تقرير خطير ورفيع المستوى عن تدهور العلاقات مع أنقرة (١ -٢) «الأمن القومى الأمريكى» يطالب بالاستعداد لـ«الأسوأ» مع تركيا

10/08/2016 - 11:29:13

بقلم - السيد عبد الفتاح

لم يعد هناك أدنى شك فى أن العلاقات الاستراتيجية التاريخية بين الولايات المتحدة وتركيا، تتجه بسرعة كبيرة نحو الخصام وربما «الانفصال» بعد عقود طويلة من التحالف الاستراتيجى على مختلف المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية. وقد كشف الانقلاب العسكرى الفاشل الأخير فى تركيا عن حقيقة «الهوة» بين واشنطن وأنقرة، وهو ما ظهر فى الاتهامات التركية المباشرة للولايات المتحدة، بالتورط فى المحاولة الانقلابية،


وما تنشره الصحف التركية من أدلة وتقارير تؤكد هذا التورط، ما ينذر بأن البرود الذى اعترى العلاقات بين الدولتين فى الشهور الماضية، يتحول تدريجيا إلى جفاء وخصام، خاصة مع توتر العلاقات المستمر والذى مثل الانقلاب الأخير قمته، بعد سلسلة توترات ناتجة عن اختلاف المواقف والرؤى والأجندات بين الطرفين فى عدد غير محدود من الملفات والقضايا، منها الموقف من الأزمة السورية، وتخلى الولايات المتحدة عن دعم الموقف التركى بإسقاط الرئيس السورى بشار الأسد، ودعم الجماعات المسلحة المقربة من تركيا التى يساندها بقوة الرئيس التركى أردوغان ونظام حكمه. ومنها كذلك الموقف من أكراد سوريا، ففى حين تراهم تركيا خطرا كبيرا على أمنها القومى، خاصة مع وصولهم إلى الحدود المباشرة لها، فإن الولايات المتحدة يبدو أنها «تخلت» عن حليفها التركى القديم فى هذا الأمر، بادئة بالوقوف على الحياد والصمت، ثم انتقلت إلى مرحلة عرقلة مخططات أنقرة تجاه الأكراد، لتصل إلى أبعد من ذلك، بالتحالف مع الأكراد وقدمت لهم مساعدات عسكرية ضخمة فى معاركهم مع تنظيم داعش، ما مكنهم من إحراز انتصارات متوالية على التنظيم، وتحرير مساحات كبيرة من الأراضى كانت تحت سيطرته، وجاء هذا التغيير الكبير فى الموقف الأمريكى من الأكراد بعد أن تيقنت الولايات المتحدة من الدور الكبير الذى يقوم به الأكراد فى التصدى لداعش، وفى الحرب ضده وغيره من التنظيمات المتطرفة المسلحة. وهو موقف يعد تحولا لافتا وذا دلالات متعددة من أمريكا تجاه حليفها التقليدى تركيا، ما جعل الأخيرة تصنف هذا الموقف بـ»العدائي»، لتبدأ بسببه ومعه عدد من الأسباب الأخرى، فى صياغة استراتيجية جديدة للتعامل مع الأزمة السورية، بدأتها بـ«تلطيف» أجواء العلاقات مع روسيا، التى تدهورت إلى حد كبير وهددت بحدوث صدام مسلح، عقب إسقاط سلاح الجو التركى إحدى الطائرات الحربية الروسية. فسارعت أنقرة إلى التقارب مع موسكو لتبعث برسالة إلى واشنطن بأنها هى الأخرى يمكنها إجراء تحولات فى تحالفاتها. وهو أمر أزعج الإدارة الأمريكية. بالإضافة إلى ذلك شرع النظام التركى فى تخفيف حدة موقفه من النظام السوري، ليس هذا فقط بل إنه ـ النظام التركى ـ أجرى لقاءات سرية مع أركان فى النظام السورى فى الجزائر بمراقبة وترحيب إيراني، تستهدف الاتفاق حول المواقف من الأكراد وطموحاتهم فى سوريا.كل ماسبق وغيره يؤكد أن المسافة تتسع بين الحليفين القديمين، وأن المواقف تتباعد ولم تعد تتطابق، بل إنها أصبحت متعارضة ومتقاطعة.


