عندما يكون الفن فى قفص الاتهام .. يعتبرونها انعكاساً للواقع المؤلم .. مسلسلات العنف والجريمة فى قفص الاتهام

15/08/2016 - 11:09:32

مسلسل الخروج مسلسل الخروج

تحقيق : هبة عادل - موسي صبري

أزمة كبيرة تعيشها الأعمال الفنية فقد أجمع الجمهور والمتابعون لها من نقاد وعلماء نفس واجتماع علي أنها في أدنى مستوياتها الفنية حيث اعتمدت علي مشاهد صارخة من العنف والابتذال وهي ذات تأثير سلبي خطير علي المجتمع والنشء... وهذا الملف يناقش هذه القضية المهمة مع كل أطرافها محاولين محاصرتها ووضع الحلول لها بعدما أصبحت هذه الظاهرة سمة من سمات الفن المصري في التليفزيون والسينما والمسرح والأغنية فى السنوات الأخيرة.
عندما يصبح القتل هو المادة الخام لصناعة الدراما.. لا سيما التليفزيونية من خلال مسلسلات تدخل إلي البيوت بل إلي غرف النوم وهو ما رأيناه هذا العام جليا متجسدا في العشرات من المسلسلات والأعمال التي تابعناها في رمضان 2016 المنصرم.
وقد كان الأمر ظاهراً بوضوح لدرجة حولته إلي حديث للناس في مجالسهم الرمضانية وفيما بعد ذلك أيضا.
وهنا علينا أن نتوقف لا كمشاهدين ومتابعين فقط.. ولكن كمراقبين أيضا لتطورات الحركة الفنية .. لنصنع عدة تساؤلات حول الأسباب التي أدت لظهور بل لوجود مثل هذه الأحداث في أذهان صناعها بهذا الشكل الفج والمبالغ فيه.. وما السر وراء هذا الاتجاه؟ والأهم ما هو تأثير وخطورة ذلك علي المشاهدين داخل البيوت؟!
حول هذه الظاهرة وإجابات اسئلتها تدور سطورنا القادمة في هذا التحقيق:
هناك تحول درامي رهيب في إظهار هذا القتل سواء كما أو كيفاً بمعني أننا كنا في سابق الأحوال نجد مسلسلا يعرف «بالبوليسي» يدور حول حادث قتل في بداية الأحداث و«نفضل ندوخ» 29 حلقة لمعرفة الجاني والذي يكشف عنه في الحلقة الأخيرة وعادة ما يكون هو أبعد واحد عن الأذهان والتوقعات أما الآن فأحداث القتل أضحت داخل القصة وربما ليست القصة الأساسية في حد ذاتها، وداخل العمل الواحد نجد أكثر من حالة بل أن الأمر وصل في بعض المسلسلات إلي وجود أكثر من قتيل في الحلقة الواحدة مجرد حلقة واحدة ضمن الأحداث العديدة والمتتابعة.
أما علي مستوي الكيف فحدث ولا حرج فكنا نعرف أن القتل علي الشاشة يكون للثأر مثلا أو للدفاع عن الشرف أو حتي للانتقام ولكنه صار الآن يحدث لأتفه الأسباب وبأبشع الطرق «فأي حد مضايق أي حد اسهل حاجة التخلص منه ولو بأبشع الوسائل»!! .
تجار الدراما
وفي البداية يقول الكاتب الصحفي الكبير محمود صلاح رئيس التحرير الأسبق لصحيفة «أخبار الحوادث» إن استخدام الدراما للجريمة والعنف واللعب علي هذه الأوتار أمر ليس جديدا وإنما الجديد هو تكثيف ظهورها وإلقاء الضوء عليها بكل هذا التركيز..
فالدراما تعرض لهذه النماذج منذ فترة طويلة سواء في التليفزيون أو السينما لكن ما نجده الآن هو المبالغة في إظهار هذه الصور وتلك النماذج وهؤلاء القائمون علي صنع تلك الحالة لا أسميهم صناع دراما ولكن «تجار دراما» فهم يستخدمون أو يستغلون موضوعات يعلمون أنها محببة للناس وتعمل علي جذب انتباههم لكونها موضوعات تجارية مثلها مثل موضوعات الجنس والدين .. فالجريمة والعنف مواضيع للأسف لها قبول جماهيري كبير واقبال علي مشاهدتها جيد جدا وعندما كنت أكتب صفحة الجريمة بجريدة أخبار اليوم كنت أتهم من جانب القراء بالمبالغة وربما الفبركة وكان دائما رأيي وردي أن الواقع فيه ما هو أغرب من الخيال خصوصا جرائم الاسرة الواحدة أي التي يكون الجاني والمجني عليه فيها من افراد نفس الأسرة وهذه الموضوعات موجودة ويستغلها كما قلت تجار الدراما وهي تجارة طائشة لا تكتب بهدف نبيل وإظهار جوانب سلبية في المجتمع أملا في إصلاحها وإنما تكتب حتي وصل الأمر بهم أن يصنعوا من المجرم بطلا والشباب يقلدونه وهذا تدمير.
