تفجير كاذب؟!

15/08/2016 - 10:56:10

 عمرو على بركات عمرو على بركات

بقلم : عمرو على بركات

قررت أن أزوغ، على الرغم من حوادث التفجيرات التى تملأ وسائل الإعلام على مستوى الجمهورية، وبدأ "وائل الإبراشى"، وزملاؤه يلوحون بتقصير الشرطة فى القبض على مرتكبى هذه الأعمال الإرهابية، وفى المقابل قامت قيادات المديرية بتكثيف المرورات ليلاً ونهاراً لتنشيط الأكمنة، إلا أنى قررت فى هذا اليوم الزوغان فقد كنت مجهداً بعد انتهائى فى التاسعة صباحاً من الكمين الحدودى، والذى لم أتمكن به من ضبط مشتبه فيه واحد، ولا هارب من حكم، بسبب كثرة المرور على الكمين من قيادات المديرية، وكل منهم يقف لمدة لا تقل عن ساعة يتمم على الأفراد المنهكين القوى، وبنزين السيارة التى لا تتحرك من مكانها، والسلاح الذى لا يستخدم، وعدد الطلقات التى لا تنطلق، ثم يقف بعد ذلك يشرح الظروف التى تمر بها البلاد، بلهجة"القرموطى" المذيع الذى يتابعه جميع لواءات المديرية، قائلاً:"واجبنا التزام الحيطة والحذر، واليقظة.. ومنامش..ومانسيبش الكمين..ونفتح عنينا"، حتى أنى مع المرور الأخير الذى جاء إلى الكمين فى الثامنة صباحاً وقبيل انتهاء خدمتى، وكان سيادته قد استيقظ لتوه بعد ليلة نامها بعمق، وحضر إلىّ لكى يفتتح نشاطه الشرطى اليومى بتسخين حنجرته، ليردد نفس الكلام الذى قاله كل من سبقوه فى المرور علينا ولكن بلهجة "أبى حفيظة" الكوميدية هذه المرة، دعوت الله من قلبى أن يرسل لنا انتحارياً يفجر الكمين لأرتاح من التعب، ومن المرورات فى هذه الليلة، والتى لم يلاحظ فيها أى من المذيعين الذين مروا علينا، أننا نقف فى الطل بدون سواتر لحمايتنا إذا هوجمنا، أسفل كوبرى، على تقاطع طريقين سريعين، لا يسترنا إلا ساتر الله، ليس معنا قمصان فسفورية عاكسة، فكل مشكلتى مع العساكر ألا يصدم أحدهم سائق نقل مسطولا، وكأنى أسمع"طارق بن زياد" وهو يقول:" الطريق أمامكم، والكوبرى فوقكم"، بينما قد حرق مراكبه فورط مقاتليه فى حرب إستشهادية، قبلوها صبراً مسلوبى الإرادة، ولكنهم ذكروا فى التاريخ كذكر الفاتحين الأبطال، وليس المغلوبين على أمرهم!! فلم يسأل أى مرور إشرافى على الصدريات الواقية من الرصاص التى لم نتسلمها لارتدائها فى الأكمنة، ولا عن حقيبة الإسعاف اللازمة، ولا كيف نشرب الشاى والقهوة اللازمة ليقظتنا؟ وحين عدت إلى المكتب فى القسم لأن الراحات موقوفة، وحالة الطوارئ معلنة لكى أستلقى على كنبة المكتب ساعة أستجمع فيها قواى قبل أن أتعامل مع المواطنين وفحص بلاغاتهم المتنوعة، فوجئت «ببلوكمين» المباحث يدخل على استحياء قائلاً:" جت إشارة بتقول القيام بالمرور على دائرة القسم، وتوسيع دائرة الاشتباه"، ثم أردف قائلاً:" ربنا يصبرك ياباشا"، فاعتدلت له وهو يعلم ماذا سأقوله له من سباب؟ فقاطعنى قائلاً:" بلاش أمى النهاردة ياباشا والله أنا سايبها عيانة فى البيت"، فأجبرنى على الضحك، إلا أنى قلت له:" وهى لسه دائرة الاشتباه ما وسعتش لحد الوقت؟"، وأمرت بإحضار السيارة، والمخبرين لتنفيذ نص الإشارة، وقد ازددت إصراراً على التزويغ، وركبت السيارة وثلاثة مخبرين فى الصندوق الخلفى، وأمرت السائق بالذهاب بعيداً حتى آخر حدود القسم على الطريق الفرعى المؤدى إلى الطريق الدائرى، عند المنطقة الصناعية، وعند وصولنا، نزل المخبرون وقد ظنوا أنى سأقوم بعمل أكمنة متحركة، إلا انهم فوجئوا بى أتوجه إلى غرزة "الأكو" الموجودة على سور المنطقة الصناعية والتي يجلس عليها سائقو النقل، والعمال القادمون من المدن المجاورة للبحث عن عمل فى المصانع، حتى أن أكبر المخبرين