الواد رمضان الشغال .. بطل جمهور البلكون الجديد

15/08/2016 - 10:55:17

بقلم : د. حسن عطية

عندما يقودك اختيارك لمسرح الهرم ، وشهرته فى المنطقة مسرح الزعيم ، لمشاهدة عرض (أهلا رمضان) ، ستدرك بسهولة أن الجمهور الداخل للمسرح ، هو فى الأساس جمهور "محمد رمضان" المتيم به ، والعاشق للشخصية التى يفضل تقديمها له وصارت لصيقة به علي شاشات السينما والتليفزيون ، وهى شخصية الصعيدى طيب القلب ، الواقف بمفرده فى وجه مجتمع ظالم ، وهو أمر طبيعي ، فجمهور "فريد شوقى" وجمهور "عادل إمام" وجمهور "أحمد زكى" وجمهور "محمد هنيدى" كان يذهب للمسرح أو للسينما من أجل نجمه وما يمثله له من قيم وأفكار وحضور فى الحياة ، وهو نفس ما يحدث مع جمهور "محمد رمضان" اليوم وما ينتظر أن يقدمه له .
ومع ذلك فإن ما سيثير انتباهك وأنت تقف أمام دار السينما ، وتقرأ (أفيش) الفيلم ، هو أن العرض هو نتاج مجموعة متميزة من مبدعينا فى مجالات المسرح المختلفة ، فالنص للكاتب "وليد يوسف" الذى عرفناه فى بداية حياته الفنية بمسرحيتى (الحالة 94) و(المواطن مهرى) المعتمدتين على الاسكتشات الساخرة الجاذبة للشباب المقدم للمسرح والمشاهد له ، لقدرتها على إثارة الضحك بالشجب لرموز الواقع الساخنة ، ثم انتقل للكتابة الدرامية التليفزيونية ، ودعم اسمه بثلاثية (الدالى) الجادة مع الراحل "نور الشريف" ، فهو كاتب متمكن من أدواته ، ومجيد فى حرفته . والإخراج للمتميز "خالد جلال" الذى قدم العديد من العروض الجادة فى مسارح الدولة والقطاع الخاص والجامعة ، فضلا عن إخراجه للكثير من عروض افتتاحات المهرجانات واحتفالات الأعياد الوطنية ، وله أكثر من مساهمة بكتابة السيناريو والحوار لأفلام سينمائية ، تندرج فى مجملها فى جنس الكوميديا ، ويعد أحد أبرز من شاركوا فى الترويج للمسرح الساخر المعتمد على الاسكتشات السريعة ، من خلال عروض مسرح مركز الإبداع وأشهرها (قهوة سادة) .
ويجسد شخصيات النص على المسرح مجموعة مختارة من ممثلى الدراما الجادة ، يتقدمهم القدير "أحمد فؤاد سليم" والنجمة ذات القدرات التمثيلية والاستعراضية الكبيرة "روجينا" ، والقادرة على تفجير البسمات الرائقة بحضورها المرح "شيماء سيف" ، والدارسون لحرفيات التمثيل فى حلوان "محمد على رزق" وفى مركز الإبداع "حسام داغر" ، ويتحلقون جميعا حول ممثل شاب موهوب وطموح ، هو "محمد رمضان" ، نجح بذكائه أن يحقق نجومية فى وقت قصير ، ويبدو من أحاديثه مع الإعلام أنه يريد أن يطور نفسه ، وأن يحقق لنفسه وجودا مؤثرا فى حقول الفن المسرحى والسينمائى ، مخاطبا فى الأساس جمهور البسطاء من الشرائح الدنيا والصغرى فى الطبقة المتوسطة ، والتى يتجلى وجودها بقوة فى امتلاء مقاعد (بلكون) المسرح ، أكثر من مقاعد صالته مرتفعة الثمن ، مما أدى لضغط أيام العرض فى ثلاثة أيام فقط أسبوعيا .