ففي أفلام الأسود والأبيض القديمة عندما كانت تقدم نماذج المجرم كانت تلعب علي العوامل الإنسانية وراء ذلك وتختم الأحداث بالدعوة للخير والعودة للنوازع الإنسانية الطيبة وليس بهذه السذاجة.. وهذا الاتجاه وأقولها بملء الفم «هيودينا في داهية» فنيا واجتماعيا ولكنهم للأسف لا يفكرون إلا في «محفظة نقودهم»!!
رفع غطاء العنف
من جانبها تري الناقدة الفنية ماجدة موريس أنه بعد ثورة 25 يناير والفوضي الكبيرة التي سادت البلاد أصبح المجتمع يغص بالعديد من التغييرات فمثلا قبل الثورة كانت الناس متحفظة و«ماشية جنب الحيط» لكن الأمر لم يعد كذلك الآن.. وبالتالي زاد الميل للعنف والجريمة وصفحات الحوادث اليومية تشهد بذلك.. حتي أصبحنا نقرأ عن اشياء لو قدمت في مسلسلات لن نصدقها ولكنها موجودة علي أرض الواقع.. بالتالي المسلسلات رفعت الغطاء عما كانت تمنعه الرقابة خاصة بالتليفزيون المصري ولم نعد نتعامل الآن مع دراما محفوظ عبدالرحمن وأسامة أنور عكاشة ويسري الجندي ومحمد فاضل.. أو ما كنا نسميها بالدراما الأسرية، ولكن نتعامل الآن مع وجهات نظر أجيال جديدة تري فيما يحدث اختلافا كبيراً عما كان، ومن ثم اصبحنا نري ما لم يكن مسموحا به من قبل، هذا بخلاف أن إيقاع الأكشن سواء في الأفلام أو المسلسلات جاذب ومطلوب جدا فأفلام الأكشن دائما كانت تجارية ومربحة وصاحبة إيرادات كبيرة في شباك التذاكر وانتقلت هذه الحالة إلي المسلسلات بنفس المنطق الذي تصنع من أجله فضلا عن أن كتاب هذه الأعمال «مش جايبين حاجة من عندهم».
هم يكتبون ما يشاهدونه فى الواقع حولهم .. ولا يمكن أن نقيم ما يكتبونه بأثر رجعى ولكن علينا التريث، وذلك لأن المجتمع كله تغير ولم يعد هو نفس مجتمعنا «بتاع زمان» .. ولا سلوكيات زمان.. وإذا كنا نرى أنفسنا من خلال الدراما كأننا أمام جزء من مراية المجتمع الذى أخرج فى السنوات الأخيرة أسوأ ما فينا كمصريين.. فكان من الطبيعى ظهور هذه الاتجاهات فى الدراما .. ولا أبالغ فى الشعور بخطر وجود هذه الأعمال.. وإن كنت فى نفس الوقت أتمنى من صناع هذه النوعية من الدراما أن ينتبهوا إلى أن النماذج السيئة هى الأكثر إثارة للجدل بحكاياتها وشخوصها.. ومن ثم يجب خلق حالة من التوازن الدرامى إذا أرادوا تقديم هذا اللون الشائك.. بمعنى تقديم نماذج جيدة موازية لهذه النماذج السيئة حتي تتحقق المعادلة بين الخير والشر وأن لا تكون الغلبة للون واحد.
حياة عبثية
أما الناقدة الفنية ماجدة خير الله فترى أن الحياة أصبحت عبثية أكثر من اللازم.. وأصبحنا نرى كل يوم أحداثا مروعة غريبة.. فنقرأ عن طفلة يتم اختطافها والإعتداء عليها وقتلها بعد ذلك.. "طب ما يسبوها" ليه القتل؟!
بالتالي إيقاع الحياة أصبح مختلفا والناس أصبحت تقتل لأتفه الأسباب.. وليس لمجرد الثأر أو الأسباب القوية التى كانت تدفع للقتل زمان.. وأصبحنا محاطين بالنفوس المريضة والمشوهة داخل ضغوط المجتمع الجبارة.
