الإخوان وشظايا مجموعات العنف العشوائى

10/08/2016 - 1:42:49

أحمد بان

فجر إعلان مجموعة تسمى نفسها سواعد مصر – حسم مسؤوليتها عن محاولة الاغتيال الفاشلة التى استهدفت مفتى الديار المصرية الأسبق الدكتور على جمعة ، عندما كان فى طريقه لتأدية صلاة الجمعة على بعد خطوات من منزله بضاحية ٦ أكتوبر ،الحادث الذى نفذته مجموعة مكونة من أربعة من الملثمين يشتبه فى علاقتهم بجماعة الإخوان فجر أسئلة حول ماهية مجموعات العنف الصغيرة ،وحقيقة صلاتها بجماعة الإخوان


تاريخيا من المعروف أن أول من وضع بذرة العنف الدينى فى المجتمع المصرى مع بداية القرن العشرين كانت جماعة الإخوان ،التى أطلقت أول ميليشيا عسكرية مؤدلجة تتحدث عن نصرة الدين والشريعة ،كان ذلك قبل أكثر من سبعة عقود وتحديدا فى العام ١٩٤٠، عندما أسند حسن البنا مسئولية قيادة النظام الخاص إلى أكثر قيادات الجماعة دموية وهيستيريا عبدالرحمن السندى، الذى مضى فى قيادة التنظيم وعملياته وسط جدل لم يحسم حتى اليوم ،حول مسئولية حسن البنا عن عمليات النظام الخاص أو انفراد السندى بإدارته بإرادة منفردة ،عموما ليس هذا موضوع مقالنا إنما نمهد فقط لتتبع جذر الإرهاب وتسويغ استخدام السلاح والعنف فى نصرة ما يعتقد البعض أنه الحق الدينى المقدس


لم يعد سرا أن التنظيم الذى ساقت قيادات الإخوان مبررات وجوده فى الدفاع عن الدعوة ومقاتلة اليهود والإنجليز لم يقتل فى النهاية سوى المصريين ،من القضاة ورجال الدولة بل ورجال الجماعة حيث أقدم على قتل أحد قياداته وهو السيد فايز عبر طرد مفخخ حفر للتنظيم مكان الريادة فى استخدام المفخخات فى الاغتيالات السياسية


نظرت هذه المجموعة لفكرة العنف الدينى ووضعت بذرته فى المجتمع المصرى مبكرا ،ولم تعلن الجماعة أبدا أو تعترف بسلوك مسار العنف وظلت تلقى ستارا من السرية حول عملياتها ،فرغم توثيق كل كتب التاريخ المعتمدة ومحاضر وسجلات أجهزة الأمن لعمليات التنظيم وجرائمه،فقد حافظت الجماعة على تقليد ثابت هو الإنكار الدائم لعمليات التنظيم ،إلا بضع عمليات نفذها فى القنال أو فلسطين ذرا للرماد فى العيون.


طوال الوقت كانت أدبيات تبرير العنف المسلح حاضرة فى أفكار وكتابات حسن البنا المؤسس، أخطر شخصية فى تاريخ مصر فى تقديرى، الرجل الذى مضت مسيرته وهو يرتدى مسوح شخصين شخص الداعية الربانى أمام القواعد الإخوانية، وشخص القائد السياسى والداهية مع قيادات التنظيم والقوى السياسية المصرية ،وبقيت دائما لديه أدوات السلم والعنف يتبادلها بحسب الظرف والسياق ،فهو من قال إن الإخوان لا يؤمنون بالثورة ولا بالعنف فى تغيير الواقع وإن كانوا يحذرون كل حكومة بأنه إذا دامت الأمور على ماهى عليه فستحدث ثورة ليست من صنع الإخوان ، هو من قال أيضا سنستخدم القوة حيث لايجدى غيرها ،لذا لن تعدم مجموعات العنف كلمات وتعليمات للرجل ،ولن تعدم بالمقابل مجموعات السلم أيضا نفس الحيل من أفكاره ،فهو صاحب الشخصية المزدوجة والوجوه المتعددة ،وهو من أصل للتقية السياسية التى أصبحت ثابتا من ثوابت الإخوان الحركية


تحدث حسن البنا عن مراحل مشروعه الذى سماه دعوته ملخصا تلك المراحل فى التعريف والتكوين والتنفيذ ،وإذا كان قد فصل فى مرحلتى التعريف والتكوين ،فإنه ترك مرحلة التنفيذ دون تقعيد أو تنظير وكان ذلك فى تقديرى عن عمد منه ،ليترك لكل المجموعات التى خرجت عن جماعته سياقات ومسارات تحرك الأوضاع السياسية والاجتماعية فى اتجاه مشروعه، حيث لم يكن يرى بأسا من تعدد اللاعبين تحت خيمة الإسلاميين ،لذا كان ينعت جماعته بأنها ليست حزبا أو جمعية أو شركة أو ناديا بل هى هيئة إسلامية جامعة ،تضم كل ذلك وتجمع فى سلتها كل ما يلزم لإقامة دولتها نحو الخلافة المزعومة الحلم والغاية


لذا بقى التعاون دائما بين الإخوان وكل الكيانات الحركية مستمرا فى السر والعلن ،حيث كان علانية العلاقة من نصيب الكيانات السلمية السلفية والصوفية ،بينما كانت سرية العلاقة مع الكيانات الجهادية المسلحة ولا ننسى بالطبع جولات عماد عبدالغفور المكوكية لسيناء ،ولقائه بمجموعات العنف هناك مرسلا من الرئيس القطبى محمد مرسى.


بقيت جماعة الإخوان تراهن على تعدد العاملين لمشروعها ،ما بين تيار سلفى منشغل بالتزكية وجمع الناس على الهدى الظاهر وإن لم يشتغل بالسياسة ، لكنه يبقى أصواتا تصوت عند الحاجة لجماعته أو حزبه ،بينما تبقى مجموعات العنف تناوش مع الأنظمة وتستنزفها ،فلا تجد الحكومات من هو أكثر اعتدالا من الإخوان فتجنح إليهم ، ظلت هذه المعادلة هى التى تحكم جماعة الإخوان عبر هذا النمط من توزيع الأدوار بين جناح يشتغل بالسياسة هم الإخوان، وآخرون بالتزكية وتوسيع رأسمال الحركة البشرى ممثلا فى السلفييين، وجهاديين يحملون السلاح فى مواجهة الأنظمة ،حتى حانت لحظة الوصول للحكم من قبل الإخوان فسعت الجماعة إلى ضم كل هؤلاء فى هيئة سياسية واحدة ،أو مظلة سياسية واحدة كانت تنوى توسيعها لتضم كل المؤمنين بمشروعها، فكانت الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح التى كان أصدق تجسيد لحضورها مؤتمر لبيك يا سوريا، الذى أعلن فيه مرسى قطع العلاقات مع سوريا وإعلان الجهاد بشكل ضمنى وهو ما ترجم فى سفر عدد كبير من أعضاء هذا الاتجاه إلى سوريا بكل سهولة ويسر ،كانوا ضمن خميرة العنف التى ظهرت بعد خروج مرسى من الحكم فى ٣٠ يونيه ،الذى كان إعلانا عن مرحلة جديدة فى صدام الدولة المصرية مع الإسلاميين عموما والإخوان خصوصا باعتبارهم من يقودون هذه الفصائل وباعتبارهم من فقد الحكم للتو


لم يكن غريبا فى هذا السياق أن ينعقد لواء فصائل السلفية الجهادية فى مؤتمر فى شمال سيناء يوم ٥ /٧/٢٠١٣ يتوعد الدولة بالويل والثبور وعظائم الأمور ،وهو ما أطلق موجات العنف التى حاولت ابتزاز الدولة واستعادة الحكم ،لكنها تحطمت على صخرة الالتفاف الشعبى حول القوات المسلحة والشرطة وكافة مؤسسات الدولة التى رفضت مشروع الأخونة الذى يعد ما يفعله أردوغان اليوم أبرز تجسيد له فى حال مروره إلى محطاته النهائية فى مصر


عولت الجماعة على اعتصامى رابعة والنهضة فى جمع كل حلفائها فى أهم ميادين مصر، لتتحول البؤرتان إلى مراكز حصينة فى مواجهة الدولة والشعب ، ليتجسد فى النهاية فسطاطا الإيمان والكفر فتحولت رابعة فى وعيهم عبر شحنة روحية مكثفة توسلت بأجواء شهر رمضان الكريم شهر الفتوحات والجهاد إلى دار الإيمان والبقعة الطاهرة من دنس الكفر والنفاق، بدا الشحن مكثفا فى اتجاه المجتمع والدولة وبدت كل فصائل الإسلاميين تضرب عن قوس واحدة باستثناء النور والدعوة السلفية لأسباب قد تكون محل حديث آخر، لكن حالة التعبئة النفسية وتكريس الانفصال بين هذه الفئة ظلت تزيد مع الوقت وأى تحليل علمى لخطاب مسرح رابعة يكشف بوضوح كيف حدث هذا الفصل، ومن ثم بدأت الفجوة تتسع بين المجتمع وبين هؤلاء حتى كانت اللحظة الفاصلة حين اتخذ قرار فض هذا الاعتصام تقديرا لأهدافه وخطورته على أمن هذا البلد، فكانت لحظة الفض مع غياب التقدير الصحيح من قيادات الجماعة للموقف ووقوعهم فى حالة إنكار جمعى أكبر الأثر فى تشظى الجماعة منذ هذه اللحظة ، بعدد الاتجاهات التى تجمعت فى رابعة فقد عاد السلفيون لما كانوا عليه من تقيد بالهدى الظاهر ولزوم مساكنهم وأحوالهم باعتبارها فتنة القعود فيها خير من الوقوف ،أما الجهاديون فقد مضوا إلى قواعدهم فى سيناء يستأنفون عملياتهم ضد الشرطة والجيش وبوتيرة أسرع وأكبر ،ليس صدفة أن عام حكم الإخوان كان الأكثر هدوءا فى عمليات الإرهاب فى سيناء، أما الإخوان فقد انقسموا بين من يتمسكون بالسلمية فى التظاهر والاعتصام ،ومن راهنوا على العنف المبرمج تحت لواء ما يسمى بالعمليات النوعية التى انطلقت بعد فض اعتصام رابعة والنهضة عبر عمليات عشوائية برزت على يد مجموعات أعلنت عن نفسها عبر صفحات الفيس بوك مثل كتائب حلوان والمقاومة الشعبية والعقاب الثورى وسواعد مصر، وغيرها من المسميات التى عبرت عن حالة من الثأر ضد الدولة خصوصا الشرطة والجيش


كانت تلك العمليات العشوائية لونا من ألوان ردة الفعل غير المنظم ،قبل أن تتداعى مجموعة من التنظيم لتطويرها وتأطيرها فى نطاق ما سمى بالعمليات النوعية .


فكان الظهور الأول لما تسمى بكتائب حلوان عبر مجموعة من الشباب الملثم ،الذى خرج فى تسجيل مصور ليقول أنهم سئموا سلمية الإخوان فى المسيرات وغيرها ،وأنهم سيتحركون فى جنوب القاهرة مستهدفين قوات الأمن ،وقد حفل التسجيل المصور بالإشارات التى تؤكد على انتمائهم للإخوان ،رغم حرصهم على نفى ذلك مثل رفع بعضهم لشارات رابعة وترديد عبارات كانت ضمن دعاية الجماعة لنفسها ،مثل عبارة نريد الخير لمصر وقد قامت تلك المجموعة ببعض العمليات التى استهدفت فيها أبراج الكهرباء وبعض عناصر الشرطة ،قبل أن يتم القبض على أعضاء تلك الخلية وتفكيكها لتظهر مجموعة أخرى تسمى نفسها كتائب المقاومة الشعبية التى أعلنت عن نفسها هى الأخرى عبر بيان على الإنترنت ،يتحدث عن سعيها لتحرير ما سمتهم بالحرائر من البنات المعتقلات والدفاع عن الشعب ضد العسكر وقد سمت المجموعة نفسها مجموعة الشهيد محمد حلمى أحد من قتلوا فى فض اعتصام رابعة، وكان من اللافت أن يجرى موقع الجزيرة نت حوارا مع أحد أعضاء تلك المجموعة واسمه محمود السيد قائلا «نحن مجموعة من الشباب لانتبع أى فصيل سياسى ولا نهتم بالسياسة ،وبياناتنا الصحفية هى العمليات التى ننفذها على الأرض وكل ما نسعى إليه هو تحقيق العدالة والقصاص لدماء الشهداء ،مؤكدا أن الحركة لا تسعى لعسكرة ما سماه بالثورة المصرية وهى تؤمن بالسلمية لكنها تسعى لإرباك قوات الأمن ومعاقبتها على جرائمها بحق المتظاهرين السلميين، رافضا اعتبار الهجوم على مؤسسات الدولة وقطع الطرق أعمالا تخريبية ،قائلا أن قطع الطرق لايقارن بإحراق المصابين فى رابعة مشددا على أن قطع الطرق فى أندونيسيا هو الذى أسقط سوهارتو «


دعمت وسائل إعلام الجماعة تلك المجموعات ونشرت بياناتها وهللت لعملياتها بحق الشرطة والجيش ،ولم تبخل عناصر الجماعة بإظهار الشماتة فى كل شىء حتى الموت.


وبدا أن الهوة تزيد بين الشعب وبين أعضاء الجماعة ،لكن قوات الأمن كانت بالمرصاد لتلك العناصر ،التى كان لضعف خبرتها العامل المساعد فى القبض على عناصرها وتفكيك مجموعاتها القليلة ،حيث بقى القاسم الأكبر من أعضاء الجماعة كالمشجعين فى المدرجات يرتفع صوت تشجيعهم دون أن ينزلوا للملعب ،حيث اقتصر دورهم على الدعاية لتلك العمليات وتشجيعها ورفدها بأهداف جديدة ،وهو ما بدا فى وضع قائمة ضمت إعلاميين وسياسيين ودعاة وعلماء ناهضوا الجماعة ومشروعها بجلاء ،وكان منهم فضيلة مفتى الديار المصرية الأسبق الدكتور على جمعة الذى كان سيفا مصلتا فى وجه باطلهم ،وبدا مسلسل التحريض على استهدافه واضحا فى تكرار بث مقطع مبتور من حديث له مع جنود وضباط بعض الوحدات المكلفة بمكافحة الإرهاب فى سيناء ،باعتباره تحريضا على قتل أعضاء الجماعة لذلك كمنت مجموعة فى رصده ومحاولة اغتياله فى عملية يائسة نفذتها مجموعة تطلق على نفسها سواعد مصر – حسم بدت شعاراتها مماثلة فى تصميمها لمجموعات العقاب الثورى وغيرها من مجموعات الإخوان ،التى فى النهاية لم تستهدف سوى إثبات الوجود ومقاومة حالة اليأس التى لفت أعضاء الجماعة قبل أيام من الذكرى الرابعة لفض اعتصام رابعة ،الحادث الذى درجت الجماعة على تحويله الى كربلاء سنوية تستهدف قطع الطريق على أعضاء الجماعة عن أن يفكروا كيف وصلوا بجماعته وببلادهم إلى هذا الحال ،انتهت الجماعة لكن شظاياها ستستمر فى التطاير لتحرق هنا أو هناك لكن المؤكد أن الريح ستهدأ ، وسينتهى الإخوان أثرا بعد عين درسا لكل من يحاول قطع طريق المستقبل بعد أن سقطت كل الأقنعة .