الإيكونوميست ودويتش فيللا.. البداية لا النهاية ماذا يريد الأمريكان من السيسى؟

10/08/2016 - 2:39:38

بقلم: أحمد أيوب

فى عام ١٩٤٢ كان أول اتصال بين المخابرات البريطانية وجماعة الإخوان، وبعدها بعامين تقريبًا بدأ التحالف يؤتى ثماره وتمول بريطانيا الجماعة مقابل تنفيذ ما يطلب منها، وتوطدت العلاقة بعد ثورة يوليو واستخدمت بريطانيا الجماعة لمواجهة ما اعتبرته بريطانيا فيروس أو وباء القومية العربية، ثم استخدمتهم فى إضعاف موقف عبد الناصر فى مفاوضات الجلاء.


خلال كل هذه السنوات كان الإخوان يعلنون الجهاد ضد الإنجليز ويشيعون أنهم لن يهدأوا حتى يرحلوا عن مصر، لكن الوثائق السرية البريطانية، التى ظهرت بعد ذلك وتضمنتها العديد من الكتب لصحفيين وكتاب بريطانيين كشفت أن كل هذه الشعارات وإعلان الجهاد لم تكن سوى لعبة إخوانية للتغطية على علاقاتهم السرية بالمخابرات البريطانية، وحتى عندما زادت هذه الشعارات التى تدعى الجهاد عن حدها وصفتها إحدى الوثائق البريطانية السرية بأنها غير متعمدة، وإنما هى ناتجة عن عدم انضباط غير مقصود داخل الإخوان.


عشرات بل مئات الوثائق، التى تناثرت بين الكتب الغربية المختلفة كشفت عن العلاقة الكاثوليكية بين الجماعة والمخابرات البريطانية، وأن الإخوان كانوا عملاء للمخابرات البريطانية منذ أول لحظة وينفذون ما يريده البريطانيون حرفيًا فى مصر، بل وعندما تقارب الإخوان مع إحدى الدول الخليجية بهدف ضرب المشروع الناصرى كانت المخابرات البريطانية هى التى تتولى توصيل التمويل من هذه الدولة لقيادات الجماعة.


ظل التواصل والعلاقة البريطانية مع الجماعة على مستوى عال سواء فى عصر عبد الناصر أو السادات، لكنها توطدت بشكل أكبر فى السنوات الأخيرة لعصر مبارك، وتحديدا بعد فوز الإخوان بـ ٨٨ مقعدا فى برلمان ٢٠٠٥، وكانت رؤية بريطانيا أن الجماعة ستكون مصدرا مهما لمدهم بالمعلومات من داخل المطبخ السياسى المصرى، كما أن حكم مبارك فى خطر والإخوان سيكونون اللاعب الرئيسى خلال الفترة الانتقالية، ويجب استغلالهم لصالح المخطط المستهدف لمصر.


من بريطانيا إلى أمريكا تبقى الجماعة هى العامل المشترك فى مصر، وقد يظن البعض أن العلاقة بين الأمريكان والجماعة بدأت فى نهاية تسعينيات القرن الماضى، لكن الحقيقة التى كشفت عنها بعض المؤلفات لباحثين أمريكان أنها بدأت قبل ذلك بعقود وتحديدا عندما كشف أيزنهاور عن رؤيته فى الوصول الشرق الأوسط، الذى يصب فى مصلحتهم، فقد كان الإخوان طرفا أصيلا فى المعادلة ورهان مهم لتحقيق الرؤية الأمريكية.


لكن هذا التقارب قوى وتأكد ووصل إلى ذروته فى بداية الألفية وربما يكشف هذا هذا المستوى من التقارب الأمريكى الإخوانى الحوار الذى جرى بين عمر سليمان، رئيس المخابرات المصرية الأسبق، وجورج تينت، رئيس المخابرات الأمريكية الأسبق عام ٢٠٠٤ ونشره الكاتب الصحفى مصطفى بكرى فى كتابه «الصندوق الأسود»..