ومن هنا يذهب خيال المؤلفين لمحاكاة هذا الواقع.. فمثلا فى مسلسل ""فوق مستوى الشبهات".. نجد يسرا تقتل الطبيب النفسى نظراً لرفضه إعطاءها اسطوانات التسجيلات الصوتية التى تحوى أسرار شقيقتها المريضة النفسية والتى تحكى عن علاقتهما السلبية والسيئة بما يدين يسرا.. وكان ممكن أن تحل وتعالج الموقف بأى وسيلة ولكنها فى لحظة قررت أن تنهى الأزمة بإنهائها حياة الطبيب ومثل هذا المشهد بكل آسف أصبح وارد الحدوث .. المشكة أن العنف وما يولده من أحداث.. هى مادة جاذبة للجمهور.. تشد انتباهه وتثيره فيجلس الناس أمام الحلقات ليروا كيف تحل كل هذه العقد!!؟ لاسيما إذا ما كتبت هذه الأعمال بحبكة محُكمة.. فيظل الجمهور يتساءل.. من الجانى وكيف سيصلون إليه؟ وكيف ستكون نهايته؟.
وتضيف هذه التيمات معروفة منذ فجر التاريخ .. منذ قتل قابيل أخاه هابيل وفكرة التخلص من الخصم أياً كان هو .. فكرة راسخة وموجودة فى الضمير الإنسانى منذ الأزل .. ولا يجب أن نخاف أو نخشى من هذه الظواهر ومن وجودها فى الدراما .. لأن هذا أمر عادى وليس هو الذى يؤثر فى اتجاهات الناس أو تقود ردود أفعالهم كما يبالغ البعض من الخوف من هذا الاتجاه.. لاسيما إذا قدمت هذه الأعمال فى سياق فنى مناسب.
وتستطرد قائلة: اتعجب مثلا.. فيلم "جعلونى مجرما" قدم من نصف قرن.. ولم يقل أحد وقتها المجتمع كله سيتحول لقتلة.. فلماذا كل هذا الخوف الآن والذى أجده خوفا غير مبرر؟
من ناحية أخرى نقف لنستمع إلى وجهات نظر بعض نماذج من صناع هذه الأعمال وكيف يبررون وجودها بهذا الشكل المكثف فى هذا الموسم الرمضانى.
ضرورة درامية
يقول السيناريست عبدالرحيم كمال.. مؤلف مسلسلى "ونوس" و"يونس ولد فضة":
إن مشاهد القتل الدموية لابد أن تقوم فى الدراما على مبرر قوى يقنع المشاهدين أن ينفروا من كمية مشاهد العنف والدم والقتل وطالما أنها تجد ما يبرزها درامياًَ عبر الاحداث ولا يشترط في تقديم نوعية هذه المشاهد كماً معينا كما يعجب المشاهد والكم هنا لا يصنع نسبة نجاح هذه المشاهد التي تؤثر في احداث المسلسل انما المصداقية التي يبني عليها المؤلف قناعاته الفنية ويصدقها المشاهد ورغم وجود كم كبير من هذه المشاهد في الدراما هذا العام الا ان نسبة نجاحها تتوقف علي مدي اقناع المشاهد سواء كانت مشاهد قليلة أو كثيرة ومن ثم أنا لا أتعمد تقديم العنف والقتل والدم لأني لا أعتقد أنها تمثل سببا كافيا لنجاح أعمالي ولكنها الضرورة التي تقتضيها طبيعة الموضوعات.
ويري السيناريست محمد الصفتي مؤلف مسلسل «الخروج» الذى ناقش قصية مجتمعية بمضمون واقعي بحت وهو غياب العدالة التي أدت إلي الفوضي وهذه الفوضي أنتجت غلا وحقداً وكراهية وانتقاماً ادي إلي القتل بالاضافة الي وجود الخيال وهو أمر مرتبط بأي مهنة وليس مقصوراً فقط علي كتاب الدراما، ومشهد قتل "درة" قدمته بشكل غير تقليدي بعيدا عن فكرة التلذذ بطريقة الموت كما يرى البعض وهذه الانماط اقرب الي الشكل الاوربي فلابد ان تواكب الصورة وتطورها الحالة الإبداعية التي تناسب الفكر المصري لذلك جاءت نوعية هذه المشاهد بهذا الايقاع السريع والمدروس .
