طروحات أو خصخصة.. كله بيع

10/08/2016 - 12:36:06

بقلم - نجوان عبد اللطيف

أعلن بنك القاهرة أحد بنوك القطاع العام المملوكة للدولة أنه حقق أرباحا تجاوزت ٢مليار و٨٠٠ مليون جنيه بنهاية ديسمبر ٢٠١٥ محققًا طفرة كبيرة مقارنة بـ٢ مليار ومائة مليون أرباحه فى العام المالى ل٢٠١٤كما حصل البنك على أعلى تصنيفات مصرفية فى مجالات عدة وفقا لتقارير بعض الصحف الاقتصادية الأجنبية المهمة.


تزامن هذا الإعلان مع تصريحات بعض المسئولين عن برنامج الطروحات «اسم الدلع للخصخصة «حيث أعلنت وزارة الاستثمار بدء اجتماعات ممثلى الوزارة مع شركة «إن أى كابيتال» وممثلى وزارة البترول لدراسة عملية طرح بعض مما تمتلكه الدولة فى شركات البترول الاستثمارية والشركات المقترحة كما أعلن من عدة شهور وزير البترول «ميدور» و»جازكول» و» موبكو «و»النيل للتسويق «وقالت داليا خورشيد وزيرة الاستثمار أن برنامج الطروحات يهدف لتوسيع قاعدة الملكية وتحسين أداء الشركات وتنويع مواردها وإنعاش حركة التداول فى البورصة، وأكدت د. داليا خورشيد فى تصريح لها أن الوزارة وضعت برنامجا للطروحات للشركات العامة بالبورصة المصرية خلال فترة ٣ إلى ٥ سنوات، وأن حجم الاستثمارات غير المباشرة المتوقعة خلال برنامج الطروحات تتراوح ما بين ٥ و١٠ مليارات دولار خلال تلك الفترة.


وكان طارق عامر محافظ البنك المركزى قد أعلن فى شهر يناير الماضى اتجاه الدولة إلى طرح ٢٠٪ من بنك القاهرة و٢٠٪ من حصة الدولة فى البنك العربى الإفريقى، التى تمثل ٤٠٪ و٢٠٪ من الشريك الكويتى لمستثمر استراتيجى.


بينما صرح د. أشرف الشرقاوى وزير قطاع الأعمال العام الذى يتبعه ٨ شركات قابضة تضم ١٢٥ شركة قطاع عام فى حوار صحفى أن «طرح الشركات فى البورصة مش عيب « وهو قرار استثماري وليس إداريًا، وأشار الوزير الذى تم استحداث وزارته فى الوزارة الأخيرة أن برنامج الطروحات لوزارة الاستثمار لا يشمل شركات قطاع الأعمال العام، وأن هناك ٦٨ شركة خاسرة تعوق عملية الطرح فى البورصة، التى يلزم القانون أن تكون الشركات المطروحة رابحة ولن تطرح الشركات إلا بعد هيكلتها، وأشار الوزير لسعى الوزارة لتطوير الشركات أنه يتزامن مع التطوير الفنى إعادة هيكلة إدارية واستغلال الأصول غير المستغلة سواء كانت عقارات أو أراضى أو خطوط إنتاج أو مخازن. 


وأنه لن يترك أصلًا من هذه الأصول بدون استغلال لأنه مع الاستفادة من هذه الأصول سيتم توفير إيرادات للصرف على أعمال التطوير. 


الكل يعرف أن من شروط حصول مصر على قرض صندوق النقد الدولى ١٢ مليار دولار، أن يشمل برنامج مصر الاقتصادى خصخصة شركات قطاع العمال العام لن الصندوق يهدف إلى زيادة دور القطاع الخاص، وسيطرته على الناتج القومى للبلاد، وأن تصريحات المسؤولين عن الطروحات أو الخصخصة تجددت مع وصول بعثة صندوق النقد الدولى إلى القاهرة الجمعة قبل الماضى، حيث بدا أن كل أفراد الحكومة يعملون بجد واجتهاد لاكتساب رضا بعثة الصندوق، كى تمنح مصر القرض الكبير، الذى يمثل من وجهة نظرهم الأمل الوحيد لإنقاذ الاقتصاد المصرى المتعثر ! وكأن حكومتنا الرشيدة لم تع أيا من دروس الماضى.


