موعد مع الحظ

15/08/2016 - 10:44:34

 صباح صباح

بقلم : النجمة صباح

كنت تلميذة عفريتة، وكان صوتى الجميل يغفر لى العفرتة طبقا لقاعدة الحسنات يذهبن السيئات! كنت تلميذة فى مدرسة الراهبات فى بيروت وكانت التلميذات يعانين من شقاوتى، أما الراهبات فكن يحاولن وضع هذه الشقاوة فى حدود ولهذا كن يخترن لى المقعد الامامى فى الفصل حتى أكون أمام أعينهن مباشرة... هذا أولا، أما ثانياً فلكيلا يكون أمامى ضحايا أكيد لهن من الخلف...
وكنت أحب الغناء.. أذهب إلى أفلام ليلى مراد مرات فأحفظ الأغانى وأنا فى السينما، أحيانا يأخذنى الطرب وأنسى فأغنى معها فيصيح الذين يجلسون بجانبى "ما جينا بنسمعك، بتسكتى" ! فإذا عز علىّ هذا المتنفس فى السينما فإنه لا يعز فى البيت حين أغلق باب حجرتى وأغنى أمام المرآة، وأمثل المعانى التى أغنيها، فإذا ما ارتفع صوتى عن النسبة المشروعة للغناء فى بيت تنشد فيه الراحة لابى الكادح فإنه يطرق الباب فأفتح له وتتراوح عقوباته بين النظرة القاسية التى ارتعد لها، والعلقة الساخنة التى أبكى منها!
وحتى البكاء كنت أنغمه، وألحنه ، فيخرج كما أريد!
وكانت الراهبات يعتبرننى مطربة المدرسة، فإذا ما اتقرب موعد الحفلة السنوية، فأنا المدللة المحبوبة فأننى بطلة التمثيلية دون منازع، ومغنية الليلة بلا جدال. أما أبى فما كان من صالحى أن يسمع بهذا النشاط، بعضه أو كله، وإلا فأنه سيحبسنى فى البيت ويحول بينى وبين فرصتى السنوية لاغنى وأسمع تصفيق الناس...
وذات حفلة سمعنى رجل يدعى عيسى النحاس، وكان عيسى هذا صديقا لعمى أسعد فغالى، وكان عمى يرحمه الله زجالا شعبيا معروفا، وكان يؤلف الأغانى لكبار المطربين والمطربات فى لبنان وسوريا، فذهب إليه عيسى يسأله لماذا لا يفتح لى بابا فى ميدان الغناء وهو الذى تعددت صداقاته مع الذين يفتحون هذه الأبواب، وأجاب عمى بأن أبى رجل محافظ... كادح له تقاليد، وهو يقبل على نفسه أن يعمل فى اليوم 24 ساعة من أجل أن يوفر لنا العيش، ولكنه لا يقبل بحال من الأحوال أن يتركنى أغنى...
وكان عمى يعرف أن صوتى جميل، ولم أكن أعرف ما دار بينه وبين عيسى إلا عندما قال عمى لى بعد مدة. وقد توسلت إلى عمى يومها أن يتدخل عند أبى فقال لى: "أنا سمعتك كثيرا، ولكن لابد أن أسمعك مرة أخرى!" امتحان!
ووقفت أغنى أمام عمى، انتهيت من أغانى ليلى مراد، ودخلت على أغانى أم كلثوم، وخرجت إلى أغانى المطربات عندنا في لبنان كان صدرى من فرط الاجهاد يعلو ويهبط، وعرقى يتصبب أمام الممتحن الذى تشاغل عنى بورقة وقلم يصنع بهما أغنية لى... وسكت بعد أن أفرغت كل ما فى ذاكرتى من أغنيات...
ونظر إلىّ عمى بوجه جامد، ورأى عرقى فانفرجت أساريره، ورقص قلبى فرحا، فإن معنى انفراج الأسارير فرج... ونجاح، وقال لى عمى:
