ابن الطبقة الوسطى الذى عاصر ٣ ثورات و٦ رؤساء زويل بين السياسة والعلم

11/08/2016 - 10:52:26

  مبارك منح زويل قلادة النيل بعد فوزه بجائزة نوبل.. لكنه كان يخشى من شعبيته مبارك منح زويل قلادة النيل بعد فوزه بجائزة نوبل.. لكنه كان يخشى من شعبيته

بقلم: محمد حبيب

يعد الدكتور أحمد زويل نموذجا للطبقة الوسطى التى رعتها ثورة يوليو، ووفرت لأبنائها التعليم المتميز بالمجان ، ففى كنفها -الثورة المباركةالتحق زويل بالتعليم وحصل على الشهادة الجامعية وابتعث فى الولايات المتحدة وعمل بها ووصل إلى أرفع المناصب العلمية وحصد أعلى الجوائز الدولية أبرزها جائزة نوبل فى العلوم وكان قاب قوسين من الحصول عليها للمرة الثانية . لا ينكر زويل فضل ثورة يوليو ويقول «أنا اتعلمت فى عهد عبدالناصر ورحت مدارسه وكان فيه تعليم بحق ، كما أن زويل كان من أشد المؤيدين لثورة ٢٥ يناير وأصدر بيانات تنحاز للثورة فى بواكيرها، وأيضا أيد ثورة ٣٠ يونيه، وتعجب من المرددين بأنه كان يعاديها . زويل مسيرة لعالم تربع على عرش العلم، وعاش عالما ومات عالما كما أراد، السياسة كانت تناديه أحيانا لكنه ظل فى محراب العلم.


عندما كان عمره ١٠ سنوات أرسل الدكتور أحمد زويل رسالة إلى الرئيس جمال عبدالناصر، كان حلم زويل الأكبر فى هذا الوقت أن يرى الزعيم جمال عبد الناصر، زويل حتى فى هذا الوقت المبكر من عمره لم يكن يرى حدودا لأحلامه، فقرر إرسال خطاب لرئيس الجمهورية يدعو فيه له بالتوفيق، ويعبر من خلاله عن مشاعره تجاه الزعيم الراحل.


يحكى زويل عن ذلك « فى العاشرة من عمرى، سنة ١٩٥٦ كنت متحفزا لأبعد الحدود لرؤية الرئيس عبدالناصر، ومن ثم قررت أن أرسل له خطابا ..قلت فيه «ربنا يوفقك ويوفق مصر».


لم يتوقع زويل فى هذه اللحظة أنه سيتلقى خطابا من الرئيس الراحل، وتحديدا فى الحادى عشر من يناير ١٩٥٦، تسلم من الرئيس عبد الناصر ردا على خطابه، مكتوبا بخط الرئيس، الذى كانت كلماته تعبر عن المسيرة التى سيسير عليها العالم الجليل.


وجاء فى نص الخطاب الذى أرسله «ناصر» لزويل: «ولدى العزيز أحمد.. تلقيت رسالتك الرقيقة المعبِّرة عن شعورك النبيل فكان لها أجمل الأثر فى نفسى، وأدعو الله أن يحفظكم لتكونوا عدة الوطن فى مستقبله الزاهر أوصيكم بالمثابرة على تحصيل العلم مسلحين بالأخلاق الكريمة، لتساهموا فى بناء مصر الخالدة فى ظل الحرية والمجد.. والله أكبر والعزة لمصر».


ويحكى زويل أن هناك رجفة سرت فى بدنه وهزت مشاعره هزا عنيفا لدى رؤيته لاسمه وقد خطته يد الرئيس.


خطاب الدكتور زويل للرئيس ناصر كان أصدق تعبير عن حالة الحب والامتنان لواحد من أبناء الطبقة الوسطى لما يفعله الرئيس عبدالناصر لأبناء هذه الطبقة، فالدكتور أحمد زويل أحد أبناء ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢، وتلقى التعليم المجانى فى عهد «عبدالناصر»، وتعلم فى المدارس الحكومية المصرية.