هيستيريا
السيناريست عبدالله حسن.. وهو أحد كتاب مسلسل «فوق مستوي الشبهات» قال: إن ما يقدم في الدراما يعبر عن جزء بسيط عما يحدث في الواقع وهو ملئ بالاحداث الدموية وجرائم العنف والقسوة في الشارع وصفحات الحوادث في الجرائد مليئة بهذه الاحداث فمن الصعب ان نحمل الدراما فكرة أنها تروج للعنف المجتمعي ورغم ان مسلسلي به مساحة كبيرة من الدوافع التي قد تلجأ بسببها الشخصيات الي القتل الا انني لم اسمح بذلك واقتصرت علي وجود جريمة واحدة فقط كما ركزت علي المعالجة الدرامية للحد من جرائم القتل والعنف لان الدراما لها تأثير علي الواقع بشكل أو بآخر وعلي كل مؤلف ان ينتقي ما يقدمه علي الشاشة وان يتناول نوعية هذه المشاهد بطريقة معينة حتي لا يصيب المشاهد بالذعر ولكني ارفض أن تحمل الدراما الوزر كونها سببا لأحداث العنف وأري أن ذلك نوع من الهيستيريا لا داعى لها.
وحول الآثار النفسية والاجتماعية لتقديم مشاهد العنف والقتل والدماء .. كانت محطتنا الأخيرة مع أساتذة وعلماء النفس المختصين.
خطورة
في هذا الإطار يقول د. سعيد عبدالعظيم أستاذ الطب النفسي بجامعة القاهرة:
إن كتاب الدراما المصرية يميلون إلي الاقتباس من السينما الأمريكية والغربية عموما وخاصة فيما يتعلق بتقديم مشاهد الموت والقتل.. وللأسف يتم النقل لهذا المخزون الدرامي بشكل أعمي للجمهور المصري والعربي بدون وعي.. فالثقافة الأمريكية تحديدا تمجد الحرب والقتل والعنف في واقعهم واعمالهم الفنية لذلك نجد ان اعمالهم ترسخ لنوعية هذه المشاهد ولكن عندما يحدث هذا التقليد من جانب كتاب الدراما ويقدمون هذه الثقافة في اعمالنا الفنية فهذا يعد امرا خطيراً «خاصة» اننا لا نفهمه ولا يمثل ثقافتنا علي الاطلاق فالهدف من هذا المنتج هو اقتصادي بحت وتحقيق ربح مادي وزيادة الاثارة وذلك له تأثير وأضرار نفسية جسيمة علي فكر وعقل الإنسان المصري.
المجرم ليس مريضاً
فيما يقول د. يحيي الرخاوي:
"معظم الأعمال الدرامية تدور حول القتل والعنف" فهذا يحتاج أولا إلى إحصاء دقيق للمقارنة بينها وبين الأعمال الأخرى.. الرومانسية وغيرها، وفى رأيى عموما فإن مجتمعنا مازال آمِنًا نسبيا، ولا أستطيع القول إن ما أسمع به من عنف وجرائم فى الدراما هو الصورة الحقيقية لمجتمع مكافح أغلبه يزرع، ويرمى خرسانة، ويهاجر سعيا للرزق، ويصلىّ لله غالبا ويدعوه ليل نهار، وبرغم تحفظى المبدئ فسوف أسمح لنفسى بالقول: إن هذه الدراما- لا تمثل الشعب المصرى حتى مع إشاعة تدهور قيمه وتراجع أخلاقه.
أنا أتحفظ أيضاً على أن الموضوع مخطط له مسبقا وأحاول التنبيه إلى تجنب مثل هذه التفسيرات: التي تنحو إلي ما يسمى التفكير التآمرى.
وأن كنت لا أحبذ كثيراً الدراما التي تركز علي زرع الأمل بشكل مباشر لأن الدراما الحالمة التي تدعونا لانتظار الأمل من مجهول غامض لم تعد تناسب مرحلتنا الحالية.
إن وصف هؤلاء الذين يقتلون الأبرياء ويفجرون الناس بأوصاف مرضية هو إهانة للمرضى من ناحية وتبرير لتصرفات هؤلاء المجرمين باعتبارهم مرضى غير مسئولين من ناحية أخرى، المجرم وليس مريضا، والقاتل ليس مريضا، وحتى المريض إذا كان هو مسئول عن اختيار مرضه حلاًّ لضائقته أو هربا من آلامه، ونحن نواجه المريض بذلك ليس فى صورة اتهام له، ولكن احتراما لقدراته، وحين يشعر المريض أنه مسئول عن مرضه، ويطمئن إلى معالِجتـِهِ، فإنه يساهم ويصبح مسئولا عن شفائه بالعدول عن اختيار المرض حلا، والاسهام إيجابيا فى العودة إلى اختيار الصحة.