ولعل هذا ما سبق وأن أشار إليه وتوقعه تقرير سابق أعده مركز سياسات الحزبين الأمريكي، المرتبط بدوائر الحكم والقرار فى الولايات المتحدة، حول تزايد حالة اللاثقة فى الحليف التركي. وقبل أيام من وقوع الانقلاب الفاشل فى تركيا، أعد المركز تقريرا لحساب برنامج الأمن القومى الأمريكى حول العلاقات مع تركيا، انتهى فيه إلى تدهور هذه العلاقات بسبب سياسات نظام حزب العدالة والتنمية، ما باعد المسافة بين الطرفين، إلى الحد الذى لم تعد فيه مصالح مشتركة بينهما، مع قلق أمريكى متزايد وشكوك متنامية تجاه النظام التركى وتطلعاته وممارساته الداخلية والخارجية، وطالب التقرير الإدارة الأمريكية بالاستعداد لما هو أسوأ فى العلاقة مع تركيا.


وفى هذا العدد والعدد القادم ننشر ملخصا «نصيا» للتقرير الخطير الذى تم إعداده خصيصا لبرنامج الأمن القومى الأمريكي، وترأسه سفيران أمريكيان سابقان فى تركيا هما مورتون أبرامويتز، وإيريك إيدلمان.


وشارك فى إعداده فريق من الأكاديميين والعسكريين والدبلوماسيين والبرلمانيين، منهمهنرى باركى بمركز ويلسون للدراسات بجامعة لاهاي، سفانتى كورنيل، مدير البحوث لدى المعهد المركزى لأسيا والقوقاز، والسفيرة باولا دوبرينسكي، وكيلة وزارة الخارجية الأمريكية للشئون العالمية، وجون هانا، المساعد السابق لنائب الرئيس الأمريكى المختص بشئون الأمن القومي، وخليل كرافيلي، زميل كبير فى برنامج الدراسات لدى المعهد المركزى لأسيا والقوقاز، وآرون لوبل مؤسس ورئيس شبكة أمريكابوردالإعلامية،وألان ماكوفسكي،العضو السابق فى لجنة الشئون الخارجية بالكونجرس، والأدميرال جريجورى جونسون، القائد السابق للقوات البحرية الأمريكية. والجنرال تشارلز والد، النائب السابق لقائد القوات الأمريكية الأوربية.


يقول التقرير الذى ترجمه ونشره بالعربية، المركز الكردى للدراسات بألمانيا: «تتدهور الشراكة الأمريكية - التركية القوية والصلبة أكثر فأكثر، ويتم ذلك على نحو ثابت ومستمر إلى أن يصل للنقطة التى يبدو أن كلا البلدين لا يشتركان فيها بأى مصالح مشتركة ـ إن وجدت ـ بعد الآن.


حتى الآن، هنالك عدد لا يحصى من الشئون والأمور التى تقلق واشنطن والتى يمكن للمشرعين الأمريكيين وصناع القرار أن يخرجوها إلى العلن حول سلوك حكومة حزب العدالة والتنمية الحاكم فى تركيا، ابتداء من علاقتها مع أفرع وكتائب المجموعات المتطرفة فى سوريا، انتقالاً إلى الديمقراطية التى باتت تتدهور يوماً تلو الآخر،والأمر الذى يجب أن يقلق الجميع وهو الأقل نقاشاً وطرحاً فى واشنطن: تجدد الصراع بين تركيا وحزب العمال الكردستاني.


بدأ الاصطدام الأول بين الطرفين (واشنطن – أنقرة) منذُ خمس سنوات وبالتحديد عام ٢٠١١، وذلك حول أحقية واختيار مجموعات المعارضة السورية المناهضة للأسد، لتقديم الدعم لها، ما أدى إلى ظهور هوة واسعة بين البلدين فى السياسة الخارجية التى كانت متينة فى وقت ما.


بعد عامين من ذلك، وبالتحديد عندما قام الرئيس التركى رجب طيب أردوغان وبطريقة وحشية بقمع المظاهرات السلمية فى حديقة جيزى بمدينة إسطنبول، ازداد قلق صناع القرار الأمريكى على نحو متزايد حول وضع الديمقراطية التركية التى بدأت بالتآكل وظهور حكم الرجل الواحد المتمثل فى أردوغان. مع تزايد القلق حول الوضع فى تركيا، بقيت بقعة واحدة مضاءة نسبياً فى تركيا ألا وهي: مفاوضات السلام بين حزب العدالة والتنمية الحاكم وحزب العمال الكردستانى فى مسعