لماذا يخشون استمرار السيسى رئيسًا لمصر؟!

10/08/2016 - 2:44:07

بقلم - عبدالقادر شهيب

لو كنت مكان الرئيس السيسى لما غضبت مما كتبته مجلة الأيكونوميست، التى كنا من قبل نعتبرها مجلة اقتصادية متخصصة بعيدة عن السياسة وتتصف بالرصانة وتحرص على بعض الموضوعية، بل لشعرت بالاطمئنان!


نعم لقد تخلت المجلة فيما كتبته عن هذه الموضوعية، التى كانت تبدو أنها تحرص عليها وخلعت ثوب الرصانة، الذى كانت ترتديه وقدمت فيما كتبته عن مصر وعن الرئيس السيسى شخصيًا مغالطات عديدة.


والأكثر من ذلك حرضت سياسيًا كل الدول الغربية والولايات المتحدة عليه وعلى مصر، وحينما طالبت بوقف تصدير السلاح إلى مصر، رغم أنها تخوض حربا ضد الإرهاب وتحقق انتصارات واضحة وملموسة فى هذه الحرب.. ولكن المجلة التى كانت تتدعى أنها متخصصة فى الشأن الاقتصادى انتهت فيما كتبته عن مصر وأحوالها إلى تبنى دعوة سياسية خالصة، وهى الطلب ألا يترشح الرئيس السيسى لفترة رئاسيةجديدة يتيحها له الدستور المصرى!


نعم هذه دعوة تثير غضب واستياء وضيق كل مصرى غيور على استقلال الإرادة المصرية ويرفض أى إملاء أجنبى على شعبها من أى جهة مهما كانت، قبل أن تغضب الرئيس السيسى شخصيًا.. وهى دعوة أيضًا تستحق منا أن نعلن رفضنا لها ولأية دعوة مماثلة لها سواء اتخذت شكل تقرير أو موضوع صحفى أو اختفت بين ثنايا بعض التصريحات الدبلوماسية الرسمية، أو ترجمت إلى مواقف عملية على غرار ما حدث لنا بحجب السياحة الأجنبية عنا، والسكوت على مؤامرات الإخوان علينا، والسيطرة على تدفق الاستثمارات الأجنبية إلينا.


ولكن عندما تجاهر مجلة اقتصادية شهيرة بطلب سياسى فى نهاية المطاف من الرئيس السيسى بعدم الترشح فى الانتخابات الرئاسية المقبلة عام ٢٠١٨، فهذا ليس له سوى معنى واحد فقط، وهو أن إدارة هذه المجلة وكاتب التقرير الخاص بمصر وبأوضاعها الاقتصادية والسياسية ومن يقف وراء نشره بهذا الشكل، كلهم متأكدون أن الرئيس السيسى إذا ما خاض هذه الانتخابات الرئاسية المقبلة سوف يفوز فيها بالقطع.. أى أنه مازال يحظى بقدر مناسب من الشعبية يتيح له الفوز على أى منافس له فى هذه الانتخابات.


إذن إنهم متأكدون أن السيسى سوف يستمر عبر الانتخابات الرئاسية المقبلة رئيسًا لمصر حتى عام ٢٠٢٢.. وهذا كما يبدو يزعجهم جدًا ويتمنون ألا يحدث، بل إنهم تجاوزوا الآن مرحلة التمنى وانتقلوا إلى مرحلة السعى من أجل منع حدوثه.. أى منع استمرار عبدالفتاح السيسى رئيسًا لمصر لدورة رئاسية ثانية.. وبالتالى فهذا أمر يجب أن يطمئن الرئيس السيسى!


لا يطمأنه فقط إلا أنه مازال رغم كل ما حدث وكل ما قيل وكل ما خطط يحظى بقدر مناسب من القبول الشعبى ورضا الناس عليه وعلى أدائه.. وإنما بطمأنة أيضًا على أنه يسير فى الطريق الصحيح والسليم.


