حكى تفاصيل آخر لقاء معه د. محمد حسن.. المصرى الوحيد بمجموعته البحثية: رغم مرضه.. كان زويل يعمل أكثر من الباحثين الشباب

11/08/2016 - 10:43:21

  محمد حسن مع د. زويل فى «كالتك» محمد حسن مع د. زويل فى «كالتك»

حوار: أحمد جمعة

"كأنها وفاة أبى".. هكذا استقبل الدكتور محمد حسن، المصرى الوحيد بمجموعة الدكتور أحمد زويل البحثية بجامعة (كالتيك) فى أمريكا، نبأ وفاة العالم "زويل"، الأمر يعود لخلفيات كثيرة جعلته يبكى أكثر من مرة كلما تحدث عن تعامله مع "زويل". ويحكى "حسن" فى حواره مع "المصور" بدايته تعارفه بالدكتور زويل، ويقول إنه حضر عرضًا لأبحاثه فى معهد (ماكس بلانك) الألماني، وأُعجب به، وعرض عليه الانضمام لمجموعته قبل ٣ سنوات من الآن.


ويروى "حسن" تفاصيل الاجتماع الأخير للدكتور زويل بمجموعته البحثية، عندما ذكر أنه سيتركهم لمدة أسبوعين لإجراء بعض الفحوصات الطبية، وقتها شعر "حسن" أنه يمرض بوعكة قوية، فـ"عالم نوبل" لم يكشف عن مرضه فى أوقات سابقة، بكى من تأثره بالمشهد، غادر الاجتماع، أمسك به زويل، وقال: "هرجع تانى يا محمد.. ماتخافش"، لكنه لم يعد!.


متى بدأت معرفتك بالدكتور زويل.. وكيف انضممت لمجموعته البحثية بجامعة “كالتك”؟


فى عام ٢٠١٢ تقابلت مع الدكتور أحمد زويل فى مؤتمر بسويسرا، وكنت أُقدم عروضًا لأبحاثى، الذى قمت بها فى معهد ماكس بلانك بميونيخ فى ألمانيا، وشاهد الدكتور زويل العرض وقال: "الشغل اللى أنت عملته دا كويس"، ثم سألنى بعض الأسئلة مثل، كيف التحقت بماكس بلانك، وأنت قادم من مصر؟، وكيف وصلت إلى هذه المجموعة الضخمة؟


قلت له إننى حاولت معهم أكثر من مرة، حتى اقتنعوا بأفكارى للعمل معهم، والحمد لله حققت معهم أبحاثا متميزة نُشرت فى أكبر المجلات العلمية مثل (nature)، واطلع الدكتور زويل على هذه الأبحاث ودعانى لأنضم للفريق البحثى الخاص به فى جامعة “كالتك”.


فى عام ٢٠١٣، انضممت إلى المجموعة البحثية بالدكتور زويل فى جامعة “كالتك”.. للعمل على الميكروسكوب رباعى الأبعاد، مع الاستفادة من خبرتى فى مجال الليزر اللى حصلت عليها من خلال معهد ماكس بلانك، ومن هنا بدأت معرفتى بالدكتور زويل على المستوى الشخصى، وانضممت إلى المجموعة حتى الآن.


ومما تتكون مجموعة زويل البحثية بجامعته “كالتك”؟


المجموعة البحثية فى “كالتك” تتكون من ١٨ باحثا، من مختلف الجنسيات، أمريكان ومصريين وعراقيين، ولبنايين، وكوريين، وصينيين، وتايوانيين، وتحت إشراف مباشر من الدكتور زويل.


وكيف كان زويل يتعامل مع مجموعته البحثية؟


دكتور زويل قيمة كبيرة فى جامعة “كالتك”، ومن الممكن لأى أحد أن يشاهد ذلك على أرض الواقع إذا أتيحت له الفرصة لزيارة الجامعة، صور د. زويل موجودة فى مداخل المبانى الرئيسية مثل مبنى استراحة أعضاء هيئة التدريس مع ٤ علماء آخرين حاصلين على جائزة نوبل من “كالتك”. فدكتور زويل يتعامل عن قرب مع الباحثين ويحاول التأكد من اتفاق الأبحاث، التى قاموا بها مع المعايير التى وضعها لنفسه فى المجموعة ويحب مناقشة كافة التفاصيل الخاصة بالأبحاث.


وما هذه المعايير؟


الدكتور زويل يتأكد من ٣ أمور أساسية فى أى بحث علمي، أن يكون بسيطًا للغاية حتى يتمكن المجتمع العلمى وغير العلمى من فهم البحث، كما يكون فى منتهى الدقة وصحيح بدرجة ١٠٠٪ ولا يوجد مجال للخطأ، كما أنه لابد أن يكون بحث متفردا وجديدا من نوعه لكى يكون مؤهلا للنشر.. وبعد تطبيق هذه المعايير، ومن خلال عدة اجتماعات يعقدها الدكتور زويل مع الباحثين، يتخذ القرار النهائى لنشر البحث ويتجه للمجلات البحثية الكبرى لكى تنشره.