سناً غمز لى بعينه معبراً عن إعجابه باختيارى لأول مكان للحملة نبحث فيه عن مشتبه فيهم، فكثيراً ما ضبطنا بهذه الغرزة موزعى حشيش، وبانجو، وهى أصلاً غرزة المرحوم "الأنو" الشقيق الأكبر لـ "الأكو"، والذى استشهد أيام الثورة الأولى، أثناء محاولته اقتحام قسم الشرطة للإفراج عن"الأكو"، وبالفعل دخلنا الغرزة ، ووجدت صورة "الأنو" البوستر الكبيرة الملونة كنجوم السينما تملأ خلفية النصبة، وهو جالس على موتوسيكله «الجاواه» بدون لوحات، والذى كان يوزع عليه المخدرات، ومكتوب عليها"الشهيد الأنو.. بطل الثورة"، وما أن دخلنا حتى قام المخبرون بتفتيش الموجودين وكان عددهم حوالى سبعة من الشباب البائس، اليائس، واطلعوا على بطاقاتهم القومية، والتى لا نكون على وجه اليقين متأكدين أن كل بطاقة تخص صاحبها، أم غيره؟ بسبب الصور الغريبة الملتقطة لهم فى مكاتب الأحوال المدنية! سألنى مخبر قائلاً:" تحب حضرتك نكشف على حد منهم؟ يكون عليه حكم، ولا مسجل؟"، فقلت له:" هنكشف على إيه أكتر من اللى مكشوف على وشهم؟"، قام جميع من كان متواجداً فى الغرزة بمغادرتها مسرعين فرحين بالنجاة، يلهثون بالدعاء لى، والشكر، وفوجئ المخبرون بى بعد انتهاء تفتيشهم للغرزة، ومغادرة من كان بها، وهم يستعدون بدورهم للخروج وركوب السيارة، أسحب كرسى، وأجلس عليه، وأقول لصبى الغرزة:" نزلنا طقم شاى كشرى، سكر بره"، وأشرت للمخبرين بالجلوس، وأمرت السائق والجميع مندهش، قائلاً :" اركن العربية فى الضل، وأقفلها كويس، وتعال أقعد"، حتى أن "الأكو" سحب كرسياً وجلس أمامى، فنظر إلىّ أحد المخبرين مستنكراً قائلاً:" مش قيمتك يا باشا تقعد هنا، ممكن نقعد فى كافيه أنضف؟"، فأجبته مستنكراً:" كبر دماغك، أنا عاوز أقعد بعيد عن الدوشة، أنا ما نمتش من امبارح، واتهديت فى الكمين من كتر المرورات"، فأدرك الجميع أنى مزوغ، وهم يستغربون سلوكى هذا لأول مرة، فهم يعرفون عنى منذ نقلت للعمل معهم التزامى بالتعليمات، ومواعيد الخدمات، ولكنهم لم يكونوا يعرفون أن "طوبتى فى معطوبتى" دائماً، ففى أول مرة نمت فيها بالخدمة كانت فى سيارة فورد، ونمت بركن رأسى على الزجاج بعد أن رفعته بسبب البرد، ولكنى لم أكن ماهراً بقواعد النوم فى كابينة البوكس، فلم "أسوجر" أبواب الكابينة من الداخل، ففوجئت بالباب يفتح من الخارج الذى كنت مسترخياً أغط فى النوم عليه، وإذا بى أتكوم على الأرض، والسيد المأمور يساعدنى على الوقوف، فمن يومها قررت عدم النوم، أو الزوغان من الخدمة، فطوبتى فى معطوبتى، فقد أظل واقفاً طوال الليل وما أن أجلس فى السيارة حتى يفاجئنى المرور وينسب إلى التقصير فى الخدمة؟ و"الطوبة فى المعطوبة"، وراثة فى عائلتنا، فيوم أن ارتدى أبى فى أول يوم عمل له بعد شهر العسل أثناء ذهابه للمدرسة التى يعمل بها أميناً لمكتبتها، فردة شراب لون والأخرى لون آخر، وجد وزير التربية والتعليم ينتظره فى مكتبة المدرسة، والوزير بنفسه هو الذى اكتشف إختلاف ألوان فردتى شراب أبى! ولكنى جلست فى غرزة "الأكو" من التعب، ودعوت الله أن يوقف عمل جيناتى الوراثية اليوم فقط، وبدأ المخبرون يتجاذبون معى الحديث حول المرتبات، وكثرة الخدمات، وطول ساعات العمل، ولم نكن ندرى ماذا ينتظرنا لنختتم به حديثنا من حادث؟ ففجأة، ونحن نشرب الشاى المُقرِف، نسمع صوت إنفجار وكأنه بركان، يهزنا داخل الغرزة، حتى أن الكوبيات تطايرت من فوق الترابيزة، وانهارت تعريشة سقف الغرزة فوق رءوسنا، وظننت أن سيارتنا هى التى انفجرت، وخرجنا جميعاً نجرى، لنكتشف انفجار كشك الكهرباء الذى بجوار الغرزة، ويخص المنطقة الصناعية، وبدأ العمال يتوافدون من المصانع، وتجمع سكان الحى السكنى القريب منا، وبدأ الجميع يهيل التراب بسرعة على الكشك لإخماد نيرانه، وكأنهم فى نفس الوقت يطمسون سبب الانفجار! وعلى الفور تناولت الجهاز اللاسلكى، وأنا لا أدرى ماذا سأقوله؟ وسمعت السيد مدير الأمن يدفع بسيارات المطافىء، والنجدة والمأمور، وقيادات المباحث لمكان الانفجار بصوته على اللاسلكى، فقلت مسرعاً لسيادته:" تمام يا فندم..أنا موجود بجوار الانفجار أثناء المرور بدائرة القسم.."، وانتظرت لسماع تعليمات سيادته، فقال لى متسائلاً:" وسبب الانفجار إيه؟"، فوقعت فى حيرة من الإجابة، لاحظها "الأكو" على وجهى فإذا به" يشب من على الأرض ليهمس فى أذنى قائلاً:" قوله ارتفاع أحمال الكهربا"، فضغطت على الفور على ريشة الجهاز ورددت ما قاله " الأكو"، بالحرف، وكأنه إلهام من السماء هبط على "الأكو" قائلا:" صح يا فندم..الانفجار فى محول الكهرباء بسبب ارتفاع الأحمال.."، وزدت من عندى:"ولا توجد شبهة عمل إرهابى.. يافندم..وتم إخماد الحريق..ولا توجد وفيات أو إصابات"، لست أدرى ما الذى دفعنى للإخطار على هذا النحو؟ وكيف تمكنت بهذه السرعة من جمع التحريات أنه ليس عملاً إرهابياً؟ فأجاب سيادته:" الحمد لله"، وكأنه كان ينتظر أن يكون الرد عليه على هذا النحو! ولم أدر "الحمد لله" التى قالها سيادته؟! لأنه لا توجد شبهة إرهاب؟ أم أنه بسبب ارتفاع أحمال الكهرباء؟ أم لسرعة إطفاء الحريق؟ أم لعدم وجود وفيات وإصابات؟ عموماً "الحمد لله" واجب فى السراء والضراء، وهو الذى لا يحمد على مكروه سواه، سواء فى الجنايات أو الإرهاب، وعندما توافدت قيادات المديرية إلى المكان، بدا الانشراح على وجوههم، وكان الجميع يثنون على تواجدى، ويقظة مرورى، وأنى ضربت المثل والنموذج للتواجد الشرطى الفعال، وحمدت الله على تقبله لدعائى بوقف عمل جيناتى الوراثية كما دعوته اليوم، حتى أن أحد القيادات قال لى:"إن السيد مدير الأمن قام بإخطار السيد الوزير على الفور بأن الانفجار كان بسبب زيادة أحمال الكهرباء على المنطقة الصناعية، وهو انفجار عادى، ليس به شبهة أى عمل إرهابى، زى ما أنت أخطرته بالضبط .. عفارم عليك"، فقلت لنفسى:" لا وانت الصادق ده إخطار الأكو صاحب الغرزة..عفارم عليه"، وكانت السعادة بادية على وجوه الجميع وخاصة مدير المباحث، فهو بلاغ قفل نفسه بنفسه، وفى ساعة الإخطار به، وكأنه معجزة شرطية تسجل فى تارخ البوليس على مستوى العالم، فلم يسأل أحدهم كيف زادت الأحمال فجأة؟ فهل تم افتتاح مصنع جديد؟ وحتى خبير المفرقعات لم يحضر إلى موقع الانفجار، ولن تكون هناك تحريات حول منفذى العمل الإرهابى سيتحدث عنهم"الإبراشى" الساعة العاشرة مساءً، ولا "القرموطى" هيطلع لابس كشك كهرباء فى دماغه، واهتم المأمور بسرعة إخطار مديرية الكهرباء لإصلاح المحول، فهى باتت المسئولة عن انفجاره، وكنت أتساءل بينى وبين نفسى:"هى الناس دى بتستعبط؟ ولا بتستهبل؟ وصدقوا إنه إنفجار فى محول كهرباء عادى؟"، وحمدت الله أن التزويغة لم تنكشف، والإخطار اتاكل بسرعة، وكله تمام، ولكن عادت جيناتى الوراثية للعمل؟ ربما كانت فى الراحة ذلك اليوم؟ إلا أنها عادت إلى ظهورها السائد الكاشف عن تاريخ العائلة، فبعد شهر تقريباً من الانفجار الذى وقع بجوار غرزة "الأكو"، وكان بسبب ارتفاع الأحمال المجهول السبب فى المنطقة الصناعية، ولا توجد به شبهة كونه عملاً إرهابياً، يتم القبض بالمصادفة على خلية إرهابية فى العاصمة، وتكون أول اعترافاتهم، أنهم من قام بتفجير محول الكهرباء الموجود بجوار غرزة "الأكو"