د. فؤاد الدياسطى رئيس قسم الفيزياء بعلوم عين شمس يروى ذكرياته: برنامج «ع الناصية» عرّفنى بـ«زويل»!

10/08/2016 - 3:51:59

محمد السويدى

ذكريات كثيرة تحدث عنها الدكتور فؤاد الدياسطى رئيس قسم الفيزياء بكلية العلوم جامعة عين شمس، جمعته بالعالم الراحل الدكتور أحمد زويل. «الدياسطى» لا زال يتذكر أول مرة التقى «زويل»، قائلاً: «الصُدفة وحدها جمعتنى بالعالم الراحل عندما سمعته فى برنامج «ع الناصية»، والتقيت به أول مرة فى أروقة الجامعة الأمريكية عام ١٩٨٧، وزارنا فى كلية العلوم وأهدانا وبعض المعيدين مجموعة من الكتب العلمية الفريدة».


الدكتور «الدياسطى» قال فى حواره مع «المصور» إنه التقى بأحد أساتذة «زويل» فى مؤتمر علمى، وأكد له أن «زويل» سيفوز بنوبل وذلك قبل حصوله على الجائزة بأربع سنوات، مشيرا إلى أن زويل قال له إن «التعليم فى مصر ليس سيئا، وإنما ينقصه التطبيق».


متى بدأت معرفتك بالدكتور أحمد زويل؟


علاقتى بالدكتور زويل خلقتها الصدفة قبل ٢٩ عاما، ففى صيف ١٩٨٧ كنت استمع لبرنامج «ع الناصية» للإعلامية الكبيرة آمال فهمى، وكانت تستضيف عالما قادما من أمريكا يقضى إجازته بالقاهرة، قام بتعريف نفسه بأنه الدكتور أحمد زويل عالم مصرى يعمل فى جامعة «كالتك» بالولايات المتحدة الأمريكية، وبدأ يتحدث فى حواره معها عن طبيعة نمو البحث العلمى والاتجاهات البحثية فى كل دول العالم، وأن التعليم فى مصر ليس سيئا؛ ولكن ينقصه التطبيق، وضرورة التوسع فى دراسة العلوم الأساسية وتحويلها إلى تكنولوجيا.. وأعجبتنى طريقة كلامه العلمى الممنهج، وقررت البحث عنه والالتقاء به ومعى مجموعة من الزملاء بقسم الفيزياء، وظللت أسأل عنه فى فنادق القاهرة، حتى توصلت إليه فى الجامعة الأمريكية بميدان التحرير.


صف لنا مشهد اللقاء الأول؟


عندما دخلت الجامعة الأمريكية، وجدته يلقى محاضرة عن «الفيمتو وتطبيقاتها» فى مجال الكيمياء، فقد كان أستاذا زائرا بالجامعة، وفور انتهاء المحاضرة دخلنا مكتبه، وقام كل منا بتعريف نفسه وقلنا له مجتمعين نحن مجموعة معيدين بقسم الفيزياء أطلقنا على أنفسنا (Stone Group) باعتبار كل حرف يشير إلى أحد التخصصات الأساسية فى الفيزياء (فيزياء الجوامد، الفيزياء النظرية، الفيزياء النووية، الفيزياء الالكترونية، الفيزياء البصرية)، والهدف من المجموعة أن يكمل كل فرد الآخرين بما لديه من معرفة جديدة.


وماذا كان رد فعله تجاه الـ (Stone Group) ؟


أعجبته الفكرة جدا وقال مازحا «أنا عايز أكون عضو معكم».


وهل قام بزيارة كلية العلوم بجامعة عين شمس بعد لقائكم به؟


نعم، فقد قمنا بدعوته لزيارة قسم الفيزياء بالكلية، ولبى الدعوة وجاء بالفعل للكلية وتجول فى معامل الطبيعة، وكان يرافقه معنا الدكتور حسن طلعت الأستاذ المتفرغ حاليا فى علوم الليزر، وكان ذلك عام ١٩٨٧، أى قبل حصوله على نوبل بقرابة ١٢ عاما، لكننا شعرنا منه دعمه لشباب الباحثين وذلك من خلال لقائه بنا على غير موعد فى الجامعة الأمريكية، ثم تلبيته الفورية لزيارة قسم الفيزياء بالكلية، ليس هذا فحسب قام بتدعيمنا فيما بعد بمجموعة قيمة من الكتب والمؤلفات العلمية بمكتبته أحدها لا يزال يحمل توقيعه بإهداء لى فى (Electro Magnetic Radiation).


وما أبرز ما قاله لكم فى تلك الزيارة ؟


قال مشكلة مصر أن عقلها به ورم ولن ينصلح حالها إلا بإزالة هذا الورم، ولم يُمانع سفر أى مصرى إلى أمريكا لاستكمال مشروعه البحثى والعلمى، ولكن بعد أن يستنفد كل مجهوداته للنجاح فى مصر أولا، وإذا فشلت محاولاته هنا يقرر السفر إلى الخارج سواء إلى أمريكا أو أى بلد آخر.


لكل عالم مدرسة علمية أو مذهب ينتمى إليها، فإلى أى مدرسة كان ينتمى الدكتور أحمد زويل؟


المدارس العلمية نوعان أولها مدرسة تعتمد على التحليل النظرى فقط دون التوغل بعمق فى المعادلات الرياضية، والثانية كان ينتمى إليها الدكتور زويل وهى المدرسة العميقة المُعتمدة على التحليل النظرى المصاحب بالمعادلات الرياضية، وهذا ما لاحظته من خلال الكتاب الذى أهداه لى، وهو طبعة ١٩٨٠، مما يدل على أن زويل لم يبخل علينا بكتب حديثة، فكان من الممكن أن يعطينا كتبا قديمة مطبوعة فى الخمسينيات أو حتى الستينيات، لكنه آثر أن يمنحنا كتابا بعد طبعته بسبع سنوات فقط.


وما الذى لاحظته أيضا من خلال تلك الزيارة أو من خلال الكتب التى تم إهداؤها لمجموعة (Stone Group)؟


شىء بسيط جدا يؤكد على تمسكه بالموروث البيئى والثقافى فى مصر، فقد لاحظت أن كتاب (Electro Magnetic Radiation) الذى أهداه لى، كان محافظا على سلامته دون أية خدوش من خلال تجليده يدويا، بورق أبيض به مربعات، مثلما كُنا نقوم بتجليد كتبنا المدرسية أيام زمان حتى نجعلها فى أزهى صورها.


وما صحة أن الدكتور زويل كان له أسلوبه الفلسفى فى شرح وتبسيط المعلومة العلمية؟


هذه من أبرز صفات زويل وجعلت له خصوصية فريدة بين أقرانه من العلماء، فبينما كنا نُتابع محاضرته عن «الفيمتو وتطبيقاتها فى الكيمياء» فى الجامعة الأمريكية قال قولا بليغا، وهو أن المواد الكيماوية أثناء تفاعلها، تسلك سلوكا شبيها بسلوك البشر تحب وتكره، وأبرز مثال على التفاعل الطبيعى لذرتى الصوديوم والكلور لتكوين ملح الطعام.


وهل تواصل معك زويل بعد انتهاء زيارته لمصر عام ٨٧ وعودته إلى أمريكا؟


فوجئت به يرسل لنا صورة من بحثين جديدين عن تطبيقات الفيمتو فى الكيمياء قام بنشرهما فى مجلة الـ (science) وهى أكبر دورية علمية فى العالم.


وهل من لقاءات أخرى جمعتك بالراحل؟


نعم حدث ذلك فى عام ١٩٩٥ وقبل حصوله على جائزة نوبل عام ١٩٩٩، فقد تمت دعوته ونخبة من كبار العلماء لمؤتمر علمى فى المعهد القومى لعلوم الليزر بجامعة القاهرة، وكان بينهم أحد العلماء الألمان الذين حصلت معهم على درجة الدكتوراه فى الـ (Nano Material)، فذهبت إلى المطار لاصطحابه؛ ولكنى وجدته ارتاد الأتوبيس المُخصص من قبل المؤتمر؛ إلا عالما واحدا جاء متأخرا، فقمت باصطحابه فى سيارتى، وكان كبيرا فى السن، وعلمت منه أنه أحد أعضاء اللجنة العلمية التى اختبرت زويل عند بداية سفره لأمريكا، ليس هذا فحسب، قال لى أيضاً العالم الكبير أن زويل ذكى جدا ونشيط وأبحاثه رائعة، وأتوقع حصوله على جائزة نوبل، وقد تحققت نبوءة هذا العالم الكبير، وحصل زويل بالفعل على الجائزة الأشهر فى العالم بعد هذه الواقعة بأربع سنوات.


وهل يوجد تعاون علمى بين مدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا وكلية العلوم بجامعة عين شمس؟


لدينا فى مدينة زويل للعلوم مجموعة من الأساتذة، وبعض الباحثين الشباب ممن ينتمون إلى قسم الفيزياء بكلية العلوم، وقد يتم التعاون مع المدينة مستقبلا بواسطة هؤلاء الزملاء من خلال برامج ومشاريع ومعرفة المتاح منها وغير المتاح.


وما الذى يُميز زويل عن غيره من العلماء؟


زويل كان عالما موسوعيا لا يشغله العلم عن كافة قضايا الحياة، كان يكتب فى الأدب والسياسة والاقتصاد فى أعرق وأكبر الصحف السياسية والعالمية، وكان يقرأ العالم من خلال منهجه العلمى الفريد.


صف لنا اختراع زويل الذى حصل بموجبه على جائزة نوبل؟


اختراع زويل توصل إليه من خلال فريق بحثى فى جامعة «كالتك» الأمريكية فى علم «النانو الكترونيكس» أو الالكترونات متناهية الصغر وهو ميكروسكوب رباعى الأبعاد يرصد حركة الإلكترونات فى أشباه الموصلات، ولأول مرة نرى سرعة الإلكترونات وهى تفوق ألف مرة سرعة الصوت، ومن خلال الاختراع يمكن التحكم فى تلك السرعة وملاحظة التغير فى هذه المواد فى وقت قصير جدا وإحداث تطورات هائلة فى أجهزة الكمبيوتر الفائقة وفى قدرات التخزين الرقمية الهائلة.


وكيف استقبلت نبأ وفاته.. وبماذا تنصح لاستكمال مشروعه العلمى؟


تلقيت الخبر بكل الحزن والأسى، فزويل كان عالما فريدا يدرك جيدا أن الأمم المتقدمة لا تبنى إلا بالعلم، وهكذا كان يتمنى لمصر، ودائما ما كان يؤكد أن منظومة البحث العلمى معقدة؛ لكن الغرب تفهمها جيدا ووفر لها مناخا مناسبا وإمكانيات عظيمة وهو ما حرص عليه فى تشييده لمدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا وباعتباره واحدا من المخترعين، وكان مؤمنا بجدوى الاختراعات وأنها جزء أصيل من نهضة أى بلد علميا واقتصاديا.. وأنصح لاستكمال مشروعه البحثى والعلمى فى مدينة زويل أن تولى الدولة اهتماما به وتنفيذ برنامجه الذى أعده بنفسه بمعاونة نخبة قديرة من العلماء فى مجلس أمناء المدينة.


بوصفك رئيسا لأكبر قسم للفيزياء فى الجامعات المصرية، ماهى روشتك للإصلاح العلمى فى مصر؟


لابد من التركيز على المشاريع البحثية ذات الجدوى الاقتصادية التى تدر عائدا على البلاد ويتراجع معها حجم الاستيراد وخير مثال على ذلك البدء فورا بتطبيق أبحاث الاستفادة من كنوز مصر من الرمال وهى الأفضل فى العالم وتحويلها إلى رقائق سليكون ذات السعر الباهظ وتصديرها للخارج بما يدر عملات صعبة كبيرة جدا، ولابد أيضا من البدء الفورى فى التركيز على أبحاث العلاج المستقبلى «العلاج بالجينات» وغيره من عشرات المشاريع البحثية التى لو تم تنفيذها سوف نصبح وفى وقت قصير دولة رائدة فى العالم، وقبل ذلك لابد من توافر إرادة حقيقية للارتقاء بالبحث العلمى وتذليل كل الصعاب أمام الباحثين وخريجى كليات العلوم، وهذا ما كان ينادى به دائما العالم الراحل أحمد زويل، خاصة أن بينهم ما لا يقل عن ١٣٪ من المتميزين ولديهم القدرة أن يكونوا نماذج مكررة من زويل، إذا اتيحت لهم الفرصة والإمكانيات المناسبة والطالب المصرى بشكل عام يحتاج فقط ٦ أشهر بإمكانيات الغرب حتى يتفوق ويصبح متميزا.


 



آخر الأخبار