جمهور البلكون هذا هو الذى لعب دورا مهما فى تجمع هذه الكوكبة من الفنانين ، كى تصنع له ما يريده لا ما تريد أن تصنعه هى له ، فقامت بصياغة عرض طويل يتناسب مع "ثمن" التذكرة ، وليس "قيمة" الزمن ، ويمتلئ بالاستعراضات الزاهية والأغاني الصاخبة السائرة على نمط الأغانى العشوائية ، التى صعدت اليوم من الحوارى والتكاتك لتحتل مكانة مرموقة فى حفلات الأثرياء ، وصاغت له شخصية "رمضان" بطل العرض الذى يحمل اسمه" من شخصية بطله المصاغة على الشاشة التليفزيونية : صعيدى جدع، وإن سخر أحيانا من عقلية الصعايدة ، وشهم يدعي تمسكه بالأخلاق، وإن سلك أحيانا سلوكا منافيا للأخلاق ، فهو مثل جمهوره الطيب جدع وشهم ومعلن تمسكه بالأخلاق ، لكنه أحيانا كثيرة لا يكون كذلك ، مما يجعله يبرر لبطله - ولنفسه طبعا - كل المخالفات القانونية والأخلاقية والإنسانية التى يرتكبها يوميا فى الحياة ، غيرأنه فى المجمل يشابه بطله الشعبى الذى يتخيل وجوده ، ليضعه إلى جانب الأبطال الشعبيين الذين ابتدعتهم مخيلته مثل اللص البارع "على الزيبق" ، والفلاح الماكر "أدهم الشرقاوى".
حبيشة يعود
ولهذا فهو يجسد لجمهوره وضعه الطبقي فى المجتمع ، فهو دوما فى أدنى درجات السلم الاجتماعي ، شاعرا بحجم الضغط الاقتصادى على ذاته ، ويضيف بعده الصعيدي له شعورا حادا بالأقلية التى يعاملها أبناء العاصمة له ولبنى إقليمه ، وسخريتهم من لهجتهم الخاصة ، فهو "حبيشة" الصعيدى الجدع المحب لأسرته ، والمدان فى قضية قتل ظالمة فى (ابن حلال) مما يحوله لبلطجى باطش بمن ظلمه ، ويحقق العدالة بيديه ، وهو "فالح" فى فيلم (واحد صعيدى) الذى يعمل فرد أمن فى منتجع سياحي ، ويتورط بحسن نية فى عملية شروع فى قتل نزيلة بالمجتمع ، دعنا اليوم من الأسطورة المزعومة ، وأضف إلى هذا قيام المسرحية على موضوع جذاب ومضمون النجاح جماهيريا فى الدراما المرئية ، لما يوفره من مشاهد متنوعة ، وانتقالات فى الحالات النفسية والمظهر الاجتماعي ، وتنفيس لضغوطات البسطاء النفسية من المجتمع ، وتبرير فى المجمل للرضا بالأمر الواقع ، وهو موضوع انتقال البطل من حالة الفقر لحالة الثراء ، مما يضعه فى مواجهة مع الأثرياء ، الذى لا يرى فيهم غير مجموعة من اللصوص والمبذرين لثرواتهم فى الكباريهات والمراهنات ، فيتحول البطل هنا إلى (نمرود) يضيع مالا وجده بالصدفة ، أو (مصلح) يغير من أوضاع الأثرياء المتردية ، قبل أن يعود لحارته وفقره ، قانعا بأن (العز بهدلة) ، وبأن الفقر هو الذى يصون الفضائل الأخلاقية ، ويحقق للفقير حدائق غناء فى الفردوس.
