في ذكراه .. «الملــك»

15/08/2016 - 11:11:51

عاطف بشاي عاطف بشاي

بقلم: عاطف بشاي

حينما كنت أجلس في مواجهة "الملك" بحجرة مكتبه الصغيرة بفيللته بالمهندسين تنتقل عيناي بين صوره التي تمتلئ بها الجدران في لقطات متنوعة من أدواره السينمائية فتمثل رحلته الطويلة والثرية في الفن .. ثم أتابع حركة يده الكبيرة المكتنزة وهو يوقع عقد معي بصفته منتجاً لمسلسل "الشباب يعود يوماً" بطولته مع الراحلة الرائعة "سناء جميل" وبصفتي كاتباً للسيناريو والحوار .. استولى عليّ الشرود وأنا أتذكر عندما كنت طفلاً في الحادية عشرة من عمري وطالباً بالسنة الأولى الإعدادية بمدرسة "طنطا" الإعدادية للبنين .. واتفقت مع زميل لي على "التزويغ" من الحصة الأخيرة والمخصصة للألعاب والذهاب إلى سينما "أمير" حيث شاهدنا فيلماً من الأفلام التي يلعب بطولتها "ملك الترسو" وخصمه العتيد "محمود المليجي" حيث يتبادلان اللكمات والصفعات والركلات والروسيات وسط صيحات جمهور الصالة وانبهارهم .. وكنت أنا وزميلي نحبس الأنفاس ونتضرع إلى الله بانتصار بطلنا المغوار ..
وتمر السنوات حتى نصل إلى التسعينيات من القرن الماضي وها أنا ذا أجلس في حضرته لأتعامل معه بصفتي مؤلفاً .. فلا أستطيع أن أمنع نفسي من سؤاله كيف استطاع طوال هذه العقود أن يحتفظ بالبطولة المطلقة من خلال عشرات الأدوار المتنوعة في كافة مراحل العمر فحكى لي هذه الواقعة المدهشة والطريفة .
قال لي :"إنه كان ومازال من عاداته الدائمة أن يجول بسيارته في شوارع الأحياء الشعبية وخاصة السيدة زينب مسقط رأسه يتأمل الناس في حركتهم وسلوكهم وأحاديثهم واهتماماتهم .. يتفحص الوجوه ويتأمل تعبيراتهم المختلفة ويتلمس معاناتهم ومشاعرهم المتباينة ويختزن في ذاكرته لزماتهم السلوكية المتنوعة والتي يستلهم منها الكثير من ملامحهم الدرامية لتجسيدها في أدواره المختلفة.
وكان كثيراً ما يتوقف شاخصاً بمزيج من الاهتمام والتركيز والحبور وهو يرى الصبية يلهون بنزال ثنائي يمثل فيه أحدهما "فريد شوقي" والآخر "محمود المليجي" ويتصارعان وسط تشجيع صبية الحي حتى ينتصر أحدهما على الآخر ويتم تتويجه زعيماً شعبياً .
لكنه في يوم من الأيام صدم بمفاجأة أن الصبية قد كفوا عن مباراة التحدي بين الخصمين العتيدين واستبدلوها بمباراة في "الكاراتيه" هذه اللعبة الجديدة في ذلك الوقت فعاد إلى منزله مهموماً بل إنه بكى منهاراً وسارع بالاتصال بالسيناريست الكبير "عبد الحي أديب" وصرخ في التليفون:
-"فريد شوقي" انتهى يا "عبد الحي" .. العيال لا يلعبون لعبة "فريد شوقي" و"محمود المليجي" .. تعال حالاً ..
هرول إليه "عبد الحي أديب " في منتصف الليل فحكى له فريد ما شاهده وطلب منه سرعة إنقاذه حتى يظل بطلاً مرموقاً محبوباً من الجماهير العريضة .. فقد أدرك الآن أن زمن "الفتوة" قد ولى .. وأن عمره قد تجاوز المرحلة السنية التي تقنع المشاهد بمصداقية ما يراه من جبروت وحش الشاشة الذي يقهر كل الخصوم بقبضة يده .. وأن من الجمود والغباء أن تتوقف الحياة عند مرحلة بعينها .. لابد له أن يغير جلده .. وبعد نقاش طويل استقرا على أن ينتقل إلى تجسيد أدوار الأب الطيب الودود الذي ينحاز للخير ويحمل بين جنباته قلباً رقيقاً فياضاً بالعطاء والحنان والاحتواء والتضحية .. فكانت سلسلة أفلامه الميلودرامية "لا تبك يا حبيب العمر" و"مضى قطار العمر" و"بالوالدين إحساناً" و"الموظفون في الأرض" إلخ ...
فأبدع في تجسيدها واكتسب بها جماهيرية عريضه أنست الناس صورته القديمة .
واستمر فريد شوقي حتى آخر العمر ملكاً متوجاً وبطلاً مشرقاً على الشاشة الكبيرة وأيضاً على الشاشة الصغيرة.