لقد كان عبدالناصر يقول ويردد دائمًا طالما نحن نتعرض للهجوم من أمريكا والغرب فنحن إذن نسير فى الطريق الصحيح والسليم.. وهذا ما يحدث حاليًا مع الرئيس عبدالفتاح السيسى.. إنه يتعرض منذ أن أعلن ترشحه للانتخابات الرئاسية السابقة (٢٠١٤) لحملات هجوم ممنهجة ومستمرة لم تتوقف.. لأن من يهاجمونه لا ينسون له دوره، وهو قائد عام للقوات المسلحة فى٣٠ يونيه والثالث من يوليو ٢٠١٣، عندما انحاز لجموع الشعب التى خرجت تطالب بالتخلص من حكم الإخوان الفاشى المستبد، بينما كانوا هم قد راهنوا على هذا الحكم فى تحقيق مصالحهم بالمنطقة وتنفيذ ما أعدوه من خطط لصياغة مستقبلها السياسى، وهى الخطط التى كانت ومازالت ترمى إلى تقسيم دولها الوطنية إلى كيانات قزمية صغيرة ضعيفة مهيضة الجناح يسهل السيطرة والهيمنة عليها مع التخلص من الجيش القوى المتبقى منها وهو الجيش المصري.. وهم يعتبرون السيسى بما فعله قد عطل لهم هذه الخطط ولذلك كان آخر شىء يتمناه هؤلاء هو رؤيته وقد صار رئيسًا لمصر.


وقد زادت بالطبع حملات الهجوم التى تستهدف الرئيس السيسى بعد أن صار رئيسًا لمصر وانتهج من السياسات الخارجية، التى سعت للحفاظ على استقلال الفرار المصرى وحماية الأمن القومى المصرى وتأمين المصالح المصرية.. بينما كان هؤلاء يرغبون فى رئيس مصر - مثلما كان الحال أيام حكم الإخوان - قابل للتوجيه بالريموت كنترول أو مستعدًا لتقديم التنازلات فى مقابل دعم حكمه واستمرار بقائه على قمة هذا الحكم.


ومنذ اليوم الأول لتولى السيسى مسئولية رئاسة الجمهورية فى مصر، ورغم اضطرار بعض هذه الدول -بحكم البرجماتية السياسية التى تتبناها - للقبول به والتعامل معه ومع حكومته، إلا أنها لم تكف عن وضع العراقيل أمامه وإثارة العقبات فى طريقه وافتعال المشاكل له ولبلاده.. لقد كان ثمة أمل - أو بالأصح وهم - يراود هؤلاء وبعض من لم يرضهم تولى السيسى رئاسة مصر فى الداخل فى أن يكمل السيسى فترة رئاسته، أربع سنوات، وأن يتخلصوا منه بعد سنة على الأكثر.. ولكن صدمتهم كانت كبيرة حينما مرت الأيام دون أن يحدث ذلك رغم كل ما فعلوه وما أنفقوه من أموال فى هذا الصدد.. فلا الإرهاب الذى راهنوا عليه اتسع أو ازداد، بل على العكس كان يتلقى كل يوم الضربات الموجعة.. ولا الاعتراضات الشعبية التى خططوا لها من خلال عمليات ممنهجة لخنق الاقتصاد قد حدثت كما توقعوا وتحولت إلى انتفاضات شعبية.. ولا هو شخصيًا لأن أى تراجع أو توقف عن المضى فى طريق إعادة بناء الدولة المصرية لتكون دولة عصرية حديثة يحظى أهلها بالأمن والاستقرار السياسى وتحظى بالهيبة والمكانة إقليميا ودوليا.. بل إنه مازال يخوض ذلك التحدى الذى قرر خوضه منذ أن قرر المشاركة فى الانتخابات الرئاسية عام ٢٠١٤.


ولذلك مع مرور الوقت هكذا ومازال السيسى يعتلى رئاسة مصر بدأ هؤلاء الكارهون له فى الخارج والداخل يسعون لقطع الطريق عليه للترشح لفترة رئاسية ثانية عام ٢٠١٨، أى بعد أقل من سنتين من الآن.. وفى هذا الإطار يأتى ما كتبته مجلة الأيكونوميست ومطالبتها الصريحة الرئيس السيسى بعدم خوض هذه الانتخابات.


ومن يتوقف قليلا حول اقتران هذا المطلب السياسى للمجلة المتخصصة فى شئون الاقتصاد سوف يكتشف أنه تجاوز نطاق الطلب.. إنها تحرض الدول الغربية صراحة على ممارسة الضغوط على الرئيس السيسى ومصر كلها من أجل إجباره على ألا يترشح فى الانتخابات الرئاسية المصرية المقبلة، التى سوف تتم عام ٢٠١٨، ولذلك لم يكن مصادفة أن يكون الطلب الثانى الذى انتهت إليه المجلة فيما كتبته عن مصر وأحوالها الاقتصادية والسياسية موجه للدول الغربية والولايات المتحدة بالتوقف عن بيع الأسلحة لمصر، اختصت بدعوتها هذه دولتين أساسا، هما الولايات المتحدة التى تورد لمصر فى إطار برنامج المساعدات العسكرية الأمريكية طائرات اف ١٦، وفرنسا التى ترتبط بمصر باتفاق يقضى بتوريد طائرات رافال وحاملة طائرات ثانية لنا.