ينتمى الدكتور أحمد زويل إلى الطبقة الوسطى، فهو ابن أسرة صغيرة للطبقة الوسطى، وعندما قامت ثورة يوليو١٩٥٢ كان عمر الدكتور أحمد زويل ٦ سنوات وكان يستعد للالتحاق بالمدرسة والاستفادة من مجانية التعليم شأنه شأن الكثير من أبناء الطبقة الوسطى التى أتاحت لهم ثورة يوليو فرصة الحصول على التعليم، فالمجانية أتاحت لـ«زويل» ابن الطبقة الوسطى التقدم إلى ما وصل إليه من منزلة دولية حتى بات مستشارا علميا لرئيس الولايات المتحدة وحائزا على جائزة نوبل.


لم تكن المجانية فقط هى منجزات ثورة يوليو فى التعليم إنما أيضا جودة التعليم، فبحسب شهادة «زويل» نفسه فقد حصل على تعليم متقدم فى كلية العلوم بجامعة الإسكندرية نهايات الستينيات أفضل مما كان يحصل عليه نظراؤه فى الولايات المتحدة الأمريكية.


أيضا فتحت ثورة يوليو المجال لزويل عندما حصل على منحة علمية فى الولايات المتحدة، عام ١٩٦٧ حصل خلالها على الدكتوراه من جامعة بنسلفانيا الأمريكية فى علوم الليزر عام ١٩٧٤، وقبلها كان زويل قد حصل على بكالوريوس من قسم الكيمياء بكلية العلوم فى جامعة الإسكندرية عام ١٩٦٧، وكان انتهى من تعليمه الأساسىلجابمدينة دمنهور ثم انتقل مع أسرته إلى مدينة دسوق بكفر الشيخ حيث أكمل تعليمه الثانوى.


باختصار فإن زويل نموذج لأبناء الطبقة الوسطى الذين رعتهم ثورة يوليو وانتصرت لهم بسلسلة من الإجراءات الكثيرة منها الإصلاح الزراعى ومجانية التعليم والتوسع فى التعليم الجامعى وبناء القطاع العام وتعيين الخريجين والبعثات للمتفوقين.
«زويل» كان يرى «عبد الناصر» زعيما وطنيا عربيا، ويجمع الشعب على حلم وطنى حقيقى وقتذاك، بداية من بناء السد العالى حتى النبوع فى الطاقة النووية، مؤكدا أنه كان زعيما للأمة العربية، فهو أول من قال عبارة «ارفع راسك يا أخى لقد مضى عصر الاستبداد”. 
وأضاف «زويل» فى لقاء تلفزيونى «أنا اتعلمت فى عهد عبدالناصر ورحت مدارسه وكان فيه تعليم بحق، والحاجة الوحيدة اللى كانت نقصاه أنه يعمل ديموقراطية».


السادات


أما الرئيس السادات فوصفه «زويل» بأنه بطل قومى لم يكن أحد يستطيع اتخاذ قرار جريء مثل قرار حرب أكتوبر، لكنه أكد أن فترة حكمه بها أخطاء خاصة فى مجال الإصلاح الاقتصادى، نتج عنه زيادة الفارق بين الطبقات وذلك بسبب حالة الانفتاح التى لم يكن لها ضوابط.


«ارتكاريا مبارك»


كان زويل منذ سنوات ما قبل ثورة يناير يفضل الابتعاد عن السياسة ومشاكلها ولم يسمح لأحد باستدراجه إليها رغم حالة غياب الود التى كانت بينه وبين الرئيس الأسبق مبارك، وهو ما عبر عنها لاحقًا عندما قال إن مبارك كانت لديه ارتكاريا منه شخصياً، رغم أنه لم يشأ أن يزاحمه فى الساحة السياسية، خلال سنواته الأخيرة وأن يحتمى فى مكانته الدولية الرفيعة كما فعل البرادعى مثلاً، إلا أن الرجل كان جل اهتمامه أن يقدم مشروعًا علميا يخدم الدولة المصرية، وهو ما تم ترجمته فى مشروع مدينة زويل العلمية الذى واجه كثير من العقبات والتعثرات خلال عهد مبارك، وتردد وقتها أن رموزا بارزة فى السلطة لاترغب فى أن يقوم لهذا المشروع قائمة خوفًا من تصاعد شعبية زويل.