الحوار بدأه تينت والذى كانت تربطه بسليمان علاقة جيدة، وكان يراه واحدا من أفضل رؤساء أجهزة المخابرات وأذكاهم على مستوى العالم، فقد طلب تينت من سليمان أن تبدأ القاهرة سريعا فى مراجعة سياستها وتغيير مواقفها فيما يخص القضية الفلسطينية والشرق الأوسط لأنها إذا لم تفعل ذلك فستعمل الإدارة الأمريكية على أضعافها، وقد يصل الأمر إلى إجبار مبارك على ترك السلطة


وعندما رد سليمان بأن البديل سيكون وقتها الإخوان.


كانت المفاجأة أن تينت أفصح عن أن الإخوان يتواصلون بالفعل معهم وأبدوا استعدادهم للتحالف.


الأهم أن تينت ربط هذا بالكشف عن المخطط الأمريكى، والذى يستهدف ثلاث دول بعد العراق هم سوريا ومصر والسعودية..


خلاصة كل هذا أن الأمريكان والبريطانيين طوال العقود الماضية وحتى الآن لا يستغنون عن الإخوان ويرون أنهم الطريق الأفضل والأسهل لتنفيذ مخططهم فى الشرق الأوسط، الذى يريدونه بعيدا عن الحكومات والأنظمة المختلفة خاصة الأنظمة الأكثر ميلا للمشروع القومى أو الوطنى، الذى يرفض التدخل الأجنبى ويتصدى للهيمنة الغربية، بينما الجماعة على استعداد للعب أى دور تكلف به حتى ولو تسليم الأراضى العربية شبرًا شبرًا فى مقابل أن يحقق الأمريكان هدفهم فى الوصول إلى الحكم.


ولهذا يصر الأمريكان والبريطانيين على عودة الإخوان إلى الصورة من جديد وإجبار النظام المصرى الحالى على القبول بهذه العودة، التى تخدم مصالحهم.


وعندما نكمل الجانب الآخر من الصورة وكيف يتم توجيه الإعلام الغربى من جانب المخابرات الأمريكية والبريطانية سنفهم بوضوح لماذا هذا الهجوم والحملة المستعرة، التى تشنها بعض وسائل الإعلام الغربية وتحديدًا البريطانية والأمريكية ضد مصر والرئيس عبد الفتاح السيسى بشكل خاص، نفهم الهدف من هذه الحملات القذرة والموجهة عندما نراجع ما ذكره أكثر من باحث وكاتب أمريكى وبريطانى عن العلاقات السرية بين وسائل الإعلام فى تلك الدولتين بأجهزة المخابرات، وكيف أن وسائل الإعلام سواء الصحفية أو التليفزيونية تنفذ أجندات محددة، وعندما نقرأ ما كتب عن التغلغل المخابراتى لعدد كبير من وكالات الأنباء والصحف والقنوات ودور النشر وكيف تعتبر أمريكا الإعلام والكتب أهم الأسلحة بعيدة المدى لتنفيذ مخططاتهم فى العالم، وكيف أنها خصصت مليارات الدولارات من أجل الإنفاق على وسائل إعلام وتوجيهها لصالح مخططاتها، بل وكيف وصل تدخلها واستغلالها لكل الوسائل من أجل إنجاح المؤامرات، التى تديرها حول العالم أنها مولت سرا ما يزيد على ١٦٠٠ كتاب صدرت فى العديد من الدول لتخدم أفكارها وتروج لما تريده واشنطن، ولم يتوقف الأمر عند إصدار الكتب، وإنما تمويل حملات نقدية تثنى على هذه الكتب للترويج لها.


فى ضوء كل هذا يمكن فهم ما جاء فى مجلة الإيكونوميست البريطانية هذا الأسبوع من هجوم عنيف ضد الرئيس السيسى والإدارة المصرية الحالية والادعاء بأنه يقود البلاد إلى كارثة وتحريض العالم كله ضد السيسى، فالواضح مما جاء بالأيكونوميست أنه ليس منفصلا عن مخطط التغيير، الذى تريده أمريكا وبريطانيا على هواهما ووفق رغبتهما، فالدولتان لا تتنازلان عن المخطط ولا تقبلان الاعتراف بأن هناك ثورة شعب تصدت لهذا المخطط، بل تريدان عقاب هذا الشعب على ما قام به، وعقاب الشخصية الكاريزمية، التى تقدمت الصفوف الجماهيرية التى خرجت لتفسد المخطط الأمريكى وإزاحة الإخوان عن الحكم


فالمقال يضع السيسى دون غيره كهدف للتخلص منه، ويعتبر مصر هى الجائزة الكبرى، ويمارس كل أساليب التأليب على الرئيس السيسى بدعوى أنه سبب فى أن مصر أصبحت أكثر بؤسا وتعاسة مما كانت عليه أيام مبارك.


