العشق الأسود للفنان التركى

15/08/2016 - 10:57:06

 سحر الجعارة سحر الجعارة

بقلم : سحر الجعارة

عمر الانقلاب الفاشل على الرئيس التركى المستبد "رجب طيب أردوغان" كان أقصر من مشاهد اغتصاب "فاطمة" فى المسلسل التركى الشهير .. صحيح أن الإنقلاب قد فشل لكن تداعياته مليئة بالدراما التى قد نراها فى المستقبل !.
ويبقى موقف فناني "تركيا" فى قلب المشهد كاشفا لعورات النظام الذى يتأرجح بين حلمين : (حلم علمانى يسعى لانضمام تركيا للاتحاد الأوروبى والحلم الآخر إسلامى يهدف لاستعادة دولة الخلافة العثمانية)!.
هناك "ملامح ما" تربط المسلسلات التركية ،التى نجحت فى غزو الإعلام العربى، وبين محاولة الجيش للانقلاب على "أردوغان" .. ربما كانت فى الفوارق الطبقية الشاسعة التى تعرضها الدراما التركية .. أو كانت "سطوة الشرطة" التى رأيناها لأول مرة فى التاريخ تلاحق قوات "الجيش" وتتولى اهانتهم وقهرهم وإذلالهم .. أو لعلها فى مشاهد "حريم السلطان" التى جعلت حملة الإعتقالات التى أعقبت فشل الانقلاب تطال الجميع ،( إعلاميين وقضاة وقادة جيش وعمداء كليات )، ليصبح الكل مجرد "جوارى" فى بلاط الحاكم الذى ظن أنه بالفعل "خليفة المسلمين" وأعاد "حرس الشرف العثمانى" الى المشهد ، مستدعيا نفس طراز الأزياء التاريخية الى القرن الحالى!.
موقف الفنانين المعارضين للنظام التركى من الانقلاب، كان الوقوف على "الحياد التام" ، واختبأوا جميعا خلف الدعوة لسلامة البلاد، فالانقلاب العسكرى هناك لم يكن مدعوما بظهير شعبى يحتمى به الفنان .. أو ينجو بالانضمام إليه من مقصلة "أردوغان" التى بدأت تحصد أرواح الجميع !.
أيضا كانت جموع الشعب التركى _ بمن فيهم من الفنانين- تخشى من مصير البلاد خاصة بعد أن عانوا من عدة انقلابات من الجيش على السلطة (آخرها عام 1997 حينما أطاحوا بحكم نجم الدين أربكان) .. مما دفع ممثلة "أوزجى أوزبرنجي" لأن تصرح لوسائل الإعلام قائلة: (أنا من مواليد 1986.. لم أر الانقلاب العسكري السابق، ولكن سمعت عنه ورأيته من خلال الأفلام وعلى شاشات التليفزيون، وعلى حد ما شاهدت وعلمت فإن الشيء الأكثر أمانا يمكن أن تفعلوه من أجلكم ومن أجل هذا البلد هو أن تلزموا منازلكم، وليبقى أحباؤكم وأفراد عائلتكم أيضا في بيوتهم، رجاء لا تخرجوا إلى الشوارع لمدة 24 ساعة).
عدد كبير من الممثلين الأتراك رفضوا محاولة الانقلاب العسكري التي حدثت في تركيا ،رغم عدم تأييدهم لحزب "العدالة والتنمية" أو لـ "أردوغان"، إلا أنهم عبروا عن غضبهم من هذا الانقلاب ورفضوه بشدة.
رغم ذلك لم تخرج علينا "قوائم سوداء" سواء لمن وقف (مع أو ضد ) الانقلاب ، فهناك على العكس من بلدان عربية كثيرة لا يختلط الفن بالسياسة ، لدرجة أنك لا تجد فى الدراما التركية ،التى تسهب فى قصص الحب، شبهة "نقد سياسى"!.
إنهم لا يرفعون شعار "الفنان موقف" .. ولا يؤمنون بأن :"الفن رسالة" .. أو أن رسالته المحددة هى الترفيه عن الجمهور وإمتاعه بالأزياء المبهرة والديكورات الرائعة والطبيعة الخلابة .. والترويج ضمنيا للسياحة الى تركيا.
لقد عشنا عدة مرات تأثير السياسة على الفن: ( بعد ثورة 52 منعت أغانى "أم كلثوم" لأنها غنت للملك "فاروق" وتدخل "عبد الناصر" لإذاعتها ) .. وعقب اتفاقية "كامب ديفيد" توقفت دول الخليج عن شراء الأفلام والمسلسلات المصرية بعد مقاطعة الخليج لمصر .. أما فى ثوة "25 يناير" فقد رأينا من يمسك العصا من النصف فيقف فى ميدان "التحرير" يطالب بإسقاط النظام بينما زوجته فى ميدان "مصطفى محمود" ترفع لافتة "آسفين ياريس" لتأييد "مبارك"!.
وحتى هذه اللحظة التى نعيشها يدفع "الفنان" ثمن تأييده أو رفضه لنظام 30 يونيه .. إما بعقاب من جمهور أصبح يكرهه ويعاقبه بـ "مقاطعة اختيارية" لأعماله .. أو بخيانة بعض الفنانين الذين فروا لأحضان جماعة الإخوان المحظورة وأخذوا ينعمون بذهبها وقنواتها الفضائية ( الشاعر صلاح عبد الله ، والفنان محمد شومان وهشام عبد الحميد .. وغيرهم إنضموا أخيرًا لقناة "الشرق" الإخوانية ) .. هذا بخلاف فنان مثل "خالدأبو النجا" الذى يعارض ثورة 30 يونيه وغيره.
المعادلة باختصار أن ثورة 30 يونيه تستوعب معارضيها من أمثال "أبو النجا" .. أما ديكتاتورية "أردوغان" فلا تسمح لأحد بالتنفس خارج حدود قنوات "البورنو" التى يدعمها .. أو طموح "دولة الخلافة الإسلامية" التى أصبحت نكتة سخيفة.
إنه "العشق الأسود" الذى يعيشه الفنان التركى مع شيطان اسمه "أردوغان"!.