هل كان طريق زويل إلى نوبل مفروشاً بالفل؟

10/08/2016 - 3:40:54

  زويل مع رفيقة الدرب زوجته ديما زويل مع رفيقة الدرب زوجته ديما

بقلم : محمد الحنفى

جذبتنى جملة قالها العالم الراحل الدكتور أحمد زويل وجعلتنى أتوقف عندها طويلا ً، " الأوربيون ليسوا أذكى منا ولكنهم يقفون ويدعمون الفاشل حتى ينجح ... أما نحن فنحارب فى الناجح حتى يفشل" ! صدقت يا دكتور إنها آفتنا وسر تخلفنا .. إن مغزى الجملة واضح .. والمؤكد أنك واجهت الكثير من المصاعب والمتاعب فى هذا البلد وخارجه، وربما لم يكن طريقك إلى أهم وأرفع جائزة فى أهم فرع من فروع العلم "الكيمياء " مفروشا بالفل " !


لقد كانت أولى محطات التحدى وربما المنغصات خلال مشوار الدكتور أحمد زويل، فى مدرسة النهضة الابتدائية بمدينة دسوق عندما واجه أسوأ ما فى العلم .."الحفظ أو الصم " فى بعض المواد الدراسية، دون الالتفات إلى الفهم أو البحث عن أجوبة لتساؤلات الطلاب، الأمر الذى كان يعرّضه "أحيانا " للعقاب البدنى بسبب عدم اقتناعه بالحفظ، وعلى الرغم من أنه لم يكن عقاباً قاسيًا أو مؤذيًا لكن الفكرة فى حد ذاتها كانت مهينة".


ولم تكن محطة الثانوية العامة سهلة بالنسبة لزويل بل شهدت توترات مختلفة قال عنها: "كان رهانى الحصول على أعلى الدرجات بغض النظر عن المواد المختارة، كنت مولعاً بمسائل الكيمياء والميكانيكا والفيزياء، وفى هذه المرحلة بدأ السؤال، كيف تعمل الأشياء؟ وماهية كل شيء؟ وفى هذه المواد حصلت على أعلى الدرجات وكان أقلها فى اللغة العربية والتاريخ!" .وربما كان ذلك السبب الوحيد الذى حرمه من تحقيق حلم والده بدخول كلية الطب، ليرسم له القدر مستقبلاً أفضل بدخول كلية العلوم وهو المولع بالرياضيات والفيزياء والكيمياء.


وكانت "محطة" الجامعة شجنًا بالنسبة لزويل، على حد وصفه، خاصة مع فكرة الانتقال من مدينة دسوق إلى الإسكندرية، والبعد عن أهله ومواجهة بيئة اجتماعية متباينة تماما عن تلك التى نشأ فيها.


وفى كلية العلوم جامعة الإسكندرية وضع الدكتور زويل تحدياً أمامه وعقد العزم على تخطيه، إنه التفوق، ولا بديل عنه، كان حلمه أن يصبح واحداً من أساتذة الكلية، وتحقق الحلم عندما حصل على بكالوريوس العلوم بامتياز مع مرتبة الشرف الأولى وعين معيداً بالكلية.


لتبدأ مرحلة جديدة من التحديات الصعبة والمصيرية، وليس أمام الفارس إلا عبورها.


وفى لقاء له مع شباب الإعلاميين يحكى زويل بنفسه ما واجهه من صعوبات ما بعد الحصول على البكالوريوس بتفوق والتعيين فى الكلية فيقول:


"كانت قصص عشان أخرج من مصر، كنت معيداً بجامعة الإسكندرية وحاصل على تقدير امتياز مع مرتبة الشرف وكنت الأول على دفعتى وذلك عام ١٩٦٧ (النكسة) ولم أدخل الجيش لأنى كنت الابن الوحيد لوالدي، لقد كان عامًا عصيبًا بالنسبة كنت أجرى أبحاث الدراسات العليا وسط جو من الانكسار النفسى الرهيب".


