن نفسها الأذى ولو اضطرت لمحاربة حسنى مبارك نفسه، وفى خلال سنوات تساقط المئات من شهداء الشرطة برصاص الأهالى.


وأصبحت المعركة قائمة بين الأهالى والدولة حتى جاء رجل عاقل.


كان هذا الرجل الذي لم يعش للأسف طويلا هو اللواء سميح السعيد محافظ أسيوط رحمه الله الذي سعى لإطلاق مبادرة للاستعانة بالعصبيات والعائلات الكبرى لإيقاف غول التطرف والقضاء عليه.


فى البداية تهكم البعض على ما يقول بل وانتقده بعض الجالسين فى مكاتبهم المكيفة بالقاهرة على أساس أن ذلك إعلان عن عجز الدولة بمفردها عن مكافحة الإرهاب.


لكن الحقيقة أن الرجل كان الوحيد من بين القيادات الذى قرأ المشهد بالشكل الصحيح ولا أعرف كيف لا يفكر الآن قيادات الأمن والمحافظة فى تجربة الأمس بأسيوط لتطبيقها على المنيا.


كانت فكرة المحافظ السعيد أن العائلات الكبرى تأثرت ماليا بتوقف حركة التجارة فى أسيوط وأن من مصلحتها عودة الرواج لقرى المدينة، وأن على الحكومة أن تمد يدها للعائلات التى اعتادت أن تعيش داخل زمامها فى أمان، لتطهير هذا الزمام من المتطرفين وأفكارهم بدءا بشيوخ صلاة الجمعة من الجماعة الإسلامية وصولا للأعضاء المنتمين فعلا للجماعة ومن يحملون السلاح منهم.


فى هذا التوقيت العصيب سمحت الدولة للعائلات بحمل السلاح لتطهير مناطق يصعب تتبع الهاربين فيها، من جزر وجبال مهجورة تمتد لمئات الكيلومترات، ومن مصلحة العائلات الكبرى الهيمنة عليها وتطهيرها وزراعتها.


لكن الأمر لم يخلُ من مبالغات، لأن بعض قيادات الأمن أنعشها نجاح تلك المبادرات وتحالفت حتى مع الخارجين على القانون للقضاء على الشيطان.


وفجأة طار اسم «النخيلة» عندما قيّد عزت حنفي عشرات النصارى كرهائن في أنابيب البوتاجاز، وأعلن مزمجرا «مافيش حكومة .. أنا الحكومة» كان عزت في أسيوط فاتحًا ذراعيه لكل الأشقياء الهاربين من الأحكام بالإعدام، قائلاً:«ألقوا بنفاياتكم»، لتكوين جيش، ينفق عليه من زراعة المخدرات، بعلم الحكومة، مقابل تطهير جزر النيل، الممتدة لآلاف الكيلومترات، من الجماعات الإسلامية، في الصعيد.


اصطاد عزت عشرات الرءوس والجثث، من الغرابيب البيض أعضاء الجماعات الإسلامية، المختبئين بجزر النيل المنعزلة والجبال، وقدمها قربانًا للأمن، وكانت الدولة ستغمض عينيها للأبد، لولا خطأ فادح.


كتب عن أحداث الثأر في النخيلة بين عائلة سباق وعائلة حنفى - وكان عزت طرفا فيها- صحفي من أسيوط، وتبعه آخر، وأجّج عزت نارا، وداهم أعوانه مكتب الجريدتين في المدينة، وهددوهم جميعًا بالقتل، واستجار المحررون بشرطة آذانها مسدودة.


سافر المحررون، للشكوى في نقابة الصحفيين بالقاهرة، كان ينعقد بداخلها مؤتمر دولي بالمصادفة، أعلنوا من خلاله أنهم مهددون بالقتل، وتناقلت القصة وكالات الأنباء العالمية، صارت قضية عزت حنفي والمخدرات والمسيحيين المقيدين في أنابيب البوتاجاز كرهائن دولية، وحلقت طائرة، لتلتقط صورًا، لجزيرة النخيلة، ترتفع من داخلها أعناق، زهرة الأفيون، من عشرات المئات من الأفدنة.


