السلطان والقيصر.. عدو عدوى صديقى

10/08/2016 - 2:09:50

بقلم - سفير د. رضا شحاتة

ليس ثمة ما هو أصدق من المأثورات القديمة، خاصة إذا كانت تاريخية عريقة وبالأخص إذا كانت منقولة إلينا من حضارة الهند القديمة منذ القرن الرابع قبل الميلاد فى كتاب عن الاستراتيجية العسكرية «عرف باللغة السنسكرتيية» باسم «آرت شاسترا»عن المكيافثيللى الهندى الذى يعرف باسم «كاوتيليا» قوله «عدو عدوى صديقى» وإن كانت المأثورة الشعبية قد نسبت زوراً إلى تراثنا العربى يوماً ما.


ليس ثمة وصف أدق من هذا الوصف الاستراتيجى الهندى القديم ينطبق على ما نقرأه اليوم من إعلانات وتصريحات وبيانات بين أنقرة وموسكو من ترتيبات لاستقبال «سلطان حائر» بين مشرق يرفضه، كما رفض أسلافه السلاطين القدامى من قبل، وبين غرب ينظر إليه بكل الريبة والشك والطعن فى أوراق اعتماده السياسية والحضارية والشخصية للقفز إلى العربة الأخيرة فى قطار الغرب وحضارته ومؤسساته الأوربية.


«عدو عدوى صديقى» تنطبق اليوم أول ما تنطبق على سياسة أردوغان، بعد الانقلاب الفاشل عليه فى منتصف الشهر الماضى، وفى أعقاب تلقيه تلك المكالمة الهاتفية من الرئيس الروسى «بوتين» يعرب له فيه عن دعم النظام الدستورى ومقدماً العزاء فى أرواح المدنيين الذين راحوا فى أحداث الانقلاب.


الرئيس بوتين طرح نفسه وبوضوح نقيضاً لكثير من قادة الغرب، ومن حلف الناتو خاصة الذين لم يبادروا بالحديث مباشرة لأردوغان بعد الانقلاب فى ضوء سياساته الداخلية بالمغالاة فى «أسلمة المجتمع التركى ومؤسساته».


إذا كان (بوتين) بعد أن وصف قرار تركيا بإسقاط الطائرة السوخوى (٢٤) الروسية باتهامها باختراق المجال الجوى التركى، ومصرع قائدها، بأنه يمثل «طعنة فى الظهر»، ثم قبوله اعتذاراً مكتوباً واتصالاً شخصياً مباشر من أردوغان لمحو آثار تلك الطعنة فى الظهر، إذا كان (بوتين) قد فعل ذلك فكلاهما (بوتين) و(أردوغان) رغم كل تلك الشواهد ـ خصمان تاريخيان، فرقتهما حروب الماضى، والخلافات السياسية بل والاستراتيجية فى الحاضر، لكن أوضاعاً طارئة فرضت على كل منهما الالتقاء على أرضية مشتركة من المصالح الاقتصادية القوية، ومن الشواغل الإقليمية التى يسعى كل منهما إلى العثور على مخرج له من تعقيداتها وتكاليفها الباهظة سياسياً واقتصادياً بل واستراتيجي.


العقوبات الأمريكية والغربية التى فرضت على روسيا ـ بعد قرار (بوتين) ضم شبه جزيرة القرم (لدوافع جيواستراتيجية وعلى خلفيات تاريخية تعود لأيام الاتحاد السوفيتى عندما كانت أوكرانيا إحدى جمهوريات الاتحاد السوفيتى السابق) فرضت على روسيا بوتين سياسة التوجه شرقاًـ تجاه الصين بصفة خاصة وتوسيع المجال الحيوى الاقتصادى لروسيا من خلال الاتحاد اليوروآسيوى، نفس تلك الضغوط مارسها الغرب على أردوغان بسبب الانتقادات الكثيرة الموجهه لنظامه فى مواجهة المعارضين، ولانتهاكات حقوق الإنسان ولسياسته ضد (الأكراد) والاتهامات التى لم تزل توجه له ولأفراد عائلته (بالفساد) والتربح من التجارة فى تهريب النفط من شمال العراق، فرضت عليه البحث عن حلفاء له، بأن أعاد توجيه بوصلة سياسته الخارجية وبزوايا حادة تلقى بكثير من التشكيك فى صوابية قراراته ومصداقية خياراته، بعد التطبيع الكامل واستئناف العلاقات مع إسرائيل بعد عنتريات الانسحاب المسرحى من منتدى دافوس أمام «بيريز» فى مناقشة علنية دولية فى يناير ٢٠٠٩ وبعد أن بلع مقتل تسعة من الأتراك فوق سفينة «مافى مرمرة عام ٢٠١٠» رفعت العلم التركى وأبحرت ذات يوم لكسر حصار غزة (الحماسية) فقتلت إسرائيل تسعة من بحارتها دون أن تطأ أقدامهم شاطئ غزة مقابل تعويض للضحايا الأتراك بعشرين مليون دولار فى يوليو الماضى.


هذه السياسة التى تسمى «بالواقعية أو البرجماتية» لإعادة توجيه السياسة الخارجية تارة فى محاولة لاختراق الاتحاد الأوربى عشرات السنين دون جدوى ثم لمحاولة التسلل إلى الشرق العربى تحت عباءة (السياسة العثمانية الجديدة)، أخطأت الرسائل إلى مصر، بوابة العالم العربى، بمعاداة ثورتها وشرعيتها واحتضان فلول نظام دينى فاشى يتلقى أوامره من (أنقرة) ومن تنظيمه الدولى وهو اليوم إذ يسعى لاسترضاء أعدائه القدامى ـ الأصدقاء الجدد، إسرائيل وروسيا، ربما يتذكر أن هذه التقلبات الحادة فى خيارات السياسة الخارجية ليست هى اختيار أفضل البدائل، بل هى بمثابة «اختلالات فى التوازن» قد تطيح بلاعبها إلى الحد الذى بدأت معه دوائر عليا فى منظمة (الناتو) تتساءل «هل حان الوقت لخروج تركيا من (الناتو) بعد حركة التطهير الشاملة لقيادات المؤسسة العسكرية، عماد النظام والدولة فى تركيا منذ١٩٢٣ حتى اليوم؟


الصالح الاقتصادي هى العامل الحاكم حقاً فى توجه دفة السياسة الأردوغانية الخارجية، فحاجة تركيا إلى النفط، الغاز الطبيعى ـ خط التيار الأزرق القادم من روسيا إلى أوربا، عبر تركيا ـ تحت مياه البحر الأسود، ثم التجارة والسياحة الروسية إلى تركيا، بل ودخول أضخم شركات النفط والغاز الروسيتين إلى الأسواق التركية، «جازبروم» و «لوك اوبل»، ثم ودخول «روس أتوم» (مؤسسة الطاقة النووية الروسية إلى الاستثمار لبناء محطة للطاقة النووية فى تركيا، كل هذه الشبكة من المصالح الاقتصادية المتداخلة، طغت على أى خلافات سياسية (عارضة) أو ربما سطحية بحيث يمكن البحث عن حلول ومخارج لها بين القيادتين فى أول لقاء يجمع بينهما بعد محاولة الانقلاب الفاشلة وبعد إسقاط تركيا للطائرة الروسية المقاتلة فى نوفمبر ٢٠١٥ واعتذارها عن الخطأ فى ذلك الذى هو «طعنة فى الظهر» كما وصفها بوتين.


تبقى سوريا التى تفترق منها السُبل، السبيل أو المنهج التركى يستهدف الإطاحة بنظام الأسد، والنهج الروسى يدافع بكل قوته العسكرية والسياسة عن بقاء نظامه ومن وراء نظامه المصالح الجيوستراتيجية فى المنطقة وفى شرقى البحر المتوسط، لكن اللقاء بين بوتين وأردوغان التى جمع بينهما استراتيجية (ميكافيللى) الهندى، عدو عدوى صديقى قد تنجم ولا وجه للدهشة عندئذ عن مرئيات مشتركة جديدة بالنسبة لسوريا بصفة خاصة.


المشكلة الكردية أيضاً لم تزل تمثل عقدة العقد أمام سياسة أردوغان الداخلية بل والخارجية معاً وهى التحدى الأكبر للأمن القومى لتركيا فى تقديره، وتحت غطاء الحرب ضد الإرهاب، وجهت تركيا نيرانها ضد الأكراد السوريين، الذين يمثلون رأس حربة فى مكافحة الإرهاب فى سوريا.


تركيا، أردوغان لم تزل تطرح تصورها التى تقوم على إحلال نظام (إسلامى) (إخوانى) فى دمشق محل نظام الأسد، يدين لأنقرة وللتنظيم العالمى بالولاء فى إطار حربه غير المقدسة لإقامة نظم (متأسلمة) فى الشرق الأوسط لإضفاء الشرعية على حكمه وعلى نظامه، وإذا ما أدركنا أن تنظيم القاعدة والجماعات المنتمية لها (جبهة النصرة) وغيرها لم تزل تتمركز شمال شرقى سوريا أدركتا إلى درجة اليقين أى المخاطر يمكن أن تنجم عن إطلاق يد تركيا فى حل المسألة السورية فهل تكون هذه النافذة الجديدة من العلاقات التى فتحت بين بوتين والأردوغان فرصته لتغيير موقف تركيا وسياستها من الأسد؟


وربما كان رئيس وزراء تركيا الجديد «بن على يلدريم» قد ألمح إلى ذلك بقوله ـ زيادة عدد الأصدقاء، وتقليل عدد الأعداء» ، وكان أول بوادر هذا التحول رسالة أردوغان إلى بوتين يعرب عن تطلعه لاستئناف العلاقات الثنائية على أساس المصالح المشتركة هذا الخطاب كان يعكس بوضوح السياسة الجديدة تجاه سوريا، فالتطبيع مع روسيا يوفر لأنقرة حافزاً قوياً للتوقف عن معارضته القوية السافرة لنظام الأسد، والأرجح أن يتفرغ لمواجهة التحدى الوجودى للقومية التركية كما يقال منذ عقود بعيدة.


المشكلة الكردية: سواء فى شكل ـ حكم ذاتى ـ أو إدارة داخلية للأكراد فى مناطقهم على رأس مطالبهم وتطلعاتهم والتى تحظى بأكثر من تفهم ـ يصل إلى الدعم السياسى الواضح من الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوربى، بل ومن روسيا لاسيما بعد سنوات التفكك فى الكيانات العربية الحاضنة للأكراد، شمال العراق، شمال شرق سوريا، بالإضافة إلى جنوب غرب تركيا، فهل تكون (المشكلة الكردية ) عنصراً (أو جزءاً) من صفقة محتملة بين بوتين وأردوغان؟


من الواضح أن اللقاء المرتقب فى التاسع من هذا الشهر بين أردوغان وبوتين ، بالتوازى مع المصالح المشتركة الواسعة والمشروعات الضخمة لروسيا فى تركيا، ولتركيا فى روسيا (قطاع التشييد والتجارة)، سيظل مستقبل النظام السورى ـ برئاسة الأسد أو بدونه ـ من أهم القضايا المطروحة، ولن يكتمل البحث فى المسألة السورية، دون تحقيق تنسيق وربما اصطفاف فى المواقف بين روسيا وتركيا من ناحية والأطراف الفاعلة الإقليمية الأخرى ـ إيران خاصة، ثم الأطراف العربية ( السعودية ودول الخليج العربى ومصر).


أما الأطراف الدولية، خاصة واشنطن، فالتنسيق مع موسكو بزيارات ومحادثات لا تنقطع بين كيرى ولافروف) يكاد يكشف عن شبه «التفاهم» الدولى بينها على سيناريو «الخروج» من عنق الزجاج السورى بعد أن استحال النصر العسكرى ـ رغم الجبروت الروسى، كما عجزت المقاومة السورية الصامدة عن كسر طوق الحصار أو كسر ظهر النظام الذى يخوض لا معركة المستقبل بل معركة الوجود أو العدم.


ودون بلورة مقاربة دولية توافقية ـ وإقليمية حول (المأزق الكردى) سيظل حل المسألة السورية ـ من المنظورالروسى والتركى منقوصا، ذلك أنه من زاوية المستقبل السورى، سواء مستقبل النظام أو الدولة، فإن رسوخ دعائم (الكيان الكردى) والسيطرة على مساحات واسعة من الأرض التى يعتبرها الأكراد أرضاً خالصة لهم، سوف يفتح الباب أمام «نموذج حل فيدرالى» سواء داخل حدود الدولة السورية ـ فى إطار دولة فيدرالية، وإلا تقسيم الدولة ذاتها أى تحويل الكيان الوطنى السورى إلى كيانات منفصلة مستقلة؟ فهل ستكون «الصخرة الكردية» هى ما تصطدم به وتتحطم عليه مباحثات «أردوغان ـ بوتين» القادمة فى التاسع من هذا الشهر إذا ما حاولا كلٌ من منظوره ـ الاقتراب من النظام العربى السورى كما هو بحدوده وأرضه الموحدة، ذلك النظام الذى كان وسيظل ركنا أساسياً من أركان (الأمن القومى العربى) والبوابة الشمالية للأمن القومى فى مصر؟


إن قراءة مباشرة لشكل اجتماع (بوتين) مع (مجلس الأمن القومى) فى السادس والعشرين من الشهر الماضى تدل على أنه لم يكن لمجرد الأخطار بالاستعداد لاستقبال أردوغان والتحضير لجدول الأعمال. ومباحثات مجلس الأمن القومى الروسى ـ مثله مثل مجالس الأمن القومى فى دول بحجم روسيا الاتحادية يتطرق لأمور ذات طابع استراتيجى بعيدة المدى والأثر، وزيارة أردوغان وحقيبته تحمل تصورات تركيا لمستقبل سوريا، ومستقبل المسألة الكردية»، وعلاقاته بإيران، ثم علاقاته (بالناتو) الذى وضع علامة استفهام على عضوية تركيا فى الناتو) (بعد محاولات الانقلاب الأخيرة) وطرد الآلاف من الضباط القادة وتقديمهم لمحاكمات ثم سياسات تركيا تجاه العراق والإرهاب.


تبقى فى جدول أعمالهما قضية شمال القوقاز وآسيا الوسطى، والواضح أن كليهما (روسيا وتركيا) يحاول الاقتراب من هاتين المنطقتين بحذر شديد، فتحالفاتهما على طرفى نقيض، فلتركيا تاريخها وثقافتها مع بعض دول القوقاز، وآسيا الوسطى المتصادمة مع تاريخ الإمبراطورية القيصرية قبل عام ١٩١٧ ومع الاتحاد السوفيتى بعد ذلك طوال سنوات الحرب الباردة وحتى أيام روسيا الاتحادية.


كلاهما روسيا اليوم، وتركيا الحاضر، كانتا يوماً إمبراطوريتين انهارت امبراطورية (روسيا) مع تفكك الاتحاد السوفيتى عام ١٩٩١ لكن تراثها وثقافتها ومصالحها لم تزل راسخة فى مناطقها السابقة، وكذلك الحال مع تركيا الحاضر التى اختفت «امبراطوريتها العثمانية» من الوجود عام ١٩٢٣، لكن تراثها ومصالحها ومجالها لم يزل ملموساً بفعل الثقافة، والدين، واللغة والوشائج العرقية، وكلاهما القوقاز وآسيا الوسطى مجالان للتنافس الذى وصل قديماً لصراع وحروب، فهل يمكن لزواج فرضته المصالح على المدى القصير ـ على أرجح التقديرات ـ أن يطغى على هذه التناقضات البنيوية فى السياسة الخارجية لكل من (بوتين وأردوغان)، لعل لقاء «سان بطرسبورج» يطرح معه الحل السحرى.