الشباب بين الكنيسة والوزارة

17/08/2016 - 10:25:57

  جمال أسعد جمال أسعد

بقلم - جمال أسعد

«الشباب هم نصف الحاضر وكل المستقبل» ، نعم فالشباب هم القوة الضاربة والمؤثرة والنشطة والمبدعة فى كل زمان وكل مكان هم العقول التى يجب أن تتربى والأجسام التى تبنى والأفكار التى تغذى. ولذا كم تحدث البشر والأحزاب والإعلام عن تلك الأفكار وهذه المسلمات. ولذا قد رأينا تجربة عبدالناصر فى ستينيات القرن الماضى وكانت باسم «منظمة الشباب الاشتراكى» التابعة إلى التنظيم السياسى الوحيد هو»الاتحاد الاشتراكى العربى» وكان هذا التنظيم يهدف إلى تثقيف الشباب بكل طبقاته وانتماءاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية بنين وبنات من الإسكندرية حتى أسوان عن طريق دورات تثقيفية وتنظيمية وسياسية ورياضية وفنية لمدة عشرة أيام فى معسكرات بالمراكز والمحافظات.


وكان هناك من يصعد لدورات أكبر وأكثر عمقًا فى معهد حلوان المركزى. وكان الهدف هو ربط الشباب بالوطن وإعداده فكريًا وسياسيًا وحصوله على الحد الأدنى من المعرفة العامة التى تضعه على أول الطريق.


وفى نفس الوقت يكون هؤلاء الشباب وذلك التنظيم هو بمثابة الحنفية التى تصب ماءها فى التنظيم الأم وهو الاتحاد الاشتراكى إضافة إلى خلق تلك العلاقات الإنسانية بين شباب الدارسين التى تزيل كثيرا من الحواجز. كما أنه من المعروف أن هذه المنظمة قد خرجت وأعدت الكثير والكثير من الشباب الذى قاد العمل العام حتى العقد الأول من القرن الحالى فى جميع المجالات الفكرية والسياسية والتنفيذية ، وردًا على مقولة أن هذه المنظمة قد كانت الرونق الأهم لنظام عبدالناصر. نقول أولا أن فكرة التنظيمات الشبابية هذه كان معمولا بها فى العالم كله فيما قبل الحرب العالمية الثانية. حتى إن بعض الأحزاب فى مصر ما قبل ثورة يوليو ١٩٥٢ كانت لديها هذه التنظيمات والتى كانت تؤدى دور الميليشيات العسكرية حتى فى ملبسها مثل تنظيم الإخوان المسلمين وحزب الوفد وحزب مصر الفتاة وكان يطلق على هؤلاء الشباب اسم ألوان القمصان التى يلبسونها (شباب القمصان الخضراء - شباب القمصان الزرقاء) حتى بعد عودة النظام الحزبى المصنوع والمصنع على يد السادات عام ١٩٧٧ كان هناك ولايزال تنظيمات شبابية تتبع هذه الأحزاب باسم (اتحاد شباب التجمع - الوفد - العمل -.. إلخ) ، كانت ولا زالت هذه الاتحادات شكلية لا تأثير لها ولا أثر. ولاشك فإن عدم فاعلية هذه الاتحادات والتنظيمات الشبابية التابعة للأحزاب يعود إلى أن هذه الأحزاب لا تملك الرؤية السياسية الصادقة ولا البرامج الحزبية الحقيقية ولا الارتباط السياسى العضوى بالشارع والمواطن. لذا فقد تحولت هذه الأحزاب إلى بوتيكات عائلية وإلى دكاكين تحمل لافتات بلا مضمون ولا تواجد. ولذا نظرا لغياب هذه التربية السياسية وحدث تأثير على الانتماء الحقيقى للوطن بخلق انتماءات دينية وقبلية وطائفية جديدة بديلة لهذا الانتماء.


وعلى ذلك قد وجدنا فى هبة يناير ٢٠١١ الرائعة وغير المسبوقة والتى كان الشباب مفجرها الوقتى وليس السياسى لم نجد لهذا الشباب انتماء واضحًا ولا رؤية سياسية موضوعية ولا معرفة بخطة ولا قدرة على برنامج ثورى حقيقى غير الثورية والحماسة الشبابية المرتبطة بعامل السن والتكوين الشبابى. فما هو مجمل وضع الشباب الآن؟ بعد هبة ٣٠ يونيه وبعد تجربة الشباب فى ٢٥ يناير وبعد ذلك التفتت والتشرذم والصراع الوهمى بين الشباب وجدنا النظام والرئيس السيسى كثيرا ما يتحدث عن الشباب فى كل مناسبة ويحرص على تواجدهم دائما بل إنه قد أعلن أن عام ٢٠١٦ هو ما يسمى بعام الشباب وأطلق ما يسمى بالحوار المجتمعى للشباب فى مبنى المحافظات بإشراف المحافظ. مع العلم أنه لا يوجد الآن ما يسمى بحزب الأغلبية الذى من المفروض أن يعتمد عليه نظام الحكم. ولكن النظام يعتمد على بعض الائتلافات البرلمانية مثل ائتلاف دعم مصر. ومع هذا قد وجدنا إعلان ما يسمى باتحاد الشباب فى كل محافظة وهذا الاتحاد هو صنيعة المحافظ وتابع له. مع العلم أنه لا هو قانونى ولا عملى أن يكون هناك تنظيم باسم اتحاد الشباب لا يتبع حزبا بذاته وباسمه ويتبع جهة تنفيذية. فهذا خلط غير محمود وغير سياسى ولا ينتج عملا فعليا على أرض الواقع بل هو الخلط بين السياسى والتنفيذى. والأهم أن هذا الاتحاد أو هذا التنظيم لا عمل له غير الاجتماع مع المحافظ لينقل لهذا المحافظ مشاكل الجماهير. ونشاطه الأساسى والأهم مع الجماهير هو عقد اجتماعات جماهيرية عن طريق الجهاز التنفيذى فى مجالس المدن. ويكون هذا المؤتمر عبارة عن سماع مشاكل الجماهير اليومية المرتبطة بالطرق والنظافة والمياه والتكاتك.. إلخ ومهمة هؤلاء كما يعلنون أنهم سيقومون بتوصيل هذه المشاكل للمحافظ (يا سلام) وكأن المحافظ ورئيس الجمهورية وكل مسئول كبير وصغير لا يعرف ولا يسمع ولا يعيش هذه المشاكل اليومية التى تتحدث عنها الحكومة وعلى مدار الساعة بلا حل وبدون جدوى. هنا أين وزارة الشباب فى كل هذا؟ وما علاقة الوزارة بهذا الاتحاد الذى لا يمكن أن يكون تنظيما سياسيا حيث إنه غير تابع لحزب سياسى. فالمخرج هنا أن يكون هذا الشباب تابعًا لأنشطة وزارة الشباب كأنشطة شبابية لا تنظيم باسم الاتحاد.


لا نعلم ما الحكمة من تكوين هذا الاتحاد؟ هل هو المساعدة للنظام فى تنمية حالة الانتماء للوطن وتوضيح الصورة للنظام؟ حتى هذا الأمر لا يكون لماذا؟ لأن الاجتماع مع المواطن بهدف تفريغ شحنة الغضب من المشاكل الحياتية المحيطة به لا تجدى الآن لماذا؟ لأن هناك من الوسائل التى لا تحصى التى تعبر عن هذه المشاكل، ولكن الأهم هو القدرة على حل هذه المشاكل. حيث إن تجميع الجماهير بحجة حل مشاكلهم ولا تحل فهذا لن يكون فى صالح النظام ولا الانتماء بل سيولد مزيدًا من الغضب واليأس والسلبية وعدم المشاركة. ولهذا فالأهم هو توضيح الصورة على حقيقتها وشفافية مع بذر بذور الأمل على أرضية سياسية وعلمية بعيدا عن الشعارات التى لا تفيد. هنا سيكون هذا عاملًا من عوامل المشاركة الجماهيرية فى معرفة أبعاد وأسباب المشاكل ظنًا أن تكون المشاركة فى الحل أو الحيادية والمعرفة وهذا أضعف الإيمان.


هذا هو جانب من حالة الشباب. أما الجانب الآخر هو الشباب الذى يعيش تحت جناح الفكر الدينى الآحادى الذى لا علاقة له بمعرفة الآخر والتلاحم به للمشاركة فى بناء الوطن. هناك شباب الكنائس الذى يتربى داخل أسوار الكنيسة وتحت رعايتها ومظلتها ليس فى الإطار الروحى فقط ولكن فى كل مناحى الحياة خاصة الشبابية. ففى الأسبوع الماضى نشر عن مؤتمر شبابى لشباب الأقباط لحوالى ألف شاب بحضور البابا ووزير الشباب فى أحد المعسكرات الشبابية الصيفية بالإسكندرية. ناهيك عن الأنشطة المتكاملة والمسابقات المتعددة فى كل المجالات فى المراكز والمحافظات (ثقافية - فنية - رياضية – اجتماعية) فما النتائج المترتبة على هذه الأنشطة وتلك العزلة؟ وما الفرق بين هذه المعسكرات وبين تلك المعسكرات التى كان يقوم بها جماعة الإخوان حيث إن الطريق الخطأ والخطر أن هذه المعسكرات وتلك الأنشطة هى الأساسى الذى يقوم عليه بنيان تلك التنظيمات الدينية. وما الفرق بين هذه وتلك؟


سيقال إن معسكرات الكنيسة ليس لها دخل فى السياسة. ومن الذى قال هذا؟ فكل ما يقدم بل الفكرة ذاتها هى أبو الأرضية السياسية. فالسياسة هى الاقتناع والإيمان والانتماء إلى فكرة وإلى جهة يذوب فيها وبها الشخص فيكون كل انتمائه وكل ما يملك لهذه الجهة فما بالك أنها الكنيسة التى هى الأهم حتى لو كانت فى الإطار الروحى فقط. وعلى أى أساس يشارك الوزير؟ أليس هذا تأكيدًا بل إيحاء أن الكنيسة بهذه الصورة وبتلك الأنشطة وبتلك العزلة قد أصبحت بديلًا رسميًا للدولة وللوطن. وما الموقف من معسكرات السلفيين والجماعات الإسلامية هل سيذهب الوزير إليها؟ وهل هذا هو عمل الوزارة والوزير؟ وأين خطته مع شباب مصر وليس شباب الكنيسة؟ الأهم هو أن يكون شباب الاتحاد وشباب الكنيسة وكل شباب مصر تحت رعاية الوزارة وفى بوتقة واحدة هى الوطن. فكفى تشرذمًا للتعليم الذى مسخ الشخصية المصرية. ماذا تريدون لهذا الوطن إنه الطريق الخطأ والخطر.


حمى الله مصر وشعبها.