الحكومة تحاول فرض سيطرتها.. والأرقام تكشف حجم الكارثة: الاستيراد العشوائى.. معركة «الدولار» المؤجلة!

10/08/2016 - 12:49:47

تحقيق: أحمد جمعة - أميرة جاد

«الاستيراد العشوائى، السلع الاستفزازية، السلع الكمالية, السلع الرفاهية» مصطلحات استخدمت مؤخرا للإشارة بوضوح إلى أبرز المتهمين المتصدرين أزمة نقص العملة الدولارية فى السوق الرسمية واشتعال المضاربات عليه فى السوق السوداء، ما أدى إلى ارتفاع سعره فى مواجهة العملة المحلية (الجنيه) مسجلا ١٣ جنيها فى بعض الأحيان ومستقرا عند ١٢ جنيها خلال الأيام القليلة الماضية.


«الاستيراد العشوائى» الذى أشار إليه فى وقت سابق كل من رئيس مجلس الوزراء، المهندس شريف إسماعيل، ومحافظ البنك المركزى، طارق عامر، كونه واحدا من الأسباب الرئيسية فى تفاقم أزمة «العملة الأجنبية»، من واقع الأرقام الرسمية التى حصلت عليها «المصور» من واقع بيانات قطاع التجارة الخارجية التابع لوزارة الصناعة والتجارة الخارجية عن استنزاف الموارد الدولارية لمصر سواء من داخل الجهاز المصرفى أو من خارجه فى استيراد سلع استفزازية وسلع أخرى يوجد لها بديل محلى، وسلع ثالثة يمكن الاستغناء عنها.


البيانات تؤكد أيضا أن المصريين استوردوا خلال العام الماضى ٢٠١٥ أحجارا كريمة وحٌلى بـ٧٠٧ ملايين جنيه، فى مقابل ٣٣٠ مليون جنيه لنفس السلعة خلال عام ٢٠١١ أى أن إجمالى ما تم استيراده من حلى واحجار كريمة خلال ٢٠١٥ تضاعف فى أقل من ٤ سنوات فى عمر الاقتصاد يمكن القول أنها «سنوات عجاف» من العملة الاجنبية.


فى ذات السياق أشارت احصائيات التجارة الخارجية إلى أن القاهرة استوردت منظفات بمليار جنيه و٤٤٥ مليون جنيه بانخفاض قدره ٢١١ مليون جنيه عن الاجمالى الذى تم استيراده خلال العام ٢٠١١ والذى سجل نحو مليار و٦٥٦ مليون جنيه، فى حين سجلت الواردات من أدوات المطبخ خلال ٢٠١٥ نحو ٣٣ مليون جنيه.


ووفقا للاحصائيات ذاتها يتضح أن الواردات المدرجة فى قطاع الملابس والمنسوجات استنزفت إيرادات العملة الصعبة من السوق، إذ سجلت الواردات من الملابس الرسمية نحو مليار جنيه و٧٧٣ مليون جنيه خلال ٢٠١٥ فى مقابل مليار جنيه و٢٥٨ مليون جنيه خلال العام ٢٠١١، لتسجل ارتفاعا قدره ٥٢٥ مليون جنيه، فيما قفزت الواردات من ملابس الاطفال قفزة غير منطقية حيث سجلت واردات مصر من ملابس الاطفال نحو مليار و٢٤٥ مليون جنيه خلال ٢٠١٥ فى مقابل نحو ٢٧٩ اجمالى الواردات من ملابس الاطفال خلال ٢٠١١.


وفى نفس الاطار السلعى للملابس والمنسوجات تكشف البيانات أن المصريين استوردوا ملابس داخلية وأثواب نوم بنحو مليار جنيه خلال ٢٠١٥، مسجلة ارتفاعا بلغ ٧٥٥ مليون جنيه عن اجمالى واردات ٢٠١١ من الملابس الداخلية وأثواب النوم والتى سجلت وقتها نحو ٢٤٠ مليون جنيه فقط.


أما الملابس غير الرسمية فقد سجلت وارداتها خلال العام ٢٠١٥ نحو ٣٣٦ مليون جنيه بارتفاع قدره نحو ١٥٩ مليون جنيه عن إجمالى واردات نفس السلعة خلال ٢٠١١.


وفى نفس السياق سجلت الواردات من الملابس الرياضية نحو ٨٥ مليون جنيه خلال ٢٠١٥ فى مقابل نحو ٥١ مليون جنيه أما بقية أنواع الملابس الجاهزة المستوردة فسجلت نحو ٤٥ مليون جنيه خلال ٢٠١٥.


استنزاف الموارد الدولارية من داخل القطاع المصرفى أو خارجه لم يقتصر على الملابس الجاهزة والحلى والاحجار الكريمة والمنظفات، لكنه امتد ليشمل المفروشات والانسجة الاخرى، إذ تكشف البيانات أنه تم استيراد بياضات أسرة وموائد خلال ٢٠١٥ بنحو ١٧٩ مليون جنيه فيما بلغت واردات البطاطين خلال ٢٠١٥ نحو ١٦١ مليون جنيه.


وفيما يتعلق بالأطعمة والمشروبات المستوردة من الخارج، أوضحت بيانات «التجارة الخارجية» أنه تم استيراد فول سودانى بما يقارب مليارى جنيه خلال ٢٠١٥، فى حين سجلت واردات المكسرات نحو ٢٥٦ مليون جنيه، أما البهارات فاستوردت مصر منها ٣٤٦ مليون جنيه، وسجلت عمليات استيراد الشيكولاتة - بخلاف البيضاء منها- مبلغ ١٧٤ مليون جنيه.


 الأرقام ذاتها أشارت أيضا إلى أن إجمالى الواردات من الفاكهة بلغ نحو مليار و٨٣٩ مليون جنيه خلال نفس العام أما الفاكهة المجففة فسجلت الواردات منها نحو ١٨٩ مليون جنيه.


وعلى صعيد متصل بقطاع الأغذية كشفت بيانات التجارة الخارجية أن مصر استوردت جبن رومى بـ١٧١ مليون جنيه خلال ٢٠١٥ بالإضافة إلى جبن مطبوخ بـ٨٤ مليون جنيه وجبن بيضاء بـ ١٤ مليون جنيه وشيبسى بـ ٣٤ مليون جنيه وبقية نوعيات الأجبان بلغت فاتورة الواردات منها ١٤٧ مليون جنيه، وكانت المفاجأة دخول «المربى» ضمن القائمة السلعية التى تستنزف الدولار، إذ تم استيراد مربى خلال ٢٠١٥ بنحو ٣٤ مليون جنيه.


كما كشفت بيانات التجارة الخارجية أنه تم استيراد «شاى» بنحو مليار و٢٣٩ مليون جنيه خلال ٢٠١٥ بيما بلغت واردات التبغ نحو ٧٦٧ مليون جنيه.


«عبثية الاستيراد» وصلت لحد الأحذية والمصنوعات الجلدية التى بلغ إجمالى ما تستورده مصر منها خلال ٢٠١٥ ما يقرب من مليار جنيه.


ووفقا لآخر بيانات صادرة عن الجهاز المركزى للتعبئة العامة والاحصاء فإن واردات مصر من لعب الاطفال بلغت نحو نصف مليار جنيه خلال الأشهر الثمانية الأولى فقط من ٢٠١٥ .


وكشفت تقديرات الجهاز المركزى للإحصاء، أنه استوردت مصر طعام القطط والكلاب بقيمة ١٥٣ مليون دولار، وجمبرى جامبو وكافيار بمبلغ ٧٨ مليون دولار، وياميش رمضان بنحو ١٠٤ ملايين دولار، ولحوم طاووس وغزلان ونعام - وما فى حكمها- بنحو ٩٥ مليون دولار، وسيارات للسباق، وسيارات لملاعب الجولف، والبيتش باجى، وما فى حكمها بنحو ٦٠٠ مليون دولار.


 الإسهاب فى استيراد السلع التى لها بديل محلى والاستفزازية والكمالية والذى أدى إلى استنزاف العملة الاجنبية الواردة لمصر دفع رئيس الجمهورية، عبد الفتاح السيسي، لإصدار قرار جمهورى بداية العام الجارى لوقف نزيف العملة الأجنبية من خلال استيراد السلع الكمالية التى لها بديل محلى، حيث صدر القرار الجمهورى رقم ٢٥ لسنة ٢٠١٦ بشأن تعديل بعض فئات التعريفة الجمركية الواردة بقرار رئيس الجمهورية رقم ١٨٤ لسنة ٢٠١٣.


وتضمن القرار رفع الجمارك على مجموعة كبيرة من السلع الغذائية والأجهزة الكهربائية والملابس والأرضيات، رفعت رسومها الجمركية بنسب تصل إلى ٤٠٪.


كما تضمن القرار تحديد التعريفة الجمركية على بعض أنواع المكسرات بنسبة ٢٠٪‏، وبعض أنواع الفاكهة بنسب تتراوح بين ٢٠ و٤٠٪‏، وبعض أنواع السكر بنسبة ٢٠٪‏، وأغذية الكلاب والقطط بنسبة ٤٠٪‏، والعطور ومستحضرات التجميل بنسبة ٤٠٪‏، وبعض الأحذية والملابس بنسبة ٤٠٪‏، وبعض الأجهزة الكهربائية من مراوح وثلاجات وتكييفات وسخانات ومكاوى وأفران وراديو كاسيت ومشغلات إسطوانات وأثاث وأجهزة ألعاب الفيديو بنسبة ٤٠٪‏.


