الإيكونوميست ومصر.. تناقضات مغرضة وجهل مطبق

10/08/2016 - 2:37:29

بقلم: د. حسن أبوطالب

كثير مما يكتب فى الغرب عن مصر، وأعنى بلدان أوربا والولايات المتحدة على وجه الخصوص، فى اللحظة التاريخية الراهنة يؤكد أن هناك أمورا ودوافع أكبر كثيرا من الاعتبارات المهنية، التى يزعم الغرب أنه ملتزم بها، وأنه فى سبيل تدريب إعلاميينا وصحفيينا عليها. وما بين المهنية التى تعنى الحياد قدر الإمكان ونشر المعلومة دون تلوين وإعطاء الرأى والرأى الآخر حقه فى الظهور، وبين إبداء الرأى غير المهنى والإيحاء بأمور لا علاقة لها فى الواقع ونشر المتناقضات باعتبارها حقائق، وتوجيه النصائح دون دراية وتعمق وبعيدا عن الحقائق الملموسة، توجد مسافة هائلة جدا، ولكنها مسافة نحو الانحدار والتراجع.


للأسف الشديد فإن بعضا من المجلات التى عرفت فى السابق بمهنيتها الفائقة انزلقت إلى هذه الهاوية، والأكثر أٍنها تفعل ذلك عن قصد وترصد وبما يكشف سوء نية.المثل البارز أخيرا هو ما نشرته الإيكونوميست، وهى المجلة الاقتصادية المشهود لها برقى التحليل ودقة المعلومات، ولكنها فى حالة مصر، لم نجد تحليلا راقيا ولا معلومات دقيقة، ولا رؤية متكاملة يمكن أن تفيد، وكل ما وجدناه لا يزيد عن آراء فى المطلق وعلى العموم ويقال مثلها وأكثر منها فى مواقع التواصل الاجتماعى.


وإذا كنا نرى المنشور فى هذه المواقع مجرد تعبير عن غضب أو وجهة نظر لتفريغ شحنة انفعالية، ولا يعكس خبرة تحليلية فى قراءة المؤشرات الاقتصادية، التى هى بطبيعتها معقدة وتتطلب متخصصين، فإن تكرار الأمر نفسه فى مجلة اقتصادية يفترض ان تكون رصينة، دليل على انهيار المهنية بامتياز.


نشرت الإيكونوميست افتتاحيتها الأخيرة عن مصر حاملة عنوانا موحيا بأن مصر فى انهيار.


وفى المتن إشارات عن الصعوبات التى تواجه قطاع الشباب نظرا لعدم وجود فرص عمل، ولم يعد أمامه سوى الجلوس على المقهى او الهجرة او الانغماس فى حركات إرهابية، وزادت بأن الوضع فى مصر يزداد سوءا، وأن المساعدات المالية التى جاءت من الخليج ذهبت بدون فائدة، وانفقت على مشروعات كبرى لم تحقق أى عائد، وأن الأشقاء فى الخليج باتوا غاضبين، يريدون أن يروا فى مصر إصلاحا ولا يجدوه. وكذلك المستثمرون يريدون تغييرا فى أساليب البيروقراطية ولكن لا يوجد أى تغيير.