- سأفعل المستحيل لتغنى!
وجاء عمى ليقنع أبى. أما أبى فقد وضع العقدة أمام المنشار، وأغلق باب الحديث، لقد قال: إن ابنتى لن تغنى، أننى أشقى فى دكان الحلاقة لكى أكسب لهن، أن عندى يا أخى تاكسيين يدران ربحا، انها ترتدى ثيابا تليق ببنت وزير، فلماذا تفكر فى الغناء؟ ولنا تقاليد يا أخى.. فكيف تناصرها وتضرب بالتقاليد عرض الحائط. وماذا يقول الناس عنا؟
وتحدث عمى قائلا! "أخى إن الفن لا يتنافى مع التقاليد، إن النبى داود كان يغنى على مزماره، والصوت الجميل هبة من السماء فكيف لا تستغل هبات السماء... أخى اسمعنى... أو أسمعها وهى تغنى وسوف تصدق أنها خسارة.. خسارة أن نبعدها عن فن خلقت له".
واتفقا على أن يسمعنى أبى فى حفلة عائلية... يصدر بعدها قراره!
واستعددت لهذا الامتحان الثانى استعدادا كبيرا. أما أبى فقد رفض أن يفاتحنى فى الأمر لئلا استعطفه، وكان هو بطبعه، وبصرف النظر عن قضية الغناء قاسيا عازفا عنا فإنه كان يظن أن رقة الأب مع البنات تفسد أخلاقهن، ولهذا باعد بينى وبينه طوال فترة الاعداد للامتحان. وفى الليلة المشهودة كنت رائعة، ولكنى تحاشيت أن أنظر إليه فى عينيه، فأننى خفت أن يرهبنى، إن "يزغر" لى فأرتبك، ويكون قاصدا هذا الارهاب والزغر حتى أفشل. كنت أنظر إلى عمى، أليس هو طاقة الأمل!
وانتهت الليلة. وأعلنت النتيجة قبل أن أنام.. لقد نجحت فى الامتحان!
ووافق أبى على أن أغنى بشرطين:
- ألا أظهر على مسرح يذهب إليه رواد مخمورون، بل أغنى فى الحفلات الخاصة فقط!
- أنى يرافقنى أحد أقاربى بصفة دائمة، ويتبعنى كظلى!
وكانت أول حفلة يتوافر لها هذان الشرطان حفلة أقامتها نقابة الصحفيين فى دمشق، وكان عمى من تلك الأسرة بما كان يكتب فى الصحف، وقد دعي إلي الحفلة عدد كبير من علية القوم ووجهاء الناس ولهذا توافرت فيها مزايا لا يستهان بها من أقلام تكتب ومن إعجاب يبدأ من أعلى !
وغنيت كما لم أغن من قبل. وكان التصفيق يدوى فى القاعة وعمى بين الكواليس يصبح برافو صباح.. كان نجاحا كاملا... ساحقا.. وخرجت الصحف تتحدث عن المطربة التى لم تتجاوز الثالثة عشرة من عمرها والتى استطاعت أن تشق طريقا إلى المسرح!
وأطلقت علىّ الصحف اسم "شحرورة الوادى"...
والسبب فى هذه التسمية أن عمى أسعد فغالى كان مشهورا باسم شحرور الوادى.
وأعترف أن ما كتبه الصحفيون كان له الفضل، كل الفضل، فى إظهارى، فقد اعتبروا أنفسهم مسئولين عنى ما دمت بدأت بالغناء فى حفلتهم. ولهذا تعهدونى بالتشجيع حتى رسخت قدماى، ولم يتركونى حتى بعد أن وضح الطريق وفرشته الزهور...
إن الصحفيين لا يزالون الأصدقاء الأوفياء، ومازلت أعتبرنى أسيرة الفرصة الذهبية التى وجدتها هناك... فى بلاط صاحبة الجلالة!
الكواكب عدد 394 - 17 فبراير 1959