الدولة المصرية كانت تمتلك ٣١٤ شركة قطاع عام تابعة لـ٢٧ شركة قابضة قبل بداية تطبيق برنامج الخصخصة عام ١٩٩٠ وفقا لروشتة الصندوق، والتى اعترضت فى البدايات على تباطؤ البرنامج، ثم سارعت الدولة فى خطاها لتصبح حصيلة البيع حتى ٢٠٠٦ حوالى ٣٨ مليار جنيه، ومعذلك لم تستغل هذه الأموال الاستخدام الأمثل فى التنمية، بينما شاب عمليات الخصخصة فساد كبير أدى إلى ضياع شركات كانت تدر أرباحا هائلة على الدولة مثل الأسمنت والحديد والأسمدة، والتى احتكرها عدد محدود من الأجانب ومن رجال مبارك، لتتجاوز أرباحهم أكثر من ٥٠٠٪ فى بعض الأحيان، ولتشعل السوق المصرى بأسعار مبالغ فيها، كما أن نظام مبارك أصر على بيع الشركات الرابحة بدلا من المتعثرة، بل وقام بعمليات إعادة هيكلة وتطهير للشركات المبيعة، ليحصل عليها القطاع الخاص شركات رابحة خالصة من الديون تدر أرباحًا دون أى مجهود بل أن عمليات البيع التى تمت بأقل من السعر الحقيقى للشركات سمحت للمشترين بيع أصول هذه الشركات من أراضى ومبانى جمعوا من خلالها مليارات، وكثير منها أغلقوا مصانع وقضوا على صناعات، مثل شركة طنطا للكتان التى كانت تصدر معظم إنتاجها للخارج، والتى أغلقها المستثمر السعودى وتم تسريح عمالها، وفندق الميريديان الشهير الذى قرر مشتريه إغلاقه بالكامل ومازال لسنوات تجاوزت العشرين دون أسباب، وقت كان الحصول على غرفة فندقية على نيل القاهرة أمر صعب المنال,


وطبقًا للعديد من الدراسات تم تخفيض العمالة فى الشركات المبيعة إلى الربع، دون أن يحصل العمال على أدنى حقوقهم، لتضيف هذه الشركات أرقامًا جديدة لطابور المتعطلين عن العمل.


وكانت فضيحة بيع بنك الإسكندرية أحد البنوك العامة الأربعة بمبلغ زهيد لمستثمر إيطالى، بعد أن قامت الدولة بسداد مديونياته، مع أن نشاط البنك مستمر والمفترض أن يباع بديونه، وهو صاحب الاسم الشهير وعملاء تجاوزوا المليون وفروع فى كل أنحاء الجمهورية وأرباح بمئات الملايين.


عندما شرعت دولة مبارك بالإعداد لبيع بنك القاهرة، كانت غضبة العوام والقوى السياسية هى العصا، التى انكسرت عليها محاولة الدولة لبيعه، بينما تسعى حكومتنا الرشيدة إلى خصخصة البنك الذى يدر عليها أرباحًا تكاد تكمل المليار الثالث من الجنيهات، وفى الغالب ستبيع هذه الحصة ٢٠٪ إلى مستثمر أجنبى واحد طمعًا فى سداد مبلغ البيع بالدولارات، بينما سيقوم هذا المستثمر فيما بعد بتحويل أرباحه إلى دولارات خارج مصر طبقًا لقانون الاستثمار، بل وسيصبح لزامًا على البنك المركزى توفير الدولارات له.. بينما كل الدراسات تؤكد أهمية سيطرة الدولة على القطاع المصرفى للأمن القومى وعدم السماح للأجانب بفرض سيطرتهم عليه.


وبينما شكونا من بيع الحكومة لشركات الأسمنت الرابحة، والتى أصبحت الكلمة العليا فيها للجانب، يتردد عن بيع عن طريق طرح الأسهم للشركة القومية للأسمنت، التى تكبلها الدولة بسعر أقل بكثير من سعر السوق لتوفير احتياجاتها، وكذلك شركة الأسمدة، وكأن لزامًا علينا أن ندور مرة أخرى فى حلقة الخصخصة الفاسدة أو الطروحات فى البورصة أيًا كانت المسميات، مرة أخرى مهما كانت الحاجة لقرض الصندوق، والتى أعتقد أن السبب فى تدهور الأوضاع إلى هذا الحد هو فساد وجهل الإدارة فى الدولة، والتى لم تحدد الأولويات بما يخدم المصلحة العامة، ولم تدر مواردها بما يعظمها ويقلل الإنفاق، فكان الغرق فى بحر الديون، والانصياع لشروط الصندوق، بعض الأحزاب مثل الحزب الاشتراكى أصدرت بيانات تندد بقرض الصندوق واللجوء للخصخصة عن طريق الطرح التدريجى فى البورصة، وأساتذة الاقتصاد من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال يحذرون، والتكرار يعلم الشطار.. اتعلموا.