ولا أعرف هل كان مسرح (الهرم) الذى عرف مجد "عادل إمام" وعروضه الجماهيرية ، وبخاصة (الواد سيد الشغال) هو الدافع لمنتج العرض وصناعه لاختيار موضوع هذا العرض وتقديمه على نفس المسرح لتكرار النجاح ، أم أن نموذج بطل الحارة الشعبية هو الذى قاد "محمد رمضان" لهذا الموضوع ، حيث يقدم لنا شخصية الفتى الصعيدى "رمضان" الذى يعمل خادما بفيللا رجل الأعمال "مظهر الأسيوطى" المنشغل بأعماله ومضاربات البورصة عن تربية أبنائه ، فتحولوا لشخصيات ممسوخة فى الحياة ، الأول جذبته الجماعات الدينية المتطرفة ليصير ناقما على المجتمع ، والثاني يسقط فى هوة المخدرات ويبيع كل شيء فى سبيل الحصول عليها ، والثالث توقف نموه العقلي وسجن نفسه فى عوالم باتمان وسوبرمان الخيالية ، والابنة الرابعة تبدو بوهيمية تعشق شابا يساريا يتصف بنفس الصفات التى تظهر دائما فى أعمال "عادل إمام" وكاتبه "يوسف معاطى" وهو كونه انتهازيا وصفيقا ولا يعرف طريق الاستحمام ، يتشدق بالكلمات الثورية ويلف عنقه بكوفية فلسطينية ، ويلتصق بالطبقة الثرية بهدف الاستفادة منها فقط .
مطاردة النجوم
يبدو أن شبح "أحمد زكى" الذى طارد فتانا الموهوب قد غادره ، ليحل محله اليوم شبح "عادل إمام" الذى يطارده بقوة فى نموذج الفتى الفقير الذى توقعه أقداره وسط أثرياء فاسدين ، يظل يجلدهم بسخريته طوال مسرحيته ، ويجعل جمهوره من نفس شرائح العرض الاجتماعية يضحك طوال الوقت عليهم ، وينفس عن نفسه ، فيتطهر من إحساسه بظلم الآخرين ، ويخرج من المسرح منتشيا وقانعا بأن هكذا هى الحياة .
يواجه رجل الأعمال الفاسد "مظهر" جريمة الكسب غير المشروع ، وقبيل القبض عليه ، يبيع كل أملاكه لخادمه الطيب الذكي "رمضان" بيعا صوريا ، ويدعي موته هاربا للصعيد ، ومختبئا بين أهل خادمه لفترة ، لا تسأل بالطبع كيف اقتنعت السلطات ببيع رجل أعمال شهير كل أعماله لخادمه الصغير ، ولا كيف قبلت بموته دون جثته ، بل وأين هذا الصعيد البعيد عن أعين السلطات فى العاصمة ، فالمهم فى المسرحية هو تحول (الواد رمضان الشغال) فى لحظة لسيد العائلة التى كان خادما لها ، مما يمنحه فرصة الانتقام منها والتندر من أفعالها ، إلا أن طيبة قلبه كقلب جمهوره لا تسمح له بالانتقام ، بل يعمل على إصلاح حال أبناء الرجل الفاسد بقدرة سحرية لا تسأل عنها أيضا ، فيعود الابن الإرهابي لرشده ، ويحمل حقيبته فى الختام للالتحاق بالجيش ليخدم وطنه ، ويشفى الابن المدمن من تعاطيه للمخدرات ويقرر استكمال تعليمه ليرفع من قيمة مجتمعه، ويشفي الابن الأبله من تعلقه بشخصيات افتراضية ، وتكتشف الابنة الوحيدة خداع الشيوعي الحقير لها فتسترد وعيها وتعود لحضن العائلة ، ويتم تبرئة أبيهم الفاسد ، ليعود مستردا أمواله ، معيدا "رمضان" لوضعه القديم .
إمكانيات إنتاجية كبيرة ، وصناع عرض جيدون ، وإبهار مسرحي لافت ، ومع ذلك فالناتج عرض مسرحي سخيف ومتخلف وملئ بالنكات الجنسية البذيئة ، التى أعترف أنى لأول مرة فى حياتى أسمعها فى مسرح مصرى ، لا تختلف كثيرا عن نكات جلسات تعاطى المخدرات المتدنية ، ساعات من الفرجة الفارغة ، هى خصم من حياتك ، وتعطيل لقدراتك على التفكير فى واقعك ، وإمكانية تغييره للأفضل .