من وحى احتفالات مصر بقناة السويس رد الاعتبار للدولة الوطنية

10/08/2016 - 2:31:35

د. صفوت حاتم

 


دمعت عينى مرتين وأنا أتابع احتفالات مصر بالذكرى الستين لتأميم قناة السويس، والذكرى الأولى لافتتاح تفريعة القناة الجديدة.


المرة الأولى كانت والرئيس عبد الفتاح السيسى يتابع داخل المصنع العملاق المخصص لصنع الحلقات الخراسانية المخصصة لبناء الأنفاق تحت قناة السويس، والرئيس يتابع شرح أحد العسكريين لخطوات العمل فى المصنع.


فبانتهاء هذه الأنفاق، تنتهى عزلة سيناء التاريخية عن الوادى..


ومشروع «الأنفاق» هو مشروع إستراتيجى جبار بكل المعايير.


ولو أخذنا بالمعايير العسكرية والمدنية.. فإن ذلك يعنى سهولة المرور عبر الحاجز المائى (قناة السويس) فى دقائق معدودة دون أى عوائق طبيعية.. وبأى حجم من البضائع والمركبات.. تلك واحدة.


والثانية: هى أن هندسة حفر وبناء وتأمين الأنفاق..هى تكنولوجيا فائقة التعقيد هندسيا وإنشائيا..وقد لمست ذلك حينما كنت بفرنسا للدراسة.. وكيف كانت الصحف الفرنسية والعالمية تتحدث عن معوقات وصعوبات حفر وإنشاء نفق «المانش» الذى ربط بين فرنسا وبريطانيا.. وقضى على العزلة التاريخية للجزر البريطانية عن القارة الأوروبية.


ولاشك لدى أن خبرات مهندسينا وعمالنا بعد انتهاء هذا الإنجاز.. ستكون مختلفة اختلافا جذريا عما كان قبله.


فعدد الأنفاق وحجمها وتنوع أهدافها من نقل خفيف وسكك حديدية.. والتعاون مع بيوت الخبرة العالمية.. خصوصا الألمانية.. سيضيف خبرات متميزة لنا فى منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.


ودمعت عينى للمرة الثانية عندما تابعت عبور حاملة الطائرات «جمال عبد الناصر» أمام الضيوف.. وتأدية ضباطها وجنودها التحية العسكرية للقائد الأعلى للقوات المسلحة والضيوف.


لا شك أن الدولة المصرية.. ممثلة فى رئيسها.. والقوات المسلحة.. ممثلة فى قيادتها .. قاموا بلفتة مقدرة مصريا وعربيا حينما أطلقوا اسم الزعيم خالد الذكر «جمال عبد الناصر» على أول حاملة طائرات تمتلكها مصر..


وهكذا تحولت مصر لقوة بحرية إقليمية لها كيانها فى محيطها.


وعندما كانت صورة الزعيم الراحل تضيء على شاشات العرض.. ثم تكريم نجله المهندس «عبد الحكيم جمال عبد الناصر».. تأكد لى المعنى الوطنى الكبير لتأميم قناة السويس.. واستعادة المصريين لقناتهم.


وتأكد لى أن التاريخ ينصف الوطنيين والأحرار.. مهما طال الزمن.. أو اشتدت حملات الكذب والتضليل.


وطاف بذهنى اسم ذلك المؤرخ الشهير (رحمه الله) الذى لمع فى سنين «مبارك» الأخيرة من خلال الهجوم على ثورة يوليو ١٩٥٢.. مكرسا كل جهوده فى تشويه إنجازات جمال عبد الناصر بالذات.. وأولها «تأميم قناة السويس» عام ١٩٥٦.


عودة الدولة الوطنية


الواضح لنا - خلال السنتين الأخيرتين- أن الدولة الوطنية المصرية قد بدأت تستعيد زمام المبادرة فى التنمية القومية.. بعد أن كانت قد استقالت تماما عن دورها منذ الإعلان عن سياسة الانفتاح الرأسمالى عام ١٩٧٤.


وخلال ما يزيد على أربعين عاما..فشلت الرأسمالية المصرية.. مرة أخرى.. فى قيادة التنمية.. وانحصر دورها فى شركات الاستيراد والتصدير وتوكيلات الشركات العالمية والصناعات التجميعية والصناعات الاستهلاكية الخفيفة.


ولم تنجح الرأسمالية المصرية «المنفلتة» من كل قيود قانونية أو أخلاقية..فى سحب العمالة المتزايدة فى سوق العمل من الشباب.


واﻷدهى أنها مارست كل الألاعيب والحيل غير المشروعة للتحكم فى العمالة من خلال التشغيل بدون عقود أو الاستغناء عن العمال.. وقت اللزوم.. بإجبارهم على توقيع استقالات جاهزة قبل بدء العمل !


ناهيك عما ارتكبته الرأسمالية المصرية من فوضى الاقتراض بالمليارات من البنوك المصرية والهرب بها للخارج.. أو استغلال أراضى الدولة و»تسقيعها» للمضاربة بها فى الأسواق العقارية والحصول على مليارات الجنيهات دون جهد.. ودون وجه حق.


حقبة كاملة من «الإنفلات الرأسمالى» بسبب غياب الدولة الوطنية واستقالتها من وظيفتها فى حماية الوطن والمواطنين.


وما أراه -الآن- من مشروعات قومية كبرى.. بقيادة القوات المسلحة المصرية.. وتعاون شركات البناء والتعمير والمقاولات العامة والخاصة..هو الخطوة الأولى فى رد الاعتبار للدولة الوطنية المصرية.


ولعل النجاح الكبير الذى أحرزته الصين وروسيا فى عمل نهضة صناعية كبرى..خلال سنوات قليلة « نسبيا « يعود فضله لقرار القيادة السياسية فى البلدين اعتماد طريق التنمية الشاملة بقيادة مؤسسات الدولة الوطنية.. ومشاركة الدولة الوطنية فى معظم النشاط الاقتصادى للقطاع الرأسمالى الخاص..المحلى والأجنبي.


وهنا لى كلمة أخيرة: لقد تعثرت كثير من صناعاتنا المحلية فى السنوات الأخيرة.. وأهمها مصانع الغزل والنسيج فى المحلة الكبرى وكفر الدوار.. ومصنع السيارات فى حلوان.. والحديد والصلب..


وأظن أنه آن الأوان لكى يطلق الرئيس «عبد الفتاح السيسى» نداء لكل المصريين للمشاركة فى دعم الصناعة الوطنية.. وطرح الأسهم على الشعب المصرى للمشاركة فى دعم هذه الصناعات وتجديدها..بدلا من توقفها.. أو طرحها للبيع للأجانب.


وأنا متأكد أن الشعب المصرى.. لن يخذل القيادة..وسيسارع كل مصرى بشراء أسهم فى تلك الشركات.. ولو ببضعة جنيهات قليلة.


مبروك للمصريين مشروع قناة السويس.


وفى النهاية: الدولة الوطنية... أو الضياع!!!