وفى هذا السياق، يمكن النظر إلى ما يمكن اعتباره مشاركة سياسية لزويل فى أحداث ثورة ٢٥ يناير، وفى الخلفية معلومة أن البيت الأبيض كان قد أعلن فى إبريل ٢٠٠٩ عن اختيار زويل ضمن مجلس مستشارى الرئيس الأمريكى باراك أوباما للعلوم والتكنولوجيا، وبهذه الصفة فإنه جاء إلى مصر «وطنه الأول» مبعوثًا من رئيس الولايات المتحدة الأمريكية «وطنه الثانى» للقاء الرئيس الأسبق مبارك أثناء أحداث الثورة.


زويل روى تفاصيل هذا اللقاء قائلاً: «أصررت أن أبدأ بمصر، ومبارك كان لديه أرتكاريا من شخصى، لأسباب سياسية، فرفض مقابلتى، وعندما قالوا له إننى مبعوث أوباما، قابلت رئيس الوزراء آنذاك”.


٢٥ /٣٠


الدكتور أحمد زويل، كان من أكثر المؤيدين لثورة ٢٥ يناير وللإرادة الشعبية التى خرجت تنديدا بالنظام، وأرادت تغييره من أجل تحقيق طموحات الشعب وأحلامه، وأصدر بيانا فور قيام الثورة؛ تأييدا لها، وأذيع فى عدد من القنوات الفضائية المصرية.


لكن زويل كان يرى أن الخطأ الذى حدث فى ٢٥ يناير هو عدم إلمام الأمور فى بداية الأمر وإعداد دستور وانتخاب رئيس وبرلمان، وهو ما صعب الأمور على المجلس العسكرى الذى رأيت أعضاءه رجالا وطنيين».


ونفى زويل ما أشيع عن معارضته ثورة ٣٠ يونيه التى قام بها الشعب ، لافتا إلى أنه فى تلك الفترة كان مريضا، وتجرى له عدد من العمليات الجراحية، وأضاف زويل: «كيف أكون مؤيدا للإرادة الشعبية فى ٢٥ يناير وأتخلى عنها، وأقف ضدها فى ٣٠ يونيه»، مشيرا إلى أنه كتب عددا من المقالات التى أيدت الثورة، مؤكدا أن ما يفعله الغرب من مقاومة ثورة ٣٠ يونيه ما هو إلا إهدار للوقت.


ولفت إلى أن البعض قال إنه أطلق على محمد مرسى أنه عالم قائلا: «وهو كذلك، فالدكتور محمد مرسى كان عالما فى مجاله وأستاذا بكاليفورنيا» ، لافتا إلى أن العلماء درجات وهو أمر ليس له علاقه بأدائه السياسى الذى رأى انه لم يكن فاعلا فيه لوجود قوى أخرى تحرك الأمور.


أيضا كانت هناك مساحة من الود بين زويل والرئيس المؤقت عدلى منصور الذى انتصر لمدينة زويل وطالب بسرعة البدء في أنشائها


السيسى


التقى الدكتور أحمد زويل بالرئيس السيسى عدة مرات، ورأى فيه رجل أفعال وطنيا يهتم بالعلم وتنميته مثمنا إنشاءه للمجلس الاستشارى العلمى»، لافتا إلى أن السيسى أول رئيس ينشئ هذا المجلس. كما أن زويل كان أحد الداعمين بقوة لمشروع قناة السويس الجديدة.


ظل زويل حتى أواخر أيام حياته يدلى برأيه من وقت لآخر فى الأحداث السياسية التى تمر بها مصر، ويبدو واضحا من علاقته بالرؤساء أنه احتفظ بمساحة من الاحترام والتقدير مع الجميع، فلم يحسب نفسه على المعارضة الصريحة لأى رئيس، وكذلك لم يكن ضمن ما يمكن تسميته «علماء السلطة»، فقط كان رجل علم ومات على هذه الصفة.