والآن وبعد مرور نحو ٧ أشهر على قرار زيادة الجمارك سجلت هذه المجموعات السلعية انخفاضا طفيفا فى مقابل زيادات هائلة فى أسعار هذه المجموعات السلعية ومع استمرار استيرادها واستنزافها للموارد الدولارية لمصر، وهو ما تؤكده بيانات الميزان التجارى عن شهر مايو ٢٠١٦، والتى أكدت انخفاض قيمة الواردات بنسبة ١٣.٣ ٪، وأرجعت ذلك إلى انخفاض قيمة واردات بعض السلع وأهمها: منتجات بترولية بنسبة ٣.٩٪ مواد أولية من حديد أو صلب بنسبة ٢٤.٤٪ سيارات ركوب بنسبة ٣.١٪ لدائن بأشكالها «بلاستيك بأشكاله الاولية» بنسبة ٧.٢ ٪.


بينما ارتفعت قيمة واردات بعض السلع خلال شهر مايو ٢٠١٦ مقابل مثيلاتها لنفس الشهر من العام السابق.


المؤشرات التى يعكسها ميزان المدفوعات عن شهر مايو تؤكد انخفاض الواردات لسلع بترولية بسبب انخفاض قيمة النفط، لكنها لم تذكر من قريب أو بعيد تراجع أى مجموعة سلعية كمالية أو تكملية، الأمر الذى يؤكد أن رفع الجمارك على السلع الاستفزازية ليس الحل الأمثل لاستنزاف الدولار فى مثل هذه السلع، وهو رأى اتفق معه د. مصطفى النشرتى، أستاذ التمويل والاستثمار بجامعة السادس من أكتوبر، بقوله: الحل ليس فى رفع الجمارك على الواردات، وإنما بصدور قرار حظرها بشكل نهائى وتشديد العقوبات على استيرادها بغرامات باهظة، كما أن رفع الجمارك على السلع الاستفزازية والكمالية لن يخفض استيرادها، نظرا لأن الاغنياء فقط هم القادرون على شرائها وطالما هم قادرون على دفع ثمنها فسيستمر الطلب عليها.


د.»النشرتى» تابع قائلا: عدم إدراج السلع الكمالية على القائمة السلعية للبنوك لتمويلها لن يكون حلا نظرا لان المستوردين لهذه السلع يحصلون على الدولار من السوق السوداء لاستيرادها وهو ما يخلق حالة المضاربة ويرفع الاسعار فى السوق الموازية وبالتبعية ترتفع أسعار السلع المثيلة محليا، ويجب أن نضع فى الاعتبار أن حظر السلع الكمالية سيؤدى إلى انعاش المنتج المحلى وزيادة معدلات الانتاج وفرص التشغيل بالتبعية.


من جانبها.. انتقدت د. يمن الحماقى، رئيس قسم الاقتصاد السابق، جامعة عين شمس، تصريحات رئيس الوزراء، وقالت: «كنت أتمنى من الدكتور شريف إسماعيل بدلا من القول بوقف الاستيراد العشوائى أن يحدد بوضوح السياسة التجارية لمصر، معنى أن هناك استيراد عشوائى فهذا يعنى أن هناك تهريبا، فالحكومة نفسها تسعى لمنع التهريب لأننا نعلم أن التهريب يؤثر سلبًا على الصناعة المصرية بشكل كبير، وبالتالى من هنا يأتى عتابى على رئيس الحكومة ولا يجوز أن يقول الاستيراد العشوائى لأن هذه مسئوليته».


وذكرت أن قرارات وزير التجارة التى اتخذها خلال الفترة الماضية جعلت المنتجين بالماركات الأجنية هم وحدهم الذين يصدرون إلى مصر، وبالتالى من يصدر بالماركات تكون أسعاره مرتفعة فى وقت ترتفع فيه قيمة العملة المحلية، ومن ثم ارتفعت الأسعار.


«استيراد السلع الكمالية لا يُسمى استيرادا عشوائيا»، أمر ثان تطرقت إليه د. يمن، التى أكملت بقولها: المستوردون يستوردون السلعة التى عليها طلب، وتلك الفئات لا تستنزف الكثير من الدولارات بالمقارنة بباقى الواردات، السؤال هل لو منعتهم من هذا سيقلل من الطلب على الدولار؟!


وعن التوفير الذى تحدث عنه وزير الصناعة عقبت، رئيس قسم الاقتصاد السابق، على حديث الوزير بقولها: هناك توفير حقيقى فى مصلحة الاقتصاد، لكن ماذا عن الخسائر؟.. الخسارة تكون هل من ضمن السلع المستوردة مكونات أم سلع نهائية، ولابد من النظر للسلع التى تم تقييدها وحساب المكسب والخسارة وهذا ضبط الواردات قليلا التى كانت فى اتجاه متزايد للغاية.


