أدت إلى مرضه ووفاته قصة جامعتين

11/08/2016 - 10:54:28

  إيمان رسلان فى أحد لقاءاتها مع زويل.. المصور أول من أبلغت العالم الكبير بحصوله علي جائزة النيل إيمان رسلان فى أحد لقاءاتها مع زويل.. المصور أول من أبلغت العالم الكبير بحصوله علي جائزة النيل

بقلم: إيمان رسلان

قبل فترة أرسلت للدكتور أحمد زويل رسالة شخصية أهنئه بالعيد ومرت أسابيع ويوم الأحد الماضى تلقيت رسالة منه تقول الرسالة “وحضرتك بالصحة والسلامة وشكراً على هذه الروح الطيبة وبجوارها د. أحمد، فرددت عليه بإشارة واحدة تعنى الشكر والامتنان وبعدها بيومين وتحديداً مساء الثلاثاء الماضى قطع التليفزيون إرساله ليذيع خبر رحيل د. أحمد زويل.


عدت إلى بريدى الشخصى لأعيد قراءة الرسالة مرة أخرى وأنا فى حالة اندهاش تام من هذه المفارقة رسالة أرسلتها له منذ أسابيع فيرد على قبل رحيله بأيام قد يقول البعض إنه هو من كتبها بنفسه أو أى أحد آخر من أفراد أسرته، وإى ما كان الأمر فأعتبرها رسالة ليس فقط رسالة وداع وإنما رسالة لنتمسك بالأمل ألا وهو وجود نهضة علمية وتعليمية حقيقية تبنى مصر وتقفز بها إلى الأمام والمستقبل، ومن غير التعليم والعلم لا أمل لبناء مصر لا فى المستقبل القريب أو البعيد على حد السواء، لذلك قررت أن أكتب عن تجربة د. زويل من واقع تجربة معاشة ومتابعة مستمرة لإنشاء مشروعه العلمى ألا وهى مدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا لأروى كمتابع عن قرب قصة جامعتين على وزن قصة مدينتين ليس فقط بهدف الوقوف بجانب طرف ضد آخر، وإنما لنعرف إلى أى حد وصلنا فى صراعاتنا على كل شىء وأى شىء حتى تتوه الوقائع فى المنتصف ولا نعرف بوصلة الحق من كثرة الأكاذيب.


تعود معرفتى بالدكتور زويل إلى سنوات قبل فوزه بنوبل وقد أجريت حوارات معه بل نادرة له ونمتلك له صورة نادرة


ففى الصباح المبكر لأول يوم من أيام شهر يناير عام ٢٠٠٠ كنت على موعد وزملائى من الصحفيين والمصورين للذهاب إلى صحراء مدينة أكتوبر لحضور مراسم وضع حجر الأساس لمدينة زويل العلمية التى وافقت الحكومة وبتعليمات رئاسية فى تخصيص الأرض للدكتور زويل للبدء فى المشروع العلمى ، وكان ذلك عقب فوزه بجائزة نوبل فى الكيمياء لعام ١٩٩٩ وصلت قبل الميعاد وتعرفت على المكان من مواكب وسيارات المسئولين الذين جاءوا جميعاً لوضع حجر الأساس والتقاط الصور التذكارية.. إلى آخره.


وظللت أتابع أخبار المدينة العلمية لعدة سنوات ولكن لا حس ولا خبر ولا تعليق أو أى شىء وفى مرة أخرى تجاسرت وسألت عن الأحوال فكانت الإجابة لا شىء وأن الحكومة عملت المطلوب منها وخصصت الأرض وتم وضع حجر الأساس فقط، ولكن ماذا بعد، لم أتلق إجابات سواء شافية أو مقنعة أو أى شىء ولكن شعرت وقتها أن هناك من لم يستلطف د. أحمد زويل أو يحبه إلى آخره من المشاعر التى كانت تتضمن أيضاً بعض الاتهامات والإيماءات! وتغيرت الوزارة ثم أخرى ولم يحدث شيء ثم سمعنا عن مشروع قطر العلمى ورغبتها فى بناء مؤسسة ومراكز بحثية وعرفنا أن قطر طلبت أيضاً الاستعانة بالدكتور زويل لوضع التصورات لإنشاء وهذه المدينة العلمية وأنه وافق على ذلك وهنا بدأت أيضاً كالعادة الاتهامات وأشهرها أنه أعطى لقطر مشروعه لبناء مدينة علمية!!


ولم يسأل أحداً أليست قطر بلداً عربيا بصرف النظر من موقعنا من نظام الحكم بها والذى لم تتصاعد خلافاتنا معه إلا بعد ثورة يناير


ولكن فى عام ٢٠٠٩ على ما أتذكر كنت فى مدينة ٦ أكتوبر ومررت من أمام مدينة زويل، ولكن يا للهول على رأى يوسف وهبى فقد رأيت مبانى ضخمة وإنشاءات وغيرها، ولكن يافطة كبيرة على المبنى تقوم “جامعة النيل” وكنت بحكم التخصص أعرف جامعة النيل أو ما أصبحت جامعة النيل فيما بعد وأن قصتها بدأت من وزارة الاتصالات كمركز بحثى يساعد بالعلم فى هذا التخصص، ولكن بعدما أصبح د. أحمد نظيف رئيساً للوزراء بدلاً من وزير الاتصالات قرر أن تكبر الفكرة وأن تصبح جامعة النيل جامعة خاصة طبقاً للقانون الذى كما قلت أصدره د. كمال الجنزورى رئيس الوزراء قبل ذلك وتمت الإجراءات بالفعل وأشهرت الجامعة وبدأت فى قبول طلاب بفروع الإدارة والهندسة وكانت مصروفاتها تقترب من ٦٠ ألف جنيه فى السنة وكانت بذلك الأعلى مصروفات بين كافة الجامعات الخاصة وإن كانت أقل من الجامعة الأمريكية كما كانوا يتباهون فى ذلك الوقت، ولكن لم يقبل عليها طلاب كثيرون.


بدأت أجمع المعلومات عما حدث ولماذا إنشاء جامعة النيل فى الأرض المخصصة لمدينة زويل العلمية وعرفت أنه تم تغيير التخصيص لتصبح جامعة النيل وأن من يمول البناء وسداد الأموال هو وزارة الاتصالات وأن المشروع فى طريقه إلى الانتهاء تماماً تمهيداً لنقل الطلاب إليه من مبنى فى القرية الذكية الذى بدأت به الحاملة إلى أرض زويل سابقاً.


وشتان بين المشروعين فمشروع زويل علمى بحثى للعلوم الأساسية والتكنولوجية الأخر موجود فى أى جامعة حكومية.


ثم ساقت الأقدار لى أيضاً كنزاً من المعلومات وعرفت أن الوزراء وتحديداً فى التعليم العالى كانوا وراء تعثر المشروع منذ بدايته حتى يموت بالسكتة الدماغية ويدخل فى أبواب النسيان وللأسف عرفت أن الصراع كان على ولاية وزارة التعليم العالى على الجامعة ووجود صلاحيات لوزير التعليم العالى فى الجامعة وهو عكس تماماً مشروع القانون واللائحة التى تقدم بها د. أحمد زويل لتكون جامعة بحثية مستقلة بقانون خاص، ولا ولاية لوزارة التعليم العالى وإلا لأصبحت استنساخا لما هو موجود الآن مع تحابيش الكلام ضد د. زويل وأعماله وجنسيته المزدوجة إلى آخره من الاتهامات المبطنة.


وظللت أتابع ما يحدث خاصة أنى كنت مهتمة أيضاً بمدارس النيل الدولية التى أنشأها د. نظيف أيضاً أثناء رئاسته لمجلس الوزراء وبالفعل توصلت لحقائق مذهلة فيها وكيف تهدر أموال الدولة ودوافع الضرائب لبناء مدارس دولية وشهادات أجنبية تحت مسمى مدارس حكومية متميزة وقدمت التحقيق بالفعل فى أواخر عام ٢٠١٠، ولكنه لم يجد طريقه للنشر فى مجلة المصور وقتها، ولكنه نشر مختصراً بعد ثورة يناير ٢٠١١ ثم كانت المفاجأة الأكبر أنه بتاريخ نهاية فبراير ٢٠١١ وكان أحمد شفيق مازال فى موقعه كرئيس للوزراء وافق فى اجتماع على قبول أن تعود أراضى ومبانى جامعة النيل إلى ولاية الحكومة وتحديداً إلى صندوق التعليم التابع لمجلس الوزراء وكان مصاحباً للطلب الذى تمت الموافقة عليه كما عرفت أن هذا قرار تنازل من لمجلس أمناء جامعة النيل.


وفى الكواليس علمت أن هذه الخطوة تمت حتى لا تحدث مساءلة قانونية حول الأوضاع “غير القانونية” لهذه الجامعة وإن شخصيات كبيرة سوف تذهب إلى السجن إذا فتح هذا الملف، وبالتالى أسرع مجلس الأمناء ووضعها تحت وصاية الدولة.