قُتل عزت حنفى، فى مواجهة دامية، ولم يبق في أرجاء المكان، سوى بعض الصور والملابس الداخلية وزجاجات الويسكي وكراسات الأطفال، وبطاقات المتعاونين من الضباط والموقعة بتسهيلات المرور داخل المحافظة وخارجها، وتمائم سحر، وخطابات من والد عزت المسجون في أسيوط.


مبادرة أسيوط التى أطلقها سميح السعيد كانت باستثناء التحالف مع عزت حنفى ناجحة بنسبة ١٠٠ بالمائة، فالعائلات الكبيرة المرتبطة مع الدولة بعلاقات ومصالح كالترشح بالبرلمان والتحاق أولادها بالجامعات ورواج مصالحها ليس من مصلحتها أبدا أن تدخل باسمها الجماعات الإسلامية فى صراع مع الدولة.


ولا أعرف كيف يغفل محافظ المنيا ومدير الأمن هناك عن تلك التجربة الناجحة، ولا أعرف كيف يلجأون للحلول العرفية، مع أن الأسهل منها أن تكون هناك اتفاقات عرفية بالجلوس مع كبار العائلات فى كل منطقة، ليتكفل هؤلاء بحفظ الأمن وعدم التعرض للأقباط وعدم استثارة المسلمين من بعض الأقباط المتطرفين ومنع خطباء المساجد من المتطرفين، وكلها تصرفات يعرف رجال العائلات الكبيرة مصادرها وكيفية التصدى لها وإيقافها، بدلا من انتظار الأمن القادم من الشمال بقوات لا تعرف شيئا عن طبيعة الصعيد.


مشكلة المنيا بلد كرم زهدى قائد الجماعة الإسلامية أن المواجهة تأخرت حتى أنتجت أجيالا من المتطرفين تدين بالولاء لعاصم عبد الماجد ولا تلقى بالا لمبادرة نبذ العنف.


زمان عقب أحداث اجتياح أسيوط الشهيرة فى ١٩٨١ وعند أعلى طريق الغنايم الصاعد للجبل الغربي، الواصل لمغارات الجبل، جنوب أسيوط، كان كرم زهدي على عجلة القيادة بسيارة فيات ١٢٥ ملاكي سوهاج، مصابًا بكسر مضاعف في قدمه اليمنى، وكان عصام دربالة ممددًا مصابًا ينزف على الكرسي الخلفي، بعد أن انفجرت قنبلة يدوية كان يجهزها لإلقائها على العساكر، وبعد أن نزع الفتيل تردد، فأطاحت القنبلة بكف يده اليمنى، قبض على الغرابين مأمور قسم الغنايم وبحوزتهما ٤٢٠ طلقة روسية الصنع، وعشر خزائن سلاح آلية فارغة في دواسة المقعد الخلفي، ومسدس صناعة محلية.


وفي المحاكمة وصف المحامي العام عمر عبد الرحمن بأعمى البصر والبصيرة، وطلب عبود الزمر عدم حضور الجلسة حتى لا يسمع إهانة الإمام.


وقال المحامي العام إن الشيخ الضرير أفتى بتكفير الحاكم، وأنكر الإمارة أمام المحكمة بحجة أنه كفيف ليتوارى خلف عاهته، فصرخ عاصم عبد الماجد محتجًّا.


وبعد مصرع السادات، وأحداث أسيوط، والقبض عليهم، ترك كرم زهدي وناجح إبراهيم وعاصم عبد الماجد وعلي الشريف وفؤاد الدواليبي ما يسمى البنود العشرة لميثاق العمل الإسلامي من خلال أبحاث (الطائفة الممتنعة - الحكام - العذر بالجهل- حتمية المواجهة) خوفًا على حياتهم من الاندثار.


وجاءت الأحكام في تلك الأبحاث تكفيرية قاسية، واستجاب أنصارهم، بإطلاق النار على البواخر النيلية السياحية والقطارات، وصارت المصفحات بأسيوط تجوب الشوارع والكمائن بكل الميادين، والحراسات مشددة على الكنائس والمكتبات والجمعيات المسيحية.


أعتقد أن تلك الأفكار ما زالت تسرى كالسم فى عروق قرى المنيا الفقيرة، ولا سبيل لإيقافها إلا بالتحالف مع الأهالى.