وبعيدا عن الصياغة غير المهنية فى استعراض هذه المشكلات، نقول ببساطة إننا فى مصر نعرف عن هذه المشكلات الكثير والكثير، ونقدم الآراء والأفكار ونعرض السياسات، وكذلك تفعل الحكومة ويفعل الرئيس، كما تبدأ الخطوات لحل الكثير من هذه المشكلات، والتى تتطلب جهدا كبيرا، والمؤكد أن نتائج الحلول التى اتخذتها مصر فى ظل قيادة السيسى وفى أقل من عامين تحتاج بعض الوقت، ومع ذلك فهناك مشكلات تم التصدى لها بعناية وإقتدار وأصبحت حقيقة واضحة وضوح الشمس. فواحدة من مشكلات المستثمرين الكبار التى يعرفها الجميع كانت فى اهتراء البنية الأساسية من طرق وكهرباء وموانئ للتصدير، وهى القضايا التى تم البدء بها بالفعل، وانتهت ولم تعد هناك مشكلة كهرباء أو طرق حديثة ومحاور للنقل، ولم تعد تشكل عقبة أمام من يريد الاستثمار إن كان جادا وباحثا عن الفائدة المشتركة بينه كرأسمال مال خاص وبين مصر التى توفر له مثل هذه الفرصة. ناهيك عن تغييرات فى بعض القوانين المنظمة للاستثمار شملت العديد من التيسيرات التى طالب بها كثيرون من قبل، ولم تكن تجد أذانا صاغية. وهناك بحث معمق فى قانون موحد للاستثمار سوف يطرح قريبا على مجلس النواب، وسيرى النور رغما عن أنف الراغبين فى خراب مصر.


السيسى هو الأزمة


لم يكن استعراض الإيكونوميست لمشكلات الاقتصاد المصرى استعراضا موضوعيا، ولكنه جاء فى صورة إيحاء بأن لا فائدة طالما أن هناك رئيسا اسمه السيسى يقود البلاد، وهنا تظهر الحقيقة الكبرى والهدف الاساسى فى هذا التحليل غير المهنى، وهو بسيط للغاية إنهم فى بعض الغرب لا يريدون النجاح لهذا الرئيس، ويرونه عقبة أمام مشروعاتهم الكبرى لتغيير المنطقة. ولذا فلا يرضون عن أى خطوة يقدم عليها، ويرون أن عليه الرحيل، وكأنهم هم أصحاب القرار فى من يحكم مصر، وليس الشعب المصرى. وتلك بدورها رؤية استعمارية استعلائية لا حدود لها. فما يقوم به الرجل لحماية بلده من حيث تحديث الجيش والتسليح والتدريب المشترك مع جيوش دولية ومواجهة إرهاب يروج له الغرب ويعمل على تسخينه بين الحين والآخر رغم كل الشعارات الجوفاء التى يطلقها ضد الإرهاب والإرهابيين، فهو لا يعجب محرر المجلة البريطانية التى كانت رصينة يوما ما، إذ يريد لمصر أن تكون فى ذيل الدول والقوى فى الإقليم حتى تكون دائما فى حاجة إلى حماية من هذا أو ذاك. تلك أمنيتهم التى يرونها تموت إلى الأبد، والسبب هو السيسى.


ومن المتناقضات التى جاءت فى الافتتاحية ذات الغرض والهوى السياسى المفضوح، انها ترى مجمل البلاد فى حالة عدم كفاءة وتدعو إلى إصلاحات فى البيروقراطية المصرية، وهو أمر لا خلاف عليه، ولكنها فى الآن نفسه لا ترى ما يبذل فى هذا الشأن. ويبدو أن المحرر كاتب الافتتاحية لم يسمع يوما عن الحوار المجتمعى والبرلمانى الساخن حول قانون الخدمة المدنية والذى يتضمن أولى خطوات إصلاح الجهاز الإدارى المصرى، والمؤكد أنه لم يسمع قط عن رؤية مصر لنفسها ولمحيطها حتى ٢٠٣٠، والتى تمثل برنامج إصلاحى متكامل وشامل، مما يؤكد جهله الصارخ، وهو أمر يفضح المستوى الهابط الذى وصل إليه كاتب الافتتاحية لمجلة ـ مرة أخرى ـ كانت رصينة يوما ما.


تدعو الافتتاحية البنك الدولى والدول التى تريد أن تقف مع مصر فى برنامجها الإصلاحى أن تمارس ضغوطا شتى، وبدلا من أن يستعرض ماذا تريد مصر وماذا تقول للبنك الدولى وما تنوى أن تفعل بالقرض أو بغيره، إذا به يدعو إلى فرض تغييرات كبرى فى السياسة الاقتصادية المصرية وبسرعة دون أى اعتبار للاعتبارات المجتمعية، التى تحرص عليها مؤسسات الدولة المصرية منعا لتعرض الفئات الفقيرة والمحدودة الدخل لمزيد من الضغوط غير المرغوبة. والمؤكد أنه لم يسمع بتوجيهات الرئيس السيسى للحكومة وهى تفاوض البنك الدولى بمراعاة محدودى الدخل وعدم تعريضهم لضغوط إضافية، بل اتخاذ ما يمكن اتخاذه لتوسيع مظلة الحماية المجتمعية لهؤلاء.


والمثير فى تناقض فى تحليل الإيكونوميست، أنه يبدأ بالقول بأن الشباب الغاضب سيؤدى إلى ثورة مقبلة، ولكنه ينتهى إلى أن نظام الرئيس السيسى يحرص على عدم انفلات الأسعار وتوفير السلع وتوفير الدولار قدر الإمكان حسب قوله، إلا أن المحرر لا يرى فى منع ثورة متخيلة سوى أن هناك ممارسة قمعية أكبر من ذلك الذى مارسه مبارك، وهو أمر فى غاية الغرابة. والأغرب أن المحرر ينتهى إلى مقولة أن السيسى سيبقى وما على الغرب إلا التعامل معه، ولكن كأمر واقع، ثم يعطى توجيهات للبنك الدولى لكى يفرض على مصر تغييرات ترضى البنك والغرب فى المقام الأول، وهو يعلم أن بعض مطالب البنك المعتادة هى التى تقود إلى غضب الشعوب لأنها ببساطة تفتقر إلى البعد المجتمعى، وتنظر فقط كأى رأسمالى إلى الربح وحسب، وهو ما ترفضه مصر جملة تفصيلا، والمؤكد أن هذا المحرر لم يسمع قط المثل الشائع أن أهل مكة أدرى بشعابها.


ومما يعترض عليه المحرر ويكشف بعضا من جهله، أن مصر شقت قناة ثانية لخدمة الملاحة والتجارة الدولية، وبينما شارك كل مصرى فى هذا الإنجاز التاريخى، فهو لا يعنى شيئا له، ولا يرى أى قيمة أو معنى فى زيادة دخل القناة بنسبة ٤٪ فى الأشهر الثمانية الماضية رغم التراجع الكبير فى التجارة الدولية، ولا ذنب لمصر فى ذلك.


نعم هناك مشكلات اقتصادية عويصة، ولكننا قادرون على حلها. ونفعل الكثير للخروج من عنق الزجاجة ولن يثنينا شىء.


نعم نقوم بتسليح جيشنا وتحديثه ولن نرضى بأقل من ذلك لا الآن ولا فى الغد..


نعم اختار الشعب السيسى من قبل وسيختاره مرة ثانية إن قرر الترشح للرئاسة مرة ثانية فى العام ٢٠١٨.


نعم هناك من يفكر فى الضغط على مصر فى حاضرها وفى مستقبلها، وهو ما ندركه جيدا ولن يعترض طريقنا للتطور والتحديث والديمقراطية.


نعم لدينا شباب يبحث عن فرصة عمل، وفرصة تعليم حديث، وفرصة لخدمة بلده، وكل مؤسسات الدولة تؤمن بهذا وتعمل على تحقيقه.


نعم مطلوب إصلاح، ولدينا رؤية شاملة له. وبدأنا خطوات مهمة فى هذا الطريق الصعب.


نعم مصر، كدول عديدة تواجه تحديات اكبر منها، ولكننا لن نسقط ولن نرهن أنفسنا للغرب يتلاعب بنا كما تلاعب بنظم عربية عديدة وأطاح بها إلى الهاوية.


نعم هناك إعلام غربى كان محايدا ذات يوم، ولكنه بات فاقدا للرصانة والمهنية، ولا عزاء للجهلاء.


نعم لدينا شعى يعانى من صعوبات الحياة اليومية، ولكنه شعب وطنى يؤمن ببلده ولن يتخلى عنها أبدا.