زويل السياسى


قد تتفق أو تختلف مع «زويل السياسى»، وهو رجل أطل على السياسة المصرية عن قرب، تابع أسرارها وكواليسها، حاور اللاعبين الرئيسيين فيها، فتح قنوات اتصال مع مراكز التأثير وصناعة الرأى العام، وفكر لبعض الوقت بعد ثورة «يناير» فى الترشح لرئاسة الجمهورية قبل أن يتراجع عن الفكرة كلها، غير أن قيمته العلمية الفريدة لا يصح أن تدخل فى أى سجال، حيث يعد زويل أهم عالم مصرى منذ الدكتور «مصطفى مشرفة» أول عميد مصرى لكلية العلوم، كما أن اكتشافه العلمى «الفيمتو ثانية»، أحد أبرز الاكتشافات العلمية المعاصرة وأكثرها تأثيرا، من هنا فهو حصل على جائزة نوبل عن جدارة وليس كما تتردد بعض الترهات من أنه حصل عليها بسبب زيارته لإسرائيل أو لأن له علاقة بها ، فالدكتور زويل كان «عبقريا» فى مجاله وكاد يحصل على جائزة «نوبل» ثانية.


العلم هو الرسالة الأهم للدكتور أحمد زويل والتى يجب أن تحتفظ مصر بحقها الأصيل فى عطاء ابنها «أحمد زويل»، وألا تفرط أبدا فى رسائله إلى المستقبل ، فما يتبقى فى النهاية عنوان وحيد على تجربته بكل إنجازاتها الفريدة العلم، ولا شىء آخر غير العلم، فالعلم هو المستقبل.


تميز زويل بشرح قضية العلم للجمهور العام بلغة بالغة الجاذبية، كإعلامى محترف يعرف كيف يخاطب ويؤثر ويقنع.اكتسب نجوميته الاستثنائية من قدراته على التواصل، وهو يكاد يكون العالِم العربى الوحيد الذى اكتسب هذه الصفة.


حلم العمر


بذل زويل جهودا غير عادية فى سبيل رفعة بلاده بكل وطنية وإخلاص، من خلال وضع لبنة إنشاء مدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا، والذى يمثل مشروع مصر القومى للنهضة العلمية، ويهدف لرعاية العقول النابغة، وتهيئة المناخ والإمكانات التى تحفز على الإبداع والابتكار.


وحاول بأقصى طاقته أن ينتقل من التبشير بالعلم إلى بناء مؤسسى جامعى، ورغم القيود البيروقراطية والأزمات المتوالية التى صاحبت مشروعه فإنه حاول أن يصنع شيئا بينما اكتفى آخرون بالكلام.


زويل كان يريد التأسيس للمدينة العلمية، لكن تراشقت عليه السهام من كل مكان، وكان هؤلاء الذين كانوا يطمحون فى سلطة أو غنيمة أو عرض زائل من عروض الدنيا، يعتبرونه منافسا سياسيا أو خصما فى مجال الفكر وصاحب نظرية فكرية تعادى وتخاصم أفكارهم فى مشهد هزلى، بزعم أنه ربما يكون رئيس وزراء أو مرشحا محتملا.


أوصى زويل بتحويل أموال النعى التى تنشر له للتبرع لمدينة زويل التى تستعد لاستقبال الدفعة الرابعة لها.


كما حاول زويل لملمة أشلاء البلد، ولكن رأينا من رشقوه بالحجارة أو ما هو أقسى الحجارة..لكنه لم يبخل أبدا على هذا البلد، وزرع الأمل والفخر ومنح المحبة لمصر ولم يتورط فى رغبة دنيئة أو فعل شرير أو تآمر هزيل..كان إنساناً مع كل من حوله».


عانى الدكتور زويل ليس فقط من تعطيل وعناد وعثرات فى بلده ليتم مشروعه، غير القابل للربح، وأى عوائد تعود عليه يتم تخصيصها للعمليات العملية والأبحاث، لكنه عانى من قهر مرض السرطان، وكأن القدر أراد أن يتمم حياته بهذا الكفاح.. كفاح من أجل بلده لحلم لم يتم.. وكفاح من أجل حياة أفضل للبشرية من خلال مشروعاته وآخرها وأهمها هو حلم الجامعة الذى حارب من أجله لأكثر من ١٥ عاما ومات قبل أن يتم تحقيقه فى موعده المحدد فى عام ٢٠١٧.