وهذا التحريص الذى تورطت فيه مجلة الأيكونوميست البريطانية - ولنضع عدة خطوط تحت البريطانية - للدول الغربية ضد مصر بالتوقف عن تزويدها بالسلاح يتضمن شيئًا خبيثًا أو بالأصح شديد الخبث.. إنه يحاول بغباء تأليب الجيش المصرى ذاته على قائده الأعلى عندما يصورون له فيما بعد أن السبب فى حرمانه من الأسلحة الحديثة هو شخصيًا، وهذا يتسق للأسف الشديد مع ما راهن عليه بعض الكارهين للرئيس السيسى فى الداخل والمتمثل فى أن يحدث ما يعكر صفو العلاقة بينه وبين القوات المسلحة التى خدم معظم عمره فى صفوفها وتولى قيادتها العامة فى فترة عصيبة من عمر الوطن، وظلوا يمنون أنفسهم بحدوثه دون جدوى.. فقد نسى هؤلاء أن السيسى لم يكن وحده هو الذى انحاز للشعب حماية لكيان الدولة الوطنية المصرية والحفاظ على هويتها فى ٣٠ يونيه والثالث من يوليو ٢٠١٣، وإنما كان قراره هو قرار جماعى ليس فقط لقيادة القوات المسلحة كلها وقتها، وإنما لكل مقاتليها، لأن هذه القوات تتبنى عقيدة قتالية تعلى أساسا مصلحة الوطن والشعب لأنها تعتبر نفسها ملكًا لهذا الشعب وليست أداة فى يد حاكم يستخدمها ضد الشعب، وهذا هو ما يفسر موقفها فى ٢٥ يناير ٢٠١١، وطوال الفترة التى تولى فيها المجلس الأعلى للقوات المسلحة إدارة شئون البلاد، والتى امتدت منذ أن تنحى مبارك عن الحكم وحتى انتخاب مرسى رئيسًا للجمهورية فى انتخابات لم يحسم أمر الشكوك التى اكتنفتها بعد.


ولذلك..


علينا أن نتوقع حتى حلول موعد الانتخابات الرئاسية المقبلة عام ٢٠١٨ أن نقرأ ونسمع ونشاهد الكثير مما كتبته مجلة الأيكونوميست.. فإن الحملة ضد عبدالفتاح السيسى سوف تزيد وتتصاعد أكثر وأكثر لإثنائه عن الترشح فى هذه الانتخابات الرئاسية المقبلة، أو بالأصح لمنعه عن المشاركة فيها.. بل علينا أن نتوقع اقتران الأقوال والكتابات بأفعال فى هذا الصدد من أجل تحقيق هذا الهدف، وهو منع السيسى من خوض الانتخابات الرئاسية المقبلة، حتى ولو كانت هذه الأفعال من قبيل الأفعال التى يعاقب عليها القانون الدولى.. فهؤلاء يستبيحون كل شىء من أجل تحقيق مايريدون، ولعلنا نتذكر أن المخابرات المركزية الأمريكية فى أول مهمة كبيرة لها بعد إنشائها تحالفت مع المافيا الإيطالية عام ١٩٤٨ لمنع وصول الحزب الشيوعى الإيطالى إلى الحكم الذى كان يقترب منه، ولدعـم نجاح الحزب الديمقراطى المسيحى فى الانتخابات البرلمانية الإيطالية.


الحرب ضد السيسى سوف تزيد أكثر وأكثر الأيام القادمة.. سواء فى الداخل أو الخارج.. فهم لا يطيقون بقاءه فى رئاسة مصر لأربع سنوات إضافية خشية أن يدفن فى التراب كل مخططاتهم التى تستهدف النيل من كيان دولتنا الوطنية وقوة جيشنا ويجهضها لفترة طويلة قادمة تكون فيها مصر قد وقفت على قدميها بقوة وأنهت الجزء الأكبر من طريق استعادة مكانتها بعد التخلص من أزماتها المزمنة والحادة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية أيضًا، وبدأت ملامح دولتها العصرية الحديثة المدنية الديمقراطية تتضح.