محاولة اغتيال د. على جمعة.. وذكريات مؤلمة مع الذهبى وربانى والبوطى

10/08/2016 - 1:06:04

د: ناجح إبراهيم

لم يرحموا عمره الذى جاوز الثمانين, ولم يوقفهم علمه الغزير الذى اشتهر به, ولم تردعهم عن قتله طيبة قلبه وتواضعه وصوفيته السنية الراقية, ولم يراعوا حرمة المسجد الذى كان يجلس فيه فى دمشق ليعطى درساً من دروسه العظيمة.


لم يتأملوا شيئاً من كتبه الرائعة وخاصة كتاب»الجهاد فى سبيل الله» الذى يقول أشياءً كثيرة أهمها أن النبي”ص” لم يرفع سيف الحق بغياً ولا عدواناً ولا ظلماً ولا تكفيراً ولا تفجيراً لأحد من الخلائق، ولكنه رفعه دفاعاً عن الحق وعن المستضعفين فى الأرض.وكان رمزاً للعفو عند المقدرة والصفح عند النصر لم يرفع يوماً سيف الانتقام أو البطش والعدوان.


آه لو قرأوا هذا الكتاب وفهموه فربما ما أقدموا على اغتيال د. البوطى وهو فى بيت الله ومحراب العلم الشريف.


«العلماء ورثة الأنبياء» فهل يجوز قتل ورثة الأنبياء؟! والعلماء مأجورون فى اجتهاداتهم، فإن أصابوا فلهم أجران وإن أخطأوا فلهم أجر واحد.


مهمة العلماء تبليغ رسالات السماء، ومهمة العوام تعلم العلم منهم, ويمكن أن تختلف أو تتفق مع أى عالم فى رأيه, ولكن لا يبيح ذلك لك أن تتطاول عليه أو تشتمه أو تسفهه أو أن تصفه بالعمالة والخيانة، فربما كان رأيه أحكم من رأيك، وقوله أكثر نضجاً وأعمق إدراكاً للحياة من رؤيتك.


فكم من شباب وثوار غضبوا من علماء لآراء رأوها ثم اتضح لهم بعد سنوات طويلة أنهم كانوا قصيرى النظر، وأن هؤلاء العلماء كانوا صادقين فيما ذهبوا إليه، ولم يقولوا ما قالوه مجاملة لسلطة أو هوى فى أنفسهم أو تزلفاً لأحد، ولكن خبرات حياتهم المتراكمة والتى قد لا تتوفر للشاب الصغير أو الثائر المتحمس الصادق أيضاً جعلت رأى هذا العالم ناضجاً، ورأى الشاب والثائر الصغير تنقصه الحكمة وإن لم تنقصه الحماسة، وينقصه فقه المصالح والمفاسد.


فإذا افترضنا جدلاً أن رأيك أفضل وأحكم وأصح من رأى العالم، فهل يبيح لك ذلك قتله أو تفجيره؟! .


إننى كلما رأيت منظر صفحة المصحف المفتوحة على سورة آل عمران والتى كان يشرح فيها العلامة د«محمد سعيد رمضان البوطي»وهو يعطى درسه فى أحد مساجد دمشق, رجل جاوز الثمانين من عمره يدخل عليه البعض فيفجره فى المسجد ويقتل معه العشرات ومنهم حفيده الصغير الذى كان يحضر الدرس, وهكذا يقتل نحو خمسين ويجرح ثمانين مصلياً وعابداً وطائعاً معظمهم من كبار السن لأن أحدنا لم يعجبه رأى أحد العلماء، ما هذا الجبروت والطغيان والتسلط والاستبداد، هل من تختلف معه تقتله.


لقد كان د.البوطى يرى دائماً ومنذ شبابه فكرة الصبر على مظالم الحكام وعدم الخروج المسلح عليهم, كانت هذه قاعدته الراسخة التى تبناها بناءً على أقوال راسخة لكثير من علماء السلف الصالح المعتبرين، وبناء على تجارب رآها فى سوريا وخارج سوريا.


فقد رأى تجربة استيلاء الشباب المتدين المتحمس على مدينة حماة وكيف دكها حافظ الأسد بالطيران والمدفعية, وأدى ذلك إلى مقتل وجرح عشرات الآلاف وسجن آلاف آخرين وتعذيبهم وتقهقر الدعوة الإسلامية سنوات طويلة فى سوريا .


يمكنك أن ترى رأياً آخر يخالف العالم والفقيه, وكما أنك تمنح لنفسك الحق فى قول رأيك الذى تعتقد صوابه فعليك أن تترك لغيرك عامة وللعالم خاصة الحرية فى أن يقول اجتهاده الذى سيسأل عنه أمام الله.


وإذا أراد أن ترد عليه علمياً وفقهياً فلا بأس بذلك فساحات الجدال العلمى مفتوحة للجميع وخاصة بعد انتشار مواقع التواصل الاجتماعي, ولكن أن ترد عليه بالشتم والسب واللعن فهذا لا يليق ويحرم, أما أن ترد عليه بالرصاص والمتفجرات فهذا هو الإجرام والبغى بعينه.


لقد قرأت للبوطى كثيراً فى شبابي, كما تعلم جيل مسلم كامل على يدى كتبه, وكانت كلماته تحفر فى قلبى من معانى الإيمان واليقين الكثير.


كلما تذكرت اغتيال البوطى حزنت عليه وعلى الإسلام كثيراً، وتذكرت فواجع مماثلة تذكرت اغتيال د.محمد حسين الذهبى أستاذ التفسير المرموق فى جامعة الأزهر والذى عمل وزيراً للأوقاف فترة, ثم أقيل من منصبه, وبعد خروجه للمعاش كان يعيش حياة بسيطة فقامت جماعة التكفير والهجرة فى السبعينيات بخطفه بحيلة ساذجة, ولولا طيبة الرجل وبساطته ما انطلت عليه, فقد أوهموا أسرته أنهم من أمن الدولة ويريدون القبض عليه فاعترض ابنه وهم بالاتصال بالمسئولين، ولكن الشيخ الطيب الذى لا يعرف الشر إلى قلبه طريقاً منعه ولبس زيه الأزهرى ومضى معهم, فجعلوه فى مكان مهجور وقيدوه وعصبوا عينيه, ومن شدة إجرامهم وبغيهم ضربوه بالرصاص فى عينه دون أدنى مبرر.


إنه الغباء الدينى والسياسي, إنه عمى البصر والبصيرة حقاً, فلم يقل الرجل شيئاُ فى كتبه سوى ترديد أقوال العلماء العظام من السلف والخلف فى قضية التكفير، ولم يكن الرجل يمثل الحكومة ولم يكن دائراً فى فلكها ولا هو حتى وقتها وزيراً فى الوزارة .


فهل إذا اختلفت مع هذا العالم فى رأى وكان الجميع يعلم جهلك وحمقك وغباءك تقوم بخطفه وقتله دون رحمة أو شفقة، كيف تستعبد هؤلاء العلماء، كيف تجعل نفسك وصياً عليهم؟


لن أقول أى دين أو شريعة تلك؟ ولكن أى عقل هذا؟


فهل العلماء كلأ مستباح لكل جاهل أو غبى أو قليل الخبرة فهذا يشتمهم ويسبهم وذاك يكفرهم ويفجرهم ؟!.


تمر الذكريات والآلام وأتذكر اغتيال د.برهان الدين رباني”عالم أفغانستان الأول”
، إذ إنه أول أفغانى حصل على الدكتوراه فى الشريعة الإسلامية من جامعة الأزهر, عالم جاوز السبعين من عمره فكيف يطيب لشاب ينتمى لطالبان وأخواتها أن يفجر مثل هذا العالم، وخاصة أنه كان وقتها يقود جهود المصالحة والسلام فى أفغانستان.


كل هذه الذكريات الأليمة جالت بخاطرى اليوم وأنا أسمع محاولة اغتيال آثمة للعلامة الأصولى والفقيه د.على جمعة الذى جمع بين علوم الشريعة والعلوم المدنية جمعاً صحيحاً.


هؤلاء الذين حاولوا اغتياله تناسوا علمه وفضله وسبقه، تناسوا أنه من مؤسسى أقوى صروح الخير فى مصر وهي»مصر الخير» التى كان من أياديها البيضاء إطلاق سراح أكثر من ٣٠٠٠ غارمة, وكان صاحب هذه الفكرة الرائدة هو د.على جمعة فضلاً عن حسنات»مصر الخير» الكثيرة.


د.على جمعة كان دوماً يعطى كتبه مجاناً لكل طلبة الكلية, وكان يساعد الطلبة الفقراء, وله إسهامات فقهية كثيرة تحترم وتقدر, وله آراء سياسية وإنسانية قد تختلف معها أو تتفق، ولكن ليس من حقك أن تهيل التراب عليه أو تطعن فى دينه وشرفه، أو تسبه أو تكفره أو تفسقه, فضلاً عن أن تحاول اغتياله.


لم يقل أحد إن العلماء معصومون أو مقدسون أو لا يخطأون, ولكنهم فى كل حال هم حملة الدين ومبلغو الرسالات، وهم الدعاة والهداة, نأخذ أحسن ما عندهم, ونستغفر الله لهم فيما سوى ذلك, نحبهم حباً فى الله والدين, نودهم احتسابا لوجه الله حتى وإن قسا بعضهم علينا, هم بالنسبة لنا كالآباء, اللهم بارك لنا فى علمائنا وأصلح حالنا وحالهم، واهدنا جميعا سبل السلام.