لعبة مكشوفة وأسلوب حقير مفضوح من أجل الانتقام من السيسى وإزاحته عن الرئاسة وإدخال مصر فى الفوضى، التى تقضى عليها وتحولها إلى نموذج جديد من سوريا أو العراق أو ليبيا.


المقال بخبث وقذارة يستخدم لغة التشويه وتصوير مصر على أنها مقدمة على الانهيار لا محالة، لتخويف أى مستثمر من الاستثمار فى مصر، وترهيب أى سائح من مجرد التفكير فى زيارة القاهرة أو أى مدينة مصرية.


حتى عندما تعرض للإرهاب، الذى يحاربه رجال الجيش فى سيناء لم يستخدم كلمة إرهاب، وإنما استخدم المصطلح الذى تقاتل الإدارة الأمريكية منذ عامين على تمريره إعلاميًا وأمميا كوصف لما يحدث فى سيناء، من أجل خلق حقوق للإرهابيين الذين تدربهم وتمولهم وتدفع بهم هى توابعها من دول المنطقة لإشعال الوضع فى سيناء، فواشنطن تصر على وصف ما يحدث من إرهاب فى سيناء بأنه تمرد مسلح، حتى تعطيه وضعا سياسيا، وتكون الخطوة القادمة اتهام الجيش المصرى بأنه يقتل متمردين أو معارضين، لعبة لا يمارسها إلا دولة حقيرة، ترعى الإرهاب وتمارس جرائم القتل للشعوب دون أن يحاسبها أحد، تصر على هذا المصطلح المشبوه على خلاف الواقع والحقيقة، والأيكونوميست تستخدم نفس الوصف، تنفيذا للمخطط الأمريكى ضد مصر وجيشها الذى تستهدف التخلص منه.


المقال يطالب الغرب بالتوقف عن بيع السلاح لمصر وهو نفس الهدف، الذى سعت واشنطن لتحقيقه من أجل الضغط للقبول بعودة الإخوان، لكن نجحت مصر فى التمرد عليه من خلال فتح أبواب علاقات جديدة مع دول مختلفة لكسر الحصار الأمريكى المفروض عليها فى السلاح مثل روسيا وفرنسا وألمانيا، وتعيد الأيكونوميست طرح فكرة الحصار التسليحى مرة أخرى وتغلفها بمنطق مكذوب وهو أن مصر تحت قيادة السيسى أصبحت خطرا وديكتاتورية ولا يجب أن تدعمها الدول الغربية بالسلاح، بل لابد أن تتوقف تماما عن بيع أى أسلحة لها.


المقال يذهب فى نهايته إلى خلاصة واحدة وهى ضرورة إعادة مصر مرة أخرى إلى حضن الإخوان رغما عن أنف الشعب، والحجة أنه لا بديل عن دعم التوجهات الإسلامية المعتدلة، التى تتحدى التطرف، وهم يعتبرون الإخوان جماعة معتدلة، فلا يرون إرهابها ولا يقرون بأنها الوعاء، الذى خرجت منه كل الجماعات المتطرفة والأفكار المتشددة حول العالم.


القصة هى بداية جديدة لخطة عودة الإخوان باعتبارهم الوريث الذى يريده الأمريكان والغرب للأنظمة العربية من أجل تنفيذ خطة التقسيم والتفتيت للمنطقة والوطن البديل للفلسطينيين.