وتغير أحمد شفيق وتولى المنصب د. عصام شرف وكان المد الثورى مرتفعا وفى أغسطس ٢٠١١ ثم اتخاذ قرار بعودة الأراضى إلى د. أحمد زويل مرة أخرى وما عليها من مبان لبدء المشروع العلمى للمدينة والمتعثر “بفعل فاعل” من عام ٢٠٠٠، وبالفعل بدأ العمل على قدم وساق لإنهاء تشطيبات المبانى “ولم تكن جاهزة على الإطلاق” مجرد “حوائط وأسلاك” ودارت العجلة وبدأت مدينة زويل فى العمل، ولكن يبدو أن الأيادى الخفية وأصحاب المصالح استفادوا من هدوء الزخم الثورى وسيطرة الإخوان على عديد من مجالس الدولة والوزارات وبدأ تحالف المصالح يخطط ورأينا لأول مرة صورة لطلبة جامعة النيل واجتماع ونصب لخيام واعتصامات إلى آخره ويطالبون بمبانى جامعتهم وحاول كثيرون ومنهم وزراء تعليم عالِ مشهود لهم بالنزاهة والكفاءة التدخل لتوضيح الحقائق، ولكن هيئات ومع أصحاب المصالح والتهليل الإعلامى ورضا ولعل الايمانيه الوحيدة فى هذا الشأن هى ان جامعة النيل أصبحت أهلية وليست خاصة وان تولتها الآن اسماء قبل عمرو موسى الذى ارجوا ان ينتبه لانقاص الجامعة على الاعلانات بدأت أكبر حملة لتزييف الحقائق والتى وصلت إلى القضاء وهو حق للجميع.


فى هذا الوقت كنت أول من كتب عن حقيقة الأزمة تحت عنوان قبل أن تتحول أزمة جامعة زويل إلى خناقة على عقار ومبنى وأعربت عن قلقى الشديد من فشل المشروع للمرة الثانية. وتطورت الأمور وحسمها القضاء والتزم الجميع، ولكن د. زويل لم ييأس على الإطلاق واستطاع بجهده أن يقنع المستشار الجليل عدلى منصور رئيس الجمهورية فى ذلك الوقت بضرورة عدم وأد المشروع لأنه فى النهاية لمصر، وبالفعل تم تخصيص أرض أخرى لبناء المدينة الجديدة وبدعم من الرئيس السيسى تولت الإدارة الهندسية للقوات المسلحة المشهود لها بالكفاءة والسرعة فى الإنجاز شئون الإشراف على المدينة العلمية فى مكانها الجديد وكان من المنتظر أن يقام احتفال كبير العام القادم فى الافتتاح يحضره د. زويل ولكنه القدر قال كلمته.


هذه القصة أرويها الآن لتبقى ليعرف البعض حقائق الأمور حول الجامعة والمدينة العلمية بدلاً من الاتهامات وترديد الأكاذيب، لأنه كما قال نجيب محفوظ يذهب الإنسان بخيره وشره، ولكن تبقى الأساطير ونحن نريد لأسطورة المدينة العلمية والبحث العلمى أن تبقى لأنها أمل مصر بشبابها ونواة حقيقة يمكن أن تكون بؤرة لجذب العقول فى الداخل والخارج، وليس “لتطفيشهم” ثم بعد أن ينجحوا فى الخارج ويحصلوا على الجوائز نرحب بهم ثم نكيل لهم الاتهامات بحجة لماذا لم تجلس هنا فى الوطن وكأن “الوطن” فتح لهم أذرعه ليبحثوا وينجحوا وهم الذين خضوا .


من حق أى إنسان أن يختلف أو يتفق مع أحمد زويل فهو فى النهاية إنسان ومن حق الجميع أيضاً أن يختلف معه سياسياً خاصة أن الفقيد له آراء سياسية ومداخلات فى الشأن العام ولكن الذى لا يمكن أن نختلف عليه هو القامة العلمية لأحمد زويل وجهوده لإرساء نقطة ضوء فى مشوار التعليم والبحث العلمى.


لقد رحل أحمد زويل ودفن فى أرض وطنه الأول التى احتضنت مسيرته فى بداية حياته العلمية ورحل فى نفس الشهر أغسطس الذى ذهب فيه إلى الولايات المتحدة قبل ٤٧ عاماً. ولكن ما سيبقى هو مصر والعلم وعلماؤها، وبدلاً من الهجوم العلمى خاصة على علمائنا فى الخارج وعلى رأسهم د. زويل فلنكمل المشروع ونبنى قاعدة علمية لمصر كلها. بدلاً من معاول الهدم التى للأسف تزحف على حياتنا وحالة الانقسام الشديد التى نعيشها حتى حول نوبل والإنجاز العلمى للعالم نيابة عنه فالذى سيبقى هو العلم ثم العلم.