كان يذاكر على صوتها.. ويحضر بعض حفلاتها أم كلثوم مُلهمة زويل!

10/08/2016 - 3:28:06

تقرير: خليل زيدان

لا شك أن الفن الهادف والطرب الأصيل يدفع للرقى ويصل بنا إلى درجات السمو والعلا، وهذا ما أكده عالمنا الجليل د. أحمد زويل، فمع نجاحاته الأولى وحصوله على جائزة نوبل أجرى العديد من اللقاءات والحوارات الصحفية مع الإعلاميين والفضائيات، وكان القاسم المشترك فى كل الحوارات سؤالاً واحداً وهو: ما الدافع الذى ساعدك للوصول إلى اكتشافك المذهل وحصولك على نوبل؟ فكان الرد المدهش للجميع .. إنه صوت أم كلثوم !!


لذلك عدنا إلى خزائن ذكرياته ومنها كتابه (عصر العلم) الذى صدر عام ٢٠٠٥ لننقب فى مراحل عمره عن سر حبه وارتباطه بصوت أم كلثوم، فنجده يروى أنه تعلق بصوتها منذ صباه وهو فى المرحلة الإعدادية عند الثالثة عشرة من عمره، وكيف كان ينتظر حفلاتها الغنائية وحرصه أن يكون المذياع بجانبه طول الوقت وهو الوسيلة الوحيدة آنذاك لسماع كوكب الشرق وبحثه الدائم عن أغانيها فى محطات الراديو، علاوة على حرصه حضور بعض حفلاتها التى كانت تقيمها فى الخميس الأول من كل شهر كلما تيسر له الحال مع خاله .. ولم ينسَ كيف كانت الشوارع خالية عند إذاعة حفلاتها، هنا نستشف أن هناك تساؤلاً ترسب فى وجدانه وهو: كيف تؤثر أم كلثوم فى كل هذه الجموع وكيف تجمعهم على شىء واحد، وكيف تلقى إليهم بنتاج يسعدهم ويرقى بنفوسهم .. أليس ذلك دافعاً جديداً فى نفسه لخدمة البشرية؟


مرت أيام صباه ووصل إلى المرحلة الجامعية، وعند إعلان النتيجة أثلج صدره حصوله على الامتياز مع مرتبة الشرف، وهنا تذكر خير ونيس له أيام مذاكرته وهو صوت أم كلثوم، وفى غمرة الفرحة قرر هو وخاله الذى كان يصطحبه معه أن يحتفلا بتناول الغداء فى أحد الأماكن المخصصة لإذاعة حفلات كوكب الشرق وكان والده يعلم بحبه لأم كلثوم فدعاه أن يحتفل معه أيضاً مع سماع أغانيها .


وبنظرة تحليلية أكثر عمقاً نجد أن حبه وتعلقه بصوت أم كلثوم لم يكن مجرد دوافع واحتياجات مراحل عمرية وهما مرحلتا المراهقة والشباب وانصياعه لكلمات الحب والشجن والأنين بل كان الأمر أكبر من ذلك، وهذا ما أكده بحرصه أن يكون صوت أم كلثوم ملازماً ومرافقاً له طوال عمره حتى عندما غادر مصر واستقر فى كاليفورنيا، كانت شرائط أغانيها مع جهاز التسجيل وصورتها على مكتبه فى معمله ضمن أساسيات معيشته، حتى إنه وضع صورتها بجوار صور أولاده وزوجته، وبسبب دخوله الدائم فى محراب صوت أم كلثوم وطقوسه المتبعة بإنصاته الشديد وشروده الذهنى فتح ذلك باباً ليتسرب منه الشك فى نفس زوجته بأن سر هيامه وشروده أنه يستعيد ذكريات قصة حب قديمة مع صوت أم كلثوم.


نؤكد هنا أن الكلثومى د. زويل كانت علاقته بصوت أم كلثوم ليست كغيره من جيله أو مثل كثير من الشباب، بل كانت نظرة أخرى، نظرة عالم متطلع يبحث فى الأشياء ويدقق ومع حرصه أن يكون صوت أم كلثوم هو ونيسه فى معمله ورحلته العلمية ترسب فى وجدانه بدون أن يشعر كيف للفرد أن يؤثر ويفيد وكيف يلقى بنتاج أعماله سواءً كانت فنية أو علمية لتستفيد منه البشرية، فزاده ذلك الشعور الدفين إصراراً أن يتفرد فى مجاله وأن يترجم الشجن إبداعاً والألحان إلهاماً .


نستشف مما سبق أن د. زويل أثر فى وجدانه محوران هامان وهما عطاء وإبداع أم كلثوم وأيضاً الإلهام الذى استمده من أغانيها وسحر صوتها، فمن المؤكد أن يتشبع كلثومى مثله بكل ما غنت أم كلثوم بدءاً من الأغانى العاطفية، مروراً بالدينية وصولاً إلى الحافز الأكبر وهو أغانيها الوطنية التى غيرت كثيراً من مجريات الأمور عند الأفراد والشعوب العربية وحفزتهم على العمل والاجتهاد والمثابرة والنضال وواكب صوتها أزمات مصر ومحن الدول العربية وكانت خير دافع ومعين فى كل الحقب التاريخية، بدءاً من مؤازرة الشعب عند نفى الزعيم سعد زغلول بقصيدة إن يغب عن مصر سعد ١٩٢٧، ومناشدة الشباب بالاجتهاد فى (نشيد الجامعة) ١٩٣٦، وقصيدة السودان، وقصيدة النيل، ومصر تتحدث عن نفسها، وصوت الوطن، وقصيدة الجلاء، وياجمال يامثال الوطنية، ونشيدى الطيران والجيش، وغيرها من الأغانى التى ألهبت حماس الشعوب ودفعتهم للعمل والنضال.


تحققت هنا المعادلة الوجدانية اللا شعورية بين زويل وأم كلثوم، فكما وصلت هى لقمة المجد فى الطرب الأصيل وطوعته لخدمة الشعوب ودفعتها للعمل والاجتهاد، لحق بها زويل متربعاً فى قمة مجاله العلمي، نافعاً الدنيا بما وصل إليه من علوم مع نظريته التى لم يسبقه إليها أحد .. وبدون أن يشعر نجده قد استجاب لمناشدة أم كلثوم حين قالت :


قَد وَعَــدتُ العُــلا بِكُلِّ أَبِى مِن رِجالى فَأَنجِزوا اليَومَ وَعدي


وَاِرفَعوا دَولَتى عَلى العِلمِ وَالأَخلاقِ فَالعِلمُ وَحدَهُ لَيسَ يُجـدى