فى مقال للراحل الكبير «أحمد زويل» موجه إلى الأمريكان: ادعموا السيسى.. ادعموا «حالة الأمل»

10/08/2016 - 2:35:46

  الراحل زويل فى آخر أيامه الراحل زويل فى آخر أيامه

البعض من أعضاء «الكونجرس»، انتقد الرئيس «عبدالفتاح السيسى» مؤخرًا.. ونادوا بقطع المعونات العسكرية الأمريكية عن مصر، كطريقة لعقاب السيسى وحكومته فى القاهرة.


والحقيقة أننى بعد أن التقيت «السيسى» مؤخرًا وتحدثت مع عدد من المواطنين المصريين، عرفت لماذا تؤيده غالبية الشعب.. وآمنت تمامًا بأن قطع المعونة الأجنبية - الأمريكية أو غيرها - عن مصر، سوف يضعف العلاقات المصرية الأمريكية، وسيكون لها آثارها بالغة الضرر على الشرق الأوسط.


التاريخ يصور لنا هذا الخطر.. فى العام ١٩٥٥، وفى أعقاب ثورة ١٩٥٢، وافقت الولايات المتحدة الأمريكية على تمويل بناء السد العالى فى أسوان، بما يترتب على ذلك من طاقة كهرومائية تعتبر شديدة الأهمية والحيوية لتصنيع مصر.. ثم، وبعد شهور قليلة.. أصبح وزير الخارجية الأمريكية «جون فوستر دالاس» يعتقد أن جمال عبدالناصر ليس أهلًا للثقة، وسحب دالاس عرض التمويل الأمريكى للسد العالى، والنتيجة: انتقلت السياسة المصرية من الغرب إلى الشرق، وحل الاتحاد السوفييتى محلها ليسد الفراغ.


وظل الوضع كذلك حتى عام ١٩٧٣، حين غير الرئيس السادات هذا الاتجاه.. ولمدة ٤٠ عامًا تالية، أصبحت العلاقات المصرية - الأمريكية عظيمة الأهمية، ولنفس المدة تقريبًا انعقد السلام المصرى الإسرائيلى.


اليوم.. تحتاج الولايات المتحدة إلى شراكة مع مصر أكثر من أى وقت مضى، فبالإضافة إلى علاقات السلام بين مصر وإسرائيل والتى تعنى بها الولايات المتحدة فى سياساتها فى الشرق الأوسط، تحتاج الولايات المتحدة إلى قدرات مصر فى الحرب ضد الإرهاب.. فى الشهر الماضى مباشرة، تعرضت أجزاء من شمال سيناء إلى ضربة إرهابية، راح ضحيتها أكثر من ٣٠ شهيدًا من القوات المسلحة، فضلًا عن عدد مماثل من الجرحى من بين المدنيين.


إن الشراكة بين الولايات المتحدة ومصر تهم كلًا من الطرفين.. ولا يمكن إرجاء هذا الأمر.. ولابد أن تستوعب أمريكا أنها لم تعد المدد الوحيد للمعونات التى تتسلمها مصر، اليوم.. دفعت بعض دول الخليج العربى عشرة أمثال ما تدفعه أمريكا من معونات.


والحقيقة أنه عندما تم انتخاب «محمد مرسى» كرئيس لمصر فى ٢٠١٢، فإن هناك الكثيرين فى مصر.. بمن فيهم أنا شخصيًا، كانوا يمتلئون بالأمل لأن يصبح رئيسًا ديمقراطيًا لكل المصريين، لكن بكل أسف سرعان ما تمخضت فترته عن حالة انغلاق للدولة على الإخوان المسلمين وحدهم، وتحت رئاسته انقادت مصر إلى حافة «الحرب الأهلية».. ونزل الملايين إلى الشوارع فى ٣٠ يونيه ليطلبوا التغيير والمزيد من الإصلاحات الديمقراطية المدنية فى مصر.


بينما بعد وقت قصير من انتخابه، تحول السيسى فورًا إلى مشكلة الغاز الطبيعى، والخبز، والسلع الأساسية.. وكان هذا أمرًا مهمًا وضمانة لاستقرار الحالة الاقتصادية.. وكان هذا أمرًا مستحيلًا لما يقرب من نصف قرن من الزمان، خلال عصور الرؤساء السادات وحسنى مبارك ومرسى.. السيسى أقنع المصريين بأنه يستطيع اتخاذ إجراءات حقيقية لحل هذه المشاكل الملحة.


وفى مشهد آخر دعا السيسى المصريين إلى اكتتاب لمشروع قومى - قناة السويس الجديدة - وهى قناة مائية توازى تلك المحفورة فى العام ١٨٦٩، ودعا السيسى المصريين إلى استثمار مدخراتهم فيها.. وفى ثمانية أيام، تجمع لدى البنك المركزى المصرى مايقرب من ٨ مليارات دولار أمريكى، من خلال شراء شهادات استثمار.. ولقد زرت أحد هذه البنوك بنفسى خلال الأيام الثمانية، ورأيت كيف اضطر إلى أن يفتح أبوابه حتى وقت متأخر ليستوعب هذا الحجم غير المتوقع من تمويلات المصريين.


وإنه أمر حقيقى أن مصر حصلت على المزيد من الديمقراطية بعد ثورة ٢٠١١، لكن هذه الديمقراطية تواجه بعض العقبات، لا سيما فيما يتعلق بجمعيات المجتمع المدنى وبعض المحتجزين على ذمة قضايا سياسية، فضلًا عن محاولات الإخوان للعودة إلى الحياة السياسية فى مصر.


هذه القضايا يمكن التفاهم حولها وأن يدور حولها حوار مصرى أمريكى بمنطق (الشراكة).. ويجب ألا تتردد أمريكا فى استخدام «قوتها الناعمة» فى هذه العلاقة، لا سيما فى الجوانب الاقتصادية والمتصلة بالأسواق، وتقديم دعم لإيجاد المزيد من المؤسسات التعليمية والحقوقية فى مصر.. لأن «الربيع العربى» أثبت أن سقوط حكام أمثال (مبارك) لا يعنى مباشرة صعود الديمقراطية.. هذا يحتاج إلى وقت وتشجيع.


إن مصر تواجه مشاكل راهنة.. فإلى جانب القضايا الداخلية، التى تتضمن اقتصادًا مليئًا بالمشاكل، وبطالة مرتفعة، فإن لديها مشاكل أمنية تحديدًا فى الشرق، حيث داعش فى سيناء، وفى الغرب حيث ليبيا، وفى الجنوب لدى اليمن.. وبرغم كل هذه القضايا الصعبة يجد السيسى نفسه مدعومًا بأغلبية المصريين الذين يساندونه، ويتخذ خطوات جادة لإنقاذ الاقتصاد المتداعى، ويمنح الأمل للبلاد بعدد من المشروعات القومية الكبرى، تتضمن مدينة العلوم والتكنولوجيا، والتى قمت بتأسيسها قبل عدة سنوات، ولقد حقق السيسى فى أيامه المائة الأولى نقلات اقتصادية ودبلوماسية، كما كان يأمل المصريون.


إن الولايات المتحدة تحتاج إلى أن تغذى هذا الأمل، وقطع المعونات عن مصر لن يحقق هذا على الإطلاق.


نشر هذا المقال فى صحيفة «لوس أنجلوس تايمز»


بتاريخ ٣ نوفمبر ٢٠١٤