«الاغتيال عقيدتنا والتخريب منهجنا» الإخوان فى طورها القديم - الجديد ..

10/08/2016 - 1:40:27

بقلم : د. حسن أبوطالب

ليست الأولى ولن تكون الأخيرة .. هذا هو الوصف الأكثر دقة لمحاولة اغتيال الدكتور على جمعة مفتى الجمهورية الأسبق بواسطة جماعة مسلحة مجهولة فى الظاهر ومعروفة فى الباطن تدعى حسم، وهى إحدى خلايا جماعة الإخوان الإرهابية التى ظهرت فى العامين الأخيرين، مثلما عرف بكتائب حلوان التى أسقطها جهاز الأمن المصرى وكشف أغوارها بعد أسابيع محدودة من الإعلان عن نفسها، ولن يكون مصير حسم كخلية إرهابية أفضل حالا من خلايا الإخوان الأخرى التى افتضح أمرها وبات أعضاؤها بعد محاكمات أمام القضاء العادى، وليس الاستثنائى، قابعين فى السجون يدفعون ثمن غبائهم المزدوج؛ شقه الأول انتماؤهم لجماعة إرهابية ظنوا أنها قادرة على حمايتهم، وشقه الثانى انخراطهم فى أفعال فاسدة ومفسدة ومُجرمة بحكم الشرع والقانون وكل المواثيق الدولية التى لا يعترف بها الإخوان إلا من قبيل الخداع والتضليل لأصحاب العقول الفارغة والأبصار المفقودة سواء فى داخل مجتمعاتنا العربية الإسلامية أو فى بلدان الغرب الاستعمارى الاستعلائى.


ازدواجية فى الحركة


تاريخ الإخوان فى الإرهاب المعنوى وفى الاغتيال السياسى معروف وليس بجديد، فنشأة التنظيم السرى فى إطار جماعة معلنة جزئيا وتتحرك بين الناس فى العام ١٩٤٤، وبتعليمات مباشرة من مؤسسها وإمامها الأكبر حسن البنا، هو الدليل الأكبر على انحراف الجماعة المبكر عن شعاراتها وادعاءاتها بكونها جماعة دعوية تستهدف تطبيق الشريعة الإسلامية ونشر الخير بين المسلمين. والسرية هنا كانت مقصودة فى وقتها وما زالت، فالجماعة فى كل تاريخها تتصرف على مستويين، أحدهما ظاهر يدعى المنهجية السلمية والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة. والثانى هو السرية بهدف ممارسة الضغوط والتغلغل بين الأوساط المختلفة والمؤسسات والجمعيات على اختلافها، وحين تجتمع السرية مع التدريب العسكرى وحمل السلاح والقتل وتصنيع المفخخات وإغواء ضعاف النفوس بقتل الأبرياء، نصبح أمام تنظيم مافياوى بكل معنى الكلمة، تنظيم يمارس الإرهاب بكل أبعاده المعنوية والمادية. وحتى فى اللحظة التاريخية التى اقتنصتها الجماعة لحكم مصر، لم تتخل الجماعة عن سريتها وعن كينونتها الإرهابية الأصيلة، ولم تلجأ أبدا إلى الإشهار عن نفسها كما تفعل الجماعات الطبيعية، بل أصرت على أسلوب العمل فى الخفاء وغياب الشفافية، ومرة ثانية لا يفعل ذلك سوى المافيات المجرمة التى تخشى التعرض للضوء حتى لا يفتضح أمرها.


سوف تضاف محاولة اغتيال الدكتور على جمعة الفاشلة ظهر يوم الجمعة الخامس من اغسطس ٢٠١٦ إلى السجل الأسود لجماعة الاخوان فى الاغتيال السياسى، وهو سجل يعود إلى أربعينيات القرن الماضى، ومن غير المنظور أن تتخلى الجماعة عن هذا الأسلوب الدنئ، فقد تمركز واستفحل العنف فى خلايا تكوينها، وأصبح جينا يصعب اقتلاعه، وهنا مربط الفرس لمن يتصورون أنه سيأتى يوم قريب أو بعيد وستحدث مصالحة بين النظام والشعب وبين هذا التنظيم الإرهابى. فهل يمكن لمجتمع ناضج يحافظ على بقائه وانطلاقته بصورة طبيعية نحو بناء ديمقراطى ينبع من قناعات الشعب أن يقبل بوجود تنظيم إرهابى ينتهج العنف والكذب والتضليل والسرية ليعمل بكامل الحرية ودون محاسبة على جرائمه بحق الشعب والوطن حاضره ومستقبله على السواء؟