وأضافت: «استيراد عشوائى يعنى استيراد خارج النطاق الشرعى، أى دولة طالما السلعة موجودة على قوائم الاستيراد والتصدير وفقا لمنظمة التجارة العالمية، ووفقا لنظام الكود الخاص بها فى الواردات والصادرات فمن المفترض أن تدخل مصر، ونتيجة أن مصر موقعة على اتفاقية حرية التجارة فالمفروض هناك فرصة لسهولة الاستيراد والتصدير، والسلع التى تدخل خارج المنافذ الشرعية هذا ما نسميه استيرادا عشوائيا، وضبط المنافذ مسئولية الدولة، وفيما عدا هذا فالذى يحكم الاستيراد والتصدير ما يُسمى بالسياسة التجارية، وعندما أتعامل مع هذه المواد أقول أننا كدولة سياستى أضع جمارك، مثلما أعفى بعض مكونات السلعة الصناعية التى أريد تشجيعها من الجمارك لكى يسهل دخلوها والتصدير مرة أخرى».


د. «يمن» طالبت - فى سياق حديثها، بفرض سياسة تجارية واضحة، وأردفت قائلة: مصر فى حاجة إلى سياسة تجارية تتفق مع خطتها الاقتصادية، والمفترض عندما أضع خطة أن نقول إننا نشجع التصدير وأنتج سلعة تحل محل الواردات، وهذه كل تجارب آسيا. ولابد من تشجيع التصدير، لا نقول تصدير السيارات لأننا لا نمتلك ميزة لهذا، بل نعمل على تشجيع السلع التى ننتجها بتكلفة صغيرة ونستطيع تصديرها ولنا ميزة نسبية فيها وفقا للدراسات لدينا ميزة فى الملابس الجاهزة، والمفروشات كلها وقماش التجنيد، والجلود، والصناعات الغذائية، والأثاث، ومن ثم يمكن أن نشجع دخول الماكينات بدون جمارك ونحمى الإنتاج حتى يكون قابلا للتصدير بكفاءة عالية، ثم فتح باب الاستيراد وهنا نكون قد دعمنا تنافسية الصناعة وليس عن طريق الإعانات التى فرضتها الحكومة بواقع ٢.٥ مليار جنيه، ثم الحديث عن دعم مصانع الحديد.


د. يمن الحماقى، اختتمت حديثها بقولها: كل فترة تخرج موجة إعلانية أننا نستورد أشياء بدون أهمية، ومن ثم نضع ضوابط على الاستيراد، هل هذه الضوابط بقواعد وأسس؟.. الإجابة لا.. فالضوابط التى وضعتها الحكومة على استيراد التكييفات جعلت المنتجين المصريين يحتكرون هذه الصناعة وزادت الأسعار٣ أضعاف، وبالتالى ثبت عدم جدوى وخطأ هذه السياسة فى التعامل مع الأمر.


فى المقابل قال د. رشاد عبده، رئيس منتدى الدراسات الاقتصادية: أصبح أمرا ضروريا وضع قيود جدية لعملية استيراد هذه النوعية من السلع الكمالية، ليتكمن الاقتصاد المصرى من استيراد عافيته، وفى الوقت ذاته تقليل آثار الأزمة التى خلقها عدم توافر العملة الأجنبية (الدولار).


رئيس منتدى الدراسات الاقتصادية، أكمل بقوله: فى مقابل أمر وضع القيود، يجب العمل أيضا على زيادة وعى المواطن بضرورة تفضيل المنتج المصرى، وبالتالى سيضطر المستورد للتوقف عن استيراد السلع التى لا يوجد عليها طلب، وأذكر أنه أثناء الأزمة الاقتصادية التى ضربت الولايات المتحدة الأمريكية، خرج الرئيس الأمريكى ليطالب فى خطاب رسمى الشعب بضرورة عدم شراء المنتجات المستوردة، وشراء المنتجات المحلية لكى يصبح هناك طلب عليها وتعمل المصانع بكامل طاقتها ولا تطرد العمالة والبورصة ترتفع ويتم تشغيل جميع خطوط الانتاج.


د. رشاد عبده، أنهى حديثه بقوله: الأزمة فى مصر أن الحكومة ضعيفة ولا تعبر عن الناس، ولا تمتلك المصداقية الكافية لأن يصدق المواطنون حديثها وتصريحات رجالها، وبالتالى فإن أية تصريحات تخرج عن رئيس الوزراء للمطالبة بالتوقف عن الاستيراد العشوائى لا يكون هناك صدى مناسب لها.