وما عدد الأبحاث التى أشرف عليها الدكتور زويل معك؟


عملت مع الدكتور زويل فى ٣ أبحاث، تم نشر واحد منها، ويتبقى اثنان قيد النشر. الأبحاث كانت بخصوص المجهر الإلكترونى رباعى الأبعاد، والقدرة على تحسين سرعة التصوير فى الميكروسكوب للوصول إلى عشرات الفيمتو ثانية بدلا من مئات الفيمتو ثانية، وكنا نحاول الوصول إلى أعلى سرعة ممكنة ولم يتوصل لها أحد فى العالم لحوالى ٢٠ أو ٣٠ فيمتو ثانية.


وهل كانت لقاءاتك مع الدكتور زويل تقتصر على الأبحاث العلمية فقط؟


دكتور زويل، تتعلم من كل كلمة يتلفظ بها، سواء فى البحث العلمى أو الأمور الحياتية الآخرى، وهو دائمًا ما يعطى دروس وملخص خبرته فى الحياة ليس فقط فى البحث للعلمى للمقربين منه سواء كانوا الباحثين أو المساعدين، ويحاول دائمًا إعطاء نصائح حياتية، ولذلك فوجودى معه ضمن المجموعة البحثية كنت أعتبره نوعا من شرف كبير لي، واستفدت كثيرًا خلال تواجدى ٣ سنوات معه، وكنت أتمنى أن تطول أكثر، لكن قضاء الله وقدره كان له كلمة النهاية.


حدثنا عن طريقة تعامُل زويل مع الباحثين المصريين فى مجموعته بـ“كالتك”؟


دكتور زويل لا يُقيّم الأشخاص عن طريق جنسياتهم أو ألوانهم أو ديانتهم، فهو دائمًا ما كان يُقيّم الباحثين عن طريق جهودهم فى العمل ودقتهم فى البحث العلمى، وهذا كان معياره الأساسى.. أما عن المستوى الشخصى لم يكن يحب الأشخاص، الذى ليسوا صادقين، وكان يؤكد على هذه النقطة على وجه الخصوص، وكان يفضل أن يكون كل المتعاملين معه صادقين.


كيف كان يتحدث عالم نوبل عن مصر خلال تواجده فى "كالتك”؟


مصر فى قلب وعقل دكتور زويل، ولا توجد مرة كنت أتحدث معه وتأتى قضية مصر إلا وكان يُسهب فى الحديث عنها وعن تطلعاته فيها، فالراحل كان من القلائل فى الوطن العربى الذين عاشوا فى الخارج لسنوات ولا يزال محافظًا على لغته العربية بـ"لكنتها" التى عايشها فى البحيرة رغم إجادته للغة الإنجليزية.. وكان دائمًا ما يتحدث عن مشروعه فى مدينة زويل وكان يمثل له حلما، وكان دائمًا ما يقول بأن مصر تستحق أن تكون فى مكانة أكبر، ولذا حاول أن يرد جزءا ولو بسيطا من فضل البلد عليه، عبر توفير بيئة علمية سليمة للباحثين المصريين بنفس مستوى الأماكن الموجودة فى الولايات المتحدة الأمريكية والعالم الغربي.


وماذا عن مدينة زويل التى حلّم بها؟


كانت حلم عمره، ورغم المكانة العلمية الرفيعة له فى الخارج، وكيف كان الغرب يقدره كثيرًا لأنه أسطورة علمية حقيقية، وكنت دائمًا ما أسأله، لماذا تُرهق نفسك فى صراعات مصرية على أرض مدينة زويل، وكان رده: أولادنا فى مصر يستحقون أن يجدوا مكانًا مناسبًا يتعلمون فيه، وهذا رد دين بسيط لبلدى.


وكيف كان ينظر الباحثون الأجانب للدكتور زويل؟


فى الواقع عندما كنت أدرس فى معهد ماكس بلانك، كان الدكتور زويل فى المجلس الاستشارى للمعهد، وكان يُقيّم كافة الأبحاث فى أكبر معهد ومركز بحثى فى ألمانيا، ووجوده فى هذا المكان كان اعترافًا ضمنيًا من دولة كبيرة ومعهد كبير بقيمة دكتور زويل العلمية.. وعندما كان فى زيارة للمعهد كان كافة الباحثين والعلماء والأساتذة فى انتظار عرض رؤيته لأنه كان يمثل مثل أعلى بالنسبة له.. هذه القيمة العالمية تظهر بوضوح فى احتفال جامعة "كالتك” بمرور ٤٠ عامًا على وجوده فى الجامعة، واحتفالا بعيد ميلاده الـ ٧٠ فى شهر فبراير الماضى، ضمت كوكبة من العلماء الحاصلين على جائزة نوبل فى الاقتصاد والكيمياء والطب. فاهتمام جامعة "كالتك” بهذه الاحتفالية ظهر فى أبهى صورة تليق بمكانة دكتور زويل، والجميع كان مهتمًا بهذا الحدث، وكانوا يهتمون كذلك بالمشاركة، اعترافًا بمكانة دكتور زويل العلمية.


كعادة أى علاقات إنسانية.. هُناك مواقف بعيدة عن البحث العلمى حدثت لك مع زويل، هل تذكر لنا بعضها؟


هُناك مواقف كثيرة للدكتور زويل، أذكر منها أنه كان دائم النصيحة، كان دائمًا ما يتحدث معنا عن ضرورة خدمة بلدنا.. وهناك موقف أتذكره، بعض الاحتفالية التى حدثت فى جامعة "كالتك”، وكم كانت عظيمة، اقتربت منه فى أثناء الاحتفال وشعرت أنه متأثر بكلام الناس وبحفاوتهم.. قلت له: ربنا يمنحك الصحة، فرد على: "يا محمد أنا كل اللى أتمناه أن يطول فى عمرى علشان أقدر أخلص حلم مدينة زويل علشان خاطر بلدنا".. ورأيت الحرص فى عينيه، وأنه يفكر فى حلمه بإنشاء المدينة، وكان موقف مؤثر جدًا.


ومتى علمت بمرض دكتور زويل؟


دكتور زويل من الأشخاص الذين لا يتأثرون بالمرض، مهما كان الألم وكان يتحامل على نفسه ويعمل أكثر من الباحثين. وعقب الاحتفال الخاص بـ"كالتك”، اجتمع الدكتور زويل بالمجموعة البحثية، لكى يخبرنا أنه سيغيب لمدة أسبوعين لإجراء بعض الفحوصات الطبية، وفى هذا الوقت شعرت أنه يمرض بوعكة صحية كبيرة، لأنه لم يتحدث عن مرضه فى أوقات سابقة. تأثرت جدًا وتركت الاجتماع، وبعد ذلك أمسك بى وقال: "ماتخافش يا محمد.. هرجع تاني"، قلت له "ياريت حضرتك ترجع لأننا محتاجينك.. وهرخم على مين بالنتائج بتاعتي"، لكنه لم يعُد!


وماذا تُمثل "كالتك” بالنسبة للدكتور زويل؟


دكتور زويل قضى ٤٠ عامًا فى "كالتك”، وقال فى الاحتفال "إن "كالتك” هى بيته"، وبعد حصوله على جائزة نوبل عُرض عليه أن يكون أستاذا كبيرا بجامعة هارفارد، ومعهد ماكس بلانك، وعرضوا عليه مبالغ مالية كبيرة لكى يدعموا أبحاثه العلمية، وعندما تحدث مع مسئولى جامعة كالتيك، قالوا له: "لن نسمح لك بأن تترك "كالتك”، وقال هوّ: "شعرت أننى كالسمك إن خرج من المياه يموت، وبالتالى لم أستطع الرحيل عن "كالتك”.


وكيف استقبلت نبأ وفاته؟


عرفت الخبر عن طريق الإعلام المصرى، ولم أكن أصدق الخبر، وأجريت اتصالا بالسكرتيرة الخاصة به فى جامعة "كالتك”، والتى أكدت الخبر، وكان بالنسبة لى صدمة كبيرة، ولكل الموجودين فى الجامعة والمجموعة البحثية لأننا افتقدنا قيمة وقامة علمية ومثلا أعلى لكل الباحثين.. رغم أننى كنت أحاول أن تظل علاقتى به فى نطاق العمل وهو ما علمنى ذلك، وكان يقول بفكاهة: "أنت اتعملت تكون ألمانى زيادة عن اللزوم"، وكان هو يحب ذلك أن تكون العلاقات على مستوى العمل، لكن بشهادة كل المجموعة والعاملين فى كالتيك، كانت تجمعنى بالدكتور زويل علاقة إنسانية كبيرة، وشعرت بوفاته أننى أفقد والدى.


بعد نشرى للبحث الأول، قلت له هذا أفضل بحث قمت به فى حياتى، لأننى اخترت دخول كلية العلوم فى عام ١٩٩٧ تطلعًا لأن أكون مثل د. زويل لأنه كان مثلا أعلى فى حياتى، واليوم أنشر أول بحث يكون اسمى بجوارك، وتأثرت وبكيت أمامه. ما تعلمته مع الدكتور زويل تتخطى حياتى كلها، تعلمت حب الوطن، وكيف تكون عالمًا حقيقيًا، وإنسانا حقيقيًا.