الفرنسي هيبوليت أرنو (مصور الشركة العظمى)

10/08/2016 - 2:21:45

كتبت: شذى يحيي

عندما ضرب فرديناند ديليسبس مجرفه في رمال صحراء السويس الذهبية أثناء الاحتفال الرمزي ببدء الحفر في القنال، كان كل ما يفكر فيه أن يتلو مقطعا من الإنجيل لإهدائه للأرض التي جاء منها الإنجيل نفسه، ولكن المقطع الذي ذكره كان مقطعا من قصيدة للشاعر ميلتون يقول فيها :


«البحر غير المحصور .. بلا حدود .. بلا أبعاد


حيث يفقد الطول والعرض والارتفاع والزمان والمكان».


ووصف ديليسبس هذه اللحظة بأنها ستكون دائماً عالقة في الذاكرة، ثم تلا بعد ذلك صلاة قال فيها: «لعل الرب يبارك بناء هذه القناة العظيمة، ويرى اكتمال بنائها من أجل خير العالم وباعتبارها وسيلة للسلام» ، كلتا الجملتين لخصتا أهداف ديليسبس وشركته من شق القناة من تقريب المسافات وسرعة الحركة وإلغاء البعاد وتقصير الأمكنة من أجل خير العالم، شعار رفعته الاستشراقية الرومانسية الفرنسية في منتصف القرن التاسع عشر، واستخدمت كل الوسائل للتعبير عنه، من كتابات أدبية لمنجزات علمية لمخترعات حديثة، ومن ضمن هذا كانت الصور الفوتوغرافية التي سوف تقنع العالم بأن المشروع الفرنسي الطابع والتنفيذ هو مشروع للحضارة والحداثة والسلام، أحد من آمنوا بهذا وسعوا لإثباته المصور الفوتوغرافي الفرنسي هيبوليت أرنو، والذي لا يعرف أحد عن حياته شيئا قبل قدومه إلى مصر في العام ١٨٦٠م وتصويره لبعض المعالم المعمارية الإسلامية والفرعونية والصور الاستشراقية التي يشتريها السياح، ولإيمانه هذا أعلن أرنو أنه سيستقر في بورسعيد وينشئ ستوديو فيها تحت شعار:» بدلاً من تصوير الماضي في الوادي فلنصور المستقبل في قناة السويس»، وقتها كان العمل بدأ خطوة بخطوة في حفر برزخ السويس، الذي أصبح قناة السويس مستلهماً روح الاستشراق الفرنسي في صوره ومستعيناً، بالإضافة إلى الاستوديو بمركب أطلق عليها اسم «فوتوغرافيا القنال» تابع لاستوديو القناة الخاص به، والذي كان مقره ميدان القناصل ببورسعيد ثم ميدان ديليسبس بعد ذلك، وقد استعان أرنو على مدى ثلاثين عاماً التي قضاها في تصوير منطقة القناة بالأساس وباقي مصر ومناطق الشرق الأوسط أيضاً في بعض الأحيان بالعديد من المساعدين والشركاء، كان أبرزهم مساعده لدادكيس وشريكيه منذ ١٨٧٠م وحتى وفاته في مطلع ١٨٩٠م الأخوين زنجاكي، وقد تميز أرنو بأنه صوّر كل جوانب الحياة في مدن القناة، بالإضافة لكل ما استطاع تصويره من عادات وتقاليد وأشكال وأزياء الأهالي والمقيمين في المنطقة، واهتم أرنو بتوثيق كل ما يمت لها بصلة، وكان هو الأطول في الإقامة والأكثر شغفاً بالمشروع من بين كل المصورين، لهذا جاءت صوره مشبعة بسحر خاص يشي بهذا الشغف الذي دفعه للتخلي عن أضواء العاصمة وأحلام الربح السريع التي راودت كل مصوري عصره من المشاهير، مثل هنري بوشار وأنتونيو ديزير إيميه ولكجيان ونايا وباسكال صباح وحتى همر شميدت، الذي اشتهر بجولاته في الصحراء الليبية لكنه لم يأتِ للقناة إلا في حفل الافتتاح.


لكن أرنو تفوق ليجوب القناة باحثاً عن تسجيل الحلم الفرنسي في قهر الزمان والمكان في أحد عشر ألبوما، تضمنت قصة القناة منذ بداية الحفر وحتى عام ١٨٩٠م هي الآن من مقتنيات الأرشيف الوطني الفرنسي .