لماذا لا يزور السيسى موسكو لكسر حالة الفتور مع روسيا؟

10/08/2016 - 2:13:30

د. نبيل رشوان الخبير فى الشئون الروسية

وبدت الأمور وكأنها تسير فى الطريق الصحيح، وهاهىّ العلاقات مع روسيا وريثة الاتحاد السوفيتى والتى تعافت بعد سنوات من الهوان، إثر انهيار الإمبراطورية السوفيتية، بل وكادت أن تلقى مصير الاتحاد السوفيتى نفسه من تفكك وحروب أهلية، وتوقع الجميع أن تستعيد العلاقات المصرية ـ الروسية أيام المجد، خاصة بعد فوضى ٢٥ يناير والتى استغلها الإخوان للوثوب وامتطاء السلطة فى مصر وما لهذا من تداعيات خطيرة على المنطقة، بل وعلى روسيا نفسها وحليفها فى المنطقة النظام السورى بقيادة الرئيس بشار الأسد، غير أن مصر استدركت الخطأ وصححت المسار فى ٣٠ يونيه، وجاء الاعتراف الروسى بالنظام الجديد فى مصر سريعا، والزيارات التى قام بها الرئيس عبد الفتاح السيسى لروسيا سواء وهو فى منصب وزير الدفاع أو بعد توليه السلطة والترحاب الشديد الذى قوبل به فى روسيا، ثم زيارة الرئيس بوتين للقاهرة عقب ذلك وتوقيع العديد من الاتفاقيات الهامة بين البلدين، كل هذا جعل الجميع هنا فى القاهرة يستبشر خيراً، لن أقول بتغيير دفة العلاقات الخارجية المصرية تجاه الشرق ولكن على الأقل تحقيق نوع من التوازن الاستراتيجى فيها.


غير أن عملية إسقاط الطائرة الروسية فوق سيناء وعدم قدرة السلطات المصرية على اتخاذ موقف واضح والعمل بمبدأ الشفافية فى التحقيقات أعادت هذه العلاقات إلى الوراء كثيراً، فتوقفت حركة الطيران بين بلدين يفترض أن بينهما علاقات ومصالح كبيرة، وجاء التدخل العسكرى الروسى المباشر فى سوريا لمحاربة الإرهاب الذى تعتقد روسيا بأنه ليس بعيداً عنها، وعملا بمبدأ عدم تغيير الأنظمة من خارج بلادها وإصرارها على أن التغيير يجب أن يأتى من الشعب نفسه، وكانت تأمل روسيا فى دعم مصرى حتى على الأقل بإعادة السفير المصرى إلى دمشق، إلا أن القاهرة اختارت الوقوف فى المعسكر المضاد أو إلى جانب المملكة السعودية، ولم تتخذ أى خطوة فى هذا الاتجاه، مفهوم فى الوقت الحالى أهمية الدعم المادى الذى تقدمه المملكة لمصر، لكن فى نفس الوقت ترى روسيا أن الهدف الاستراتيجى لمصر وروسيا على الأقل فى مكافحة الإرهاب واحد، فلو سقطت سوريا فى أيدى النصرة أو داعش فلن يسلم أحد فى المنطقة بما فى ذلك السعودية نفسها وتركيا.


وكان أمام مصر فرصة ذهبية على الأقل فى العلاقات التجارية مع روسيا، عندما أسقطت تركيا إحدى الطائرات العسكرية الروسية، ووصلت العلاقات بين روسيا وتركيا إلى حافة الحرب، وكان على مصر أن تستغل الفراغ التركى وتدعم، علاقاتها التجارية بروسيا، إلا أننا فوتنا الفرصة بكل بساطة، فعادت تركيا من جديد وبشكل أقوى ورغم أن الأزمة وعدم تحرك العلاقات الروسية إلى الأمام لم يكشف عنها النقاب، إلا أن هناك عددا من العوامل التى اعتبرتها روسيا بوادر غير طيبة فى العلاقات بين البلدين: ـ


١ـ موقف القاهرة ليس المضاد ولكن غير الداعم للتدخل العسكرى الروسى فى سوريا، سواء كان هذا بعودة السفير، أو بالدعم المعنوى من خلال المواقف السياسية.


٢ـ تحدث كثيرون فى روسيا عن صفقة حاملتى الطائرات الفرنسيتين والتى سارعت مصر باقتنائهما منقذة فرنسا من دفع غرامات عدم تنفيذ العقد خضوعا للعقوبات التى فرضتها أوربا على روسيا، مما اعتبره بعض الروس أن مصر شاركت فى تخفيف الضغط على فرنسا، واعتبروا أن مصر خضعت لضغوط سعودية لتخفيف الضغط على فرنسا وزيادة الحصار على روسيا.


٣ـ إحجام القاهرة عن لعب دور محورى فى أزمات المنطقة جعل روسيا، التى كانت تطمح فى دعم مصر لها للعب دور محورى على الساحة الدولية والعودة للمنطقة من خلال البوابة المصرية أو كما يقول الخبراء الروس المشاركة فى السياسة الدولية بعد ابتعادها لفترة طويلة.