لا مصالحة مع إرهاب


المنطق السليم ليس بحاجة إلى جهد كبير لكى ينتهى إلى نتيجة واحدة لا خلاف عليها، فحديث المصالحة ومهما تدثر بعبارات منمقة لن يمر مرور الكرام، ومن يريد المصالحة مع الشعب عليه أولا أن يدفع الثمن، وأن يثبت أنه مؤهل لكى يكون مواطنا صالحا يعمل فى إطار القانون والدستور، ولا ينتظر تعليمات من جهة مُجهلة أو جهاز استخباراتى لبلد آخر ليضر بلده متصورا أنه بذلك يجاهد فى سبيل التنظيم. وما ينطبق على الأفراد ينطبق بصورة أكثر صرامة على التنظيمات السرية، فلا مجال إلا للشفافية التامة، والتخلص من ميراث العمل فى الظلام وإنهاء سياسة مد اليد إلى الخارج للضغط على البلاد والعباد. فلا مجال لعمالة مقنعة لمن يريد أن يتمتع بحقوق المواطنة شأنه شأن أى مصرى يحب بلده ويخلص لها ويضحى من أجلها. ومن يريد تلك الدرجة من الوطنية المصرية فليثبت أولا قدرته على مراجعة ذاته ونقدها لما اقترفته من مفاسد وما زالت بحق الوطن والشعب والمؤسسات، وليرينا نحن المصريين كيف تخلى عن عمالته للخارج وكيف سيكون مصريا وحسب.


المنطق السليم ينتظر من هؤلاء المفسدين أن يتخلوا عن فسادهم عبر حركة نقد ذاتى تقودهم إلى التوبة الدينية لما اقترفوه بحق الإسلام ومقاصده السامية الرافضة لكل ما هو عنيف ومفسد، والتوبة السياسية وتقديم الاعتذار تلو الاعتذار لكل مصرى لما تسببوا فيه من دم وتخريب وخسارة. المنطق السليم ينتظر بداية جديدة منقطعة الصلة عن تاريخهم الأسود، وهذا للأسف ما لم يحدث وغالبا لن يحدث، فالتنظيم ليس سوى ألعوبة بيد قوى أخرى ومهما قيل لنفى ذلك، فلن يكون سوى مزيد من الكذب والافتراء على الحقيقة الواضحة وضوح الشمس.


ماذا يجرى داخل التنظيم؟


ففى العامين الماضيين، نشرت العديد من التقارير بالعربية والانجليزية كشفت بعض الذى يجرى داخل التنظيم من صراع على القيادة بين مجموعة شاخت ومعظمها قابع فى السجون، وبين مجموعة أخرى هربت إلى أحضان الاستخبارات التركية الأردوغانية وصارت مجرد دمى لا تتحرك إلا بإذن تلك الاستخبارات وتعرف بقيادة الخارج، ومجموعة أخرى غير معروفة بدقة قيل إنها انتخبت من قبل القواعد الشعبية للإخوان فى الداخل فى ربيع ٢٠١٤، وهى التى تقود ما يعرف بالتحركات على الأرض من أجل تحضير مصر لثورة شعبية جارفة تطيح بنظام الرئيس السيسى. والفارق بين هذه المجموعات الثلاث يكمن فى أمرين؛ الأول أن مجموعة السجون ومجموعة الاستخبارات التركية لها رموز معروفة، ومنها من كان فى مكتب الإرشاد ومنها من كان مجرد عضو مهني وتم توظيفه وزيرا أو مستشارا فى رئاسة مصر حين كانت مختطفة لمدة عام. أما مجموعة القيادة الميدانية الحركية فهى غير معروفة وتمثل امتدادا للتنظيم السرى أيا كان المسمى الذى تطلقه على نفسها كالحراك الثورى والانتقام الثورى وحسم والكتائب وغيرها.


والفارق الثانى الأهم ويتعلق وفقا لتقارير مراكز بحوث أمريكية قريبة الصلة من الإخوان بما يعرف بمنهج العمل فى المرحلة ما بعد ٣٠ يونيه، وحسب تلك التقارير هناك رؤيتان، الأولى رؤية القيادة الكبيرة فى السن والتقليدية فى الأسلوب والحريصة على تماسك التنظيم وعدم انفراط عقده نتيجة للضربات الأمنية والأحكام القضائية، ومجمل رؤية هؤلاء هو الالتزام بمنهج سلمى وعدم الدخول فى مناطحة مع الدولة نظرا لأنها الأقوى، وإعادة تنظيم الاُسر والخلايا والشُعب بما يناسب العمل السرى حفاظا على بقاء واستمرار التنظيم، والعمل على مد الجسور مرة أخرى مع النظام الحاكم من أجل السماح للجماعة بالعمل، وأن تكون هناك صفقة ما تخفف الضغط الأمنى على الكوادر وعلى الأعضاء، وتخفيف الأحكام القضائية والإفراج عن رموز يمكنها إدارة الانتقال من العداء مع الدولة إلى العمل المعلن مرة أخرى. وتعترف هذه القيادات أن هذا المنهج هو الأصعب ومرفوض من قواعد كثيرة، وأنهم قد يضحون بجزء من شعبيتهم من أجل بقاء التنظيم كما كان إبان قيادتهم الماضية.


أما الرؤية الثانية فهى منسوبة للقواعد الميدانية الحركية، التى فرضت نفسها كقيادة منتخبة فى ربيع ٢٠١٤، وهى ترى أن منهج السلمية عفا عليه الزمن، وبما أنها تتحمل الضربات والأعباء وتواجه الواقع بكل مشكلاته، فليس أمامها سوى العمل العنيف ومواجهة النظام بالقوة والتحضير لثورة شعبية (هكذا مرة واحدة) يشارك فيها فئات المجتمع المصرى (وهو تصور مريض يفترض أن المصريين يثقون بالإخوان ويريدون عودتهم مرة أخرى للحكم). ومما أوردته التقارير الأمريكية أن القيادة الحركية الإخوانية الإرهابية تنظر لأسلوب العنف الجديد بأنه عنف ذكى يستهدف فقط رموزا معينة للنظام الحاكم من الجيش والشرطة والإعلاميين والشيوخ وقادة الأحزاب، بهدف الانتقام وتطبيق سياسة العين بالعين والسن بالسن، وهو عنف ذكى لأنه لا يستهدف المواطن العادى بل يجذبه لتأييد الجماعة وجهودها للتحضير من أجل ثورة شعبية جديدة (هكذا مرة واحدة يصبح العنف والقتل أداة لجذب تأييد الشعب). ولكى يكون وقع هذه العمليات خفيفا على الغرب الداعم للإخوان باعتبارها جماعة إسلامية معتدلة يمكن توظيفها فى الضغط على النظم الحاكمة، فقد وصُف هذا النوع من العنف بأنه تكتيكى مرحلى سينتهى حين يتم تحقيق الهدف المطلوب هو إسقاط نظام ٣٠ يونيه.


عنف ذكى .. عنف تكتيكى


وقد ورد فى تقرير نشره مركز كارنيجى فى يوليو ٢٠١٥بعنوان “الاخوان والنهج ما بعد السلمى” أن القيادة الحالية للإخوان المسلمين غير قادرة وغير مستعدة لإيجاد بدائل سياسية عما يقترحه الشباب بالعنف الذكى، وأن بعض قيادات الخارج أصبحت مقتنعة بهذا الأسلوب، وبعضهم بدأ يصرح بأن المنهج التدريجى فى التعامل مع نظام السيسى لم يعد مجديا ولابد من أسلوب جديد أكثر إيلاما. وقد تعقد اجتماعات في اسطنبول مع ناشطين سياسيين وأكاديميين ومحللين من خلفيات مختلفة وبعض المسؤولين الأجانب. وتتخلّل هذه النقاشات سجالات حادّة حول مسألة استخدام العنف كتكتيك واستراتيجية ثورية. وفى إطار هذه السجالات أيضا تبلورت رؤيتان إخوانيتان، إحداهما ترى التحضير لثورة شعبية، بما يتطلب توظيف الاحتقانات الاجتماعية الموجودة فى الشارع المصرى لتأليبه ضد الرئيس السيسى ونظامه والإسراع بإسقاطه شعبيا بقيادة إخوانية واضحة بعد التنسيق مع القوى التى يصفونها بالثورية. أما الرؤية الثانية فهى العمل من خلال انقلاب قصر يقوده ضباط مستاءون مما يجرى حسب زعمهم، وهو تصور مزعوم يدعى أن الاخوان لديهم مثل هؤلاء الضباط. ولكنه أسلوبهم المعتاد للتشكيك والإثارة.


وبالقطع فإن هذه التقارير التى تعيد نشرها مراكز بحوث أمريكية وإنجليزية بين الحين والآخر لا تخلو من هدف يُراد له أن يوجه إلى المصريين جميعا، وهو إنذارهم بأن القادم أسوأ وأن الإخوان الإرهابيين عائدون عائدون. ولكن ما يغيب عن هؤلاء أن الشعب المصرى ليس ساذجا كما يتصورون؛ لكى يسامح هؤلاء الذين يريدون له كل خراب ودمار. ولا أتصور أن هناك سياسيا وباحثا محترما يتابع ما يجرى فى مصر بكل موضوعية وقليل من الحيادية قد يصل إلى تلك الاستنتاجات الواهية التى يصرون عليها من قبيل التخويف والوعيد.