هذه الخطة تتسارع الآن مع بداية العام الثالث للرئيس السيسى، وسوف تشتد أكثر وأكثر خلال الفترة القادمة، فالقنوات الموجه ضد مصر تتزايد وتخرج إلى النور واحدة تلو الأخرى وأحدثها «دويتش فيللا» والتى خصصت لها ٢٥٠ مليون دولار من أجل استهداف مصر ليس إلا، وبعدها ستتواصل القنوات والصحف، وتتوالى المقالات والدراسات والشخصيات، التى ستخرج وتتصدر المشهد لمهاجمة مصر ورئيسها وإدارتها وتصوير الوضع على أنه خراب


وهنا لابد من مراجعة التزامن الواضح فى هذه الهجمة بين ما فعلته الأيكونوميست وظهور «دويتش فيللا»، وما يحدث من بعض الصحف الأمريكية، وتصريحات عصام حجى، وخروج حمدين صباحى مرة أخرى وسفريات أبو الفتوح الأخيرة.


وفى الوقت نفسه اشتداد الحصار الاقتصادى القاسى على مصر من خلال الرفع المتكرر لأسعار الدولار وبمعاونة بعض أصحاب المصالح من المضارين من رئاسة السيسى وبعض المنتفعين من رجال الفساد، واغلاق مصادر الاستثمار، وتضييق الخناق على السياحة المصرية، ومحاولات التنظيمات والمجموعات الإرهابية استعادة نشاطها سواء فى سيناء أو داخل المدن، وعودة مخطط الاغتيالات وإشعال الفتن الطائفية من جديد.


كل هذا سلسلة من خطوات لبداية سيناريو الفوضى الذى تنفذه أمريكا وهدفه الواضح الترويج لفكرة فشل السيسى، وبالتالى تنهار شعبيتة ويصبح مجبرا على عدم اكمال مدته أو على الأقل عدم التفكير فى الترشح مرة أخرى أو منعه بكل الطرق من الترشح.


وتتصور واشنطن أن هذا سيجعلها تعيد امتلاك زمام الأمور مرة أخرى، وتستطيع أن تفرض السيناريو، الذى تريده وطرح البديل الذى تراه قابلا للتعاطى مع أهدافها وعودة الإخوان بما يحمله هذا من تنفيذ الأجندة كاملة.


اللعبة كما هى واضحة صناعة أمريكية وتنفذ بدقة، لكن الرد عليها والتصدى لها لن يكون من خلال السيسى وحده، وإنما من خلال الشعب المصرى نفسه، فالسيسى لابد أن تسنده إرادة شعبية قوية، لابد أن يلتف الشعب حول الرئيس الذى اختاره ووثق فيه، لابد أن يدعموه فى مواجهة المخطط، الذى يستهدف مصر كلها.


الأمر ليس كما يحاول البعض ترويجه على أنه مجرد رؤى إعلامية عادية، وإنما الحقيقة أننا أمام مؤامرة متكاملة الأركان تستهدف هدم ما حققه المصريون وإعادة الكرة من جديد لصالح الجماعة، التى لفظها الشعب، الوقت لا يحتاج لخصام ولا يتطلب الانشغال فى معارك داخلية أو البحث عن مصالح خاصة، وإنما الوطنية تتطلب التلاحم والمساندة للبلد فى مواجهة هذا الخطر.


وليتأكد الجميع أن الحكم، الذى يحاول الأمريكان وإعلامهم المدفوع والموجه تصويره لنا على أنها كارثى هو الذى أعاد الأمن مرة أخرى، وهو الذى أعاد مصر لمكانتها الدولية رغم أنف الأمريكان ومخططاتهم القذرة، وهو الذى رفض الوصايا الأمريكية وتصدى لها بكل قوة ووطنية.


الحكم الذى يريد الأمريكان أن ننقلب عليه هو الذى يسعى بكل ما يملك من أجل إنقاذ مصر من الفوضى التى يسعى الأمريكان لإغراقها فى وحلها.


الكارثة الحقيقية ليست السيسى وحكمه، فكل الشواهد تؤكد أنه رئيس أنقذ مصر وإنما الكارثة أن نستجيب للأمريكان وننخدع بشعاراتهم وننجرف وراء دعواتهم المسمومة.


يقينا لن يحكمنا مندوب أمريكى ولن يحدد لنا مستقبلنا البيت الأبيض ولن يفرض علينا رئيسا ولن يجبرنا على القبول بعودة من قتلوا المصريين وحرقوا البلد من أجل مطامعهم.