٤ـ فوجئ الروس بأن القاهرة تتعامل معهم على أنهم الاتحاد السوفيتى أنه كلما اندمجوا مع الروس كان فى هذا مكايدة للولايات المتحدة، ولم يدركوا أن العالم تغير، وأن روسيا ثانى أكبر مستثمر فى سندات الخزانة الأمريكية رغم العلاقات المتوترة بين البلدين على خلفية الأزمة الأوكرانية وتباين المواقف فى سوريا.


على الجانب الروسى هناك تشدد روسى فيما يتعلق بالإجراءات الأمنية فى المطارات المصرية لدرجة أن روسيا طالبت بصالات خاصة بمواطنيها يشرف عليها رجال أمن روس، وهو الأمر الذى يعتبر مساسا بالسيادة الوطنية، لكنى أتصور أنه من الممكن إيجاد حل لهذا الأمر، لكن يجب أن يتم ذلك من خلال التفاوض والحديث عن أسباب القصور التى يراها الجانب الروسى ومعالجتها حتى ولو بمقترحات روسية عملية فمن غير المعقول أن تتوثق علاقات اقتصادية بين دولتين وحركة الطيران بينهما متوقفة.


وللأسف الشديد حصرت مصر علاقاتها بروسيا فى عودة السياحة الروسية بأسرع ما يمكن وكأن إنقاذ مصر يكمن فى عودة السياح الروس، وحتى زيارات المسئولين المصريين يأخذها الروس باستخفاف، فكيف يزور رئيس البرلمان المصرى موسكو وكل همه أن يعيد السياحة حسب وسائل الإعلام المحلية وهو يدرك أن البرلمان الروسى فى إجازة تشريعية تمهيداً للانتخابات البرلمانية فى شهر سبتمبر، وكيف لا يدرك المسئولون أن السياحة الروسية تحكمها أسباب ذاتية وهو ارتفاع سعر الرحلات نظراً لانخفاض سعر العملة الروسية أمام الدولار بنسبة ١٠٠٪ تقريبا، بالإضافة إلى حرص روسيا على تشجيع السياحة الداخلية التى أنفقت على بنيتها التحتية مليارات، وخاصة فى القرم وسوتشى وغيرها من مناطق جنوب روسيا. وكان الأحرى بالمسئولين الانطلاق من عودة حركة الطيران وباقى الأمور سوف تسير سيرها الطبيعى بعد ذلك، لكن إلحاح المسئولين عندنا على عودة السياحة جعل الجانب الروسى يعتقد أن أى تعاون آخر لا تحتاجه مصر وكل ما يعنيها هو عودة السياح، مما جعلها فى بعض الأدبيات يصفون مصر بعدم الجدية، فهناك العديد من المشاريع المشتركة التى من الممكن أن تحقق فائدة اقتصادية للبلدين.


ولا بد من وقفة مع روسيا، بل وزيارة للرئيس السيسى لموسكو لتحديد المواقف ونقاط الخلاف ونقاط الاتفاق، والأهم هو ماذا نريد نحن من روسيا وماذا تريد روسيا منا، فقد منحت روسيا للبضائع المصرية ربما ما لم تمنحه للكثير من الدول وكل ما استطعنا تصديره، أشياء لا تذكر ولا تمثل شيئا للاقتصاد الروسى أو المصرى .... ماذا تعنى ٥٠٠ مليون دولار، مقابل تصدير روسى لمصر تخطى الخمسة مليارات، وكانت السياحة فى السابق تحقق المعادلة فى الميزان التجارى، نحن الآن لا توجد سياحة ولم نحاول تعويض دخل السياحة بتصدير بضائع أو أى شيء.


هناك أزمة ما فى العلاقات بين البلدين فهل هى نتيجة الموقف المصرى من سوريا الذى بدأ يميل فى اتجاه موقف العربية السعودية، أم فى التردد فى بعض المشروعات العملاقة، لا أدرى لكن الشىء المؤكد هو لابد من وقفة لإعادة تقييم الموقف والابتعاد عن العواطف وتقدير المواقف بدم بارد وبرجماتية تليق بعالم اليوم، ولننظر إلى أنه رغم الطعنة التى وجهتها تركيا لروسيا فى أعز ما تملك وهى آلتها العسكرية، إلا أن العلاقات عادت بين البلدين بأفضل مما كانت ورغم أن الميزان التجارى يمبل إلى صالح روسيا بنسبة ٧٥٪ إلا أن تركيا تحاول تعويض هذا بالسياحة، واستثمارات الشركات التركية التى يبلغ عددها ١٥٠٠ شركة تقريبا، وقد تندهش إذا عرفت أن الشركات التركية تهيمن بالكامل تقريبا على بناء ملاعب كرة القدم لكأس العالم ٢٠١٨ الذى سيقام فى روسيا، ولن أتحدث عن الصناعات الخفيفة حيث قامت الشركات التركية بإنشاء فروع لها على الأرض الروسية وخاصة فى مناطق جنوب روسيا، ومن المتوقع أن يكون اللقاء التركى ـ الروسى المرتقب دفعة قوية للعلاقات بين البلدين، ما زالت الفرصة متاحة وكما يحتاج الاقتصاد المصرى لضخ استثمارات كما يحتاج الاقتصاد الروسى لنفس الشىء ..... لا يجب أن نضيع الفرصة على ألا تكون العلاقة مع روسيا على حساب بقية دول العالم، إذا لا بديل عن ترتيب قمة روسية ـ مصرية لإعادة القاطرة إلى الطريق الصحيح.