ولم يتحمل زويل هذه الأجواء فقرر الرحيل من مصر، ليكمل مشواره مع العلم إذ يقول:


" قررت التقدم لمنحة خارجية لأن بعثة الكلية تعنى أن الحكومة المصرية ستتحمل كل شىء ومنها السفر والتنقلات والتأمين الصحى وغيره، أى إنفاق ٢ مليون دولار على الباحث صاحب البعثة، ولهذا فضلت المنحة الخارجية من الجامعات لعدم تكلفة الحكومة آنذاك، وحينها كان مسموحاً بالسفر للمجر أو الاتحاد السوفيتى "الكتلة الشرقية فقط"، ولم أكن أستريح لهذه الدول لأنى لم أكن أفهمهم مثل الأمريكان، ولأن أمريكا فى هذا التوقيت كانت تقود سفينة العلم الحديث دون منازع ..فبدأت أراسل ٥ جامعات أمريكية.


ويواصل العالم المصرى الكبير حديثه مع شباب الإعلاميين عن التحديات التى واجهته قبل سفره إلى الولايات المتحدة .. حيث روى أنه شاور عدداً من أساتذته من ذوى الثقة الذين رجحوا له أمريكا وعلى رأسهم الدكتور سمير العزبى والدكتور يحيى طنطاوى : "نصحونى بتجربة أمريكا، فخاطبت ٥ جامعات أمريكية وكنت مستعداً للسفر إلى بلاد الأحلام، لكن أول عقبة ظهرت أمامى قبل السفر، عندما وصل خطاب المنحة الخاصة بجامعة بنسلفانيا بأمريكا، وكان الخطاب باسمى، وفوجئت برد المسئولين فى مصر قائلين: "هو عشان الجواب جه باسم "أحمد حسن زويل" تاخد المنحة؟ وفين سلطتنا احنا"، وفى محاولة لتعجيزى اشترطوا علىَّ توقيع تنازل من ٢٩ معيداً من أصل ٣٠ حتى أحصل على المنحة التى جاء خطابها لمصر باسمى ! وبالفعل أنجزت هذه المهمة وتخلصت من العقبة الأولى.


ثم كان عليه أن ينجز مهمة عبقرية قال عنها :"أنجزت مهمة أخرى عندما أنهيت الماجستير فى ٨ شهور فقط " لكنه فوجئ بقانون جديد من مجلس الشعب "ولم يكن حينها يفهم طبيعة عمل مجلس الشعب"، القانون الجديد كان ينص على "أنه إذا تفوقت وكنت الأول على دفعتك لابد أن تخدم فى بلدك عامين قبل التقدم لمنحة خارجية"!


ياحظك السيئ يازويل .. تقعد سنتين فى مصر يعنى المنحة راحت "، لكن الشاب المتيم بالعمل والمزود بالعزيمة والإصرار لم ييأس أو يستسلم .. "عملت أبونيه فى المجرى "قطار سريع" من الإسكندرية للقاهرة وكنت أذهب يوميا لمجمع التحرير ووزارة التعليم العالى إلى أن جاء اليوم العظيم عندما ذهبت لرئيس جامعة الإسكندرية للتوقيع على خطاب السفر.


ويذكر زويل أن توقيع رئيس جامعة "الإسكندرية" كان مهما للغاية حتى يوافق وزير التعليم العالى على التوقيع هو الآخر وكانت المهمة أكثر صعوبة .. حكاها الرجل بنفسه .."ذهبت إلى رئيس الجامعة وأنا فى قمة الشياكة "ارتديت بدلة وكرافتة"، قابلت أحد الفراشين فى الدور الأول من الجامعة وأبلغته أنى ذاهب لمقابلة رئيس الجامعة فقال لى "هو سلق بيض أى معيد كده عاوز يدخل لرئيس الجامعة يدخل ؟" وعندما وجدنى مُصراً على ما أقول قال لى "شيل البوسطة دى وتعالى ورايا" فحملت أوراق البوسطة وذهبت خلفه لرئيس الجامعة الدكتور عبد الرحمن صقر آنذاك الذى قال لى نصا: "أنا همضيلك على الجواب بس أنت مش راجع الجامعة تانى !


ويكمل زويل: بعد انتهاء كل هذه العقبات حملت أوراقى وتوجهت للمطار ففوجئت بقرار غريب وهو "عدم السماح لى بالمرور وأنا أحمل أكثر من ٢٠ دولاراً" وأكمل زويل ساخرا "عشان تطلع بالمبلغ ده كان لازم تجيب شهادة إخلاء طرف من كل الأقسام العلمية بالجامعة" (هذا الكلام كان فى شهر أغسطس من عام ١٩٦٩، وأتصور أن الدولار وقتها كان بـ٦٠ قرشا)


وذهبت للجامعة بأمريكا وسجلت بـ ٣٠ دولار تقريبا.


لقد كانت محطة خروجى من مصر مؤلمة وكان المشهد مؤثرًا جدًا، اختلطت فيه الدموع بالخوف من المستقبل وبالقلق من الرحلة الطويلة، ألمى عند الخروج من مصر ألمٌ لم أشعر به من قبل حتى عندما غادرت قريتى إلى الإسكندرية فى أول ابتعاد عن حضن عائلتي، هذه المرة كان شعورى مختلفًا، كأن انقباضًا حادًا اعتصر قلبي، وللآن لم أستطع نسيان هذا الشعور رغم تعدد الأسفار ".


ولم تكن الحياة بأمريكا سهلة ولكننى واجهت صعوبات عدة أيضا أولها النظرة التى كانت سائدة هناك عن بلاد العرب والقول بأنهم ما زالوا يركبون الإبل بالصحراء، وأن طائرة واحدة من طراز f١٦ قادرة على محوهم .. وكان أمامى طريقان أولهما الدخول فى صراع مع القائلين بذلك والثانى الرد عليهم من خلال علمى وعملى فاخترت الرد الأخير.


وفى أول اختبار له فى الفصل الدراسى الأول بالكلية واجه الدكتور زويل تحدياً جديداً وهو الطالب المتفوق على مدى سنوات حياته الدراسية يقول عنه:" كان الامتحان عبارة عن ١٠٠ سؤال، حصلت على درجات بائسة فيه ولكن تحديت نفسى وحصلت على المركز الأول أنا وطالب أمريكى فى نهاية هذا الفصل الدراسى، كما قابلتنى عقبة أخرى هى عدم إجادتى للغة الإنجليزية مثل أصحابها وهو ما تجاوزته فى فترة قصيرة"!


ويذكر الدكتور أحمد زويل قصة أخرى: «أول ما سافرت أمريكا قطعوا عنى وصلة السخان علشان مكانش معايا فلوس أدفع الاشتراك بتاع الكهربا، وكنت أسكن فى شقة متواضعة ليس بها بطاطين للتدفئة خلال النوم بالليل.  !


واستكمل الدكتور زويل دراساته العليا فى الولايات المتحدة الأمريكية حيث حصل على شهادة الدكتوراه فى علوم الليزر عام ١٩٧٤ من جامعة بنسلفانيا. وبعدها انتقل زويل إلى جامعة بيركلى بولاية كاليفورنيا وانضم لفريق الأبحاث هناك، وفى عام ١٩٧٦ عُين فى معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا "كالتك" التى تعد من أكبر الجامعات العلمية فى أمريكاكمساعد أستاذ للفيزياء الكيميائية وكان فى ذلك الوقت فى سن الثلاثين.


وفى عام ١٩٨٢ نجح زويل فى تولى منصب أستاذ الكيمياء وفى عام ١٩٩٠ تم تكريمه بالحصول على منصب الأستاذ الأول للكيمياء فى معهد لينوس بولينج، وفى سن الثانية والخمسين فاز الدكتور أحمد زويل بجائزة بنيامين فرانكلين بعد اكتشافه العلمى المذهل المعروف باسم " الفيمتوثانية " أو "Femto-Second" وهى أصغر وحدة زمنية فى الثانية, ولقد تسلم جائزته فى احتفال كبير حضره ١٥٠٠ مدعو من أشهر العلماء والشخصيات العامة مثل الرئيسين الأسبقين للولايات المتحدة الأمريكية جيمى كارتر وجيرالد فورد وغيرهم.


وتم ترشيحه عن اختراعه لهذا الجهاز لنيل جائزة نوبل، وبالفعل استطاع نيل الجائزة عام ١٩٩٩م ليكون الدكتور زويل أحد أبرز العلماء العرب الذين حصلوا على نوبل.


لم ينسَ الدكتور زويل مصر بل كان مهموما بها وبالبحث العلمى فيها، ودائما ما كان يرى أن :"النقطة التى تثير الجدل للمناقشة هى مستقبل العلوم فى مصر، ولكن يجب أن نتحدث أولا عن المجتمع العلمى فى مصر، ونسأل أنفسنا هل يستطيع العلم أن ينمو بدون مناخ مناسب؟ إن الإجابة على هذا السؤال ستكون لا، لأنه يجب أن تتوافر شروط ومتطلبات أساسية للعلم وبدونها لن نستطيع تحقيق أى تطور أو تحسين، العلم ليس هبة أو منحة، لكنه نتيجة منطقية للعمل الشاق والجاد, ولا يمكن لأى عالم فى أى مجال من مجالات العلم المختلفة أن يخترع أو يكتشف أو يطور بدون أن يجد حوله المجتمع العلمى المناسب". 


لهذا تحمس الدكتور زويل لإنشاء مدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا" على مستوى عالمى لكى تكون من الجامعات الرائدة من أجل النهضة بمستوى مصر العلمى فى شتى مجالات العلوم، لكن أعداء النجاح فى هذا الوطن لم ينسوا أن يدخلوه فى معركة خاسرة مع جامعة النيل وطلابها وهيئة تدريسها، ولم يكن من اللائق أن يدخلها لأنها أساءت إليه كثيرا، خاصة مع الصخب الإعلامى الذى واكبها وحكم المحكمة الذى أدان جامعته وأعاد طلاب النيل إلى مبناهم الذى بدا للجميع أنه كان مغتصباً من قبل الدكتور زويل وفريقه، والحق أن الرجل كان مظلوماً، ومسئولو الدولة فى ذلك الوقت هم من غرروا به حين قرروا تخصيص مبنى جامعة النيل بالسادس من أكتوبر مقراً لجامعته ومدينته العلمية وطردوا أصحابها الحقيقيين!.


أيضاً لم يسلم الدكتور زويل من حملات واتهامات كثيرة سواء من الإخوان أو من الفلول وغيرهم، منها أنه يحب التلميع، وأن الإعلام هو الذى ضخم صورته وهو الذى لا يقدم شيئا للبلد ويحرص على الأضواء. وروج البعض لفكرة أنه لم يكن ليحصل على نوبل إلا برضا أمريكى، وتمادى البعض بادعاء أن زويل يسعى لكى يصبح رئيسا لمصر !


لقد قالها بشكل واضح :"أنا إنسان صريح.. وليس لى طموح سياسي، كما أكدت مراراً أننى أريد أن أخدم مصر فى مجال العلم وأموت وأنا عالم" وحقق له الله ما تمناه !


ولم تكن الحياة الخاصة للدكتور زويل مستقرة أو هادئة فى بدايتها، فقد واجه صعوبات فيها .. لقد تزوج الرجل مرتين وخاض تجربة مريرة فى حياته، إنها تجربة طلاق زوجته الأولى السيدة ميرفت التى كانت تصغره بعامين وأنجب منها إبنتيه مها وأماني.


وفى عام ١٩٧٩بدأت رحلة الابتعاد بينه وبين زوجته لينتهى الأمر بالانفصال.


و الشيء الذى جرح قلبه بالفعل كما قال : "كان ابتعادى عن ابنتيّ رغم أنى كنت أقضى معهما عطلات نهاية الأسبوع والأعياد".


وبعد ١٠ سنوات تقريبا ً خاض الدكتور زويل تجربة الزواج مرة أخرى وأخيرة من السيدة ديما الفحام السورية الجنسية وابنة الدكتور شاكر الفحام الذى كان وزيراً سورياً سابقاً، وأنجب منها ابنيه نبيل وهاني.


رحم الله الدكتور أحمد زويل المصرى الوفى قبل أن يكون العالم الجليل الذى عرف العالم فضله وقيمته وقامته إلا نفرا من أهل مصر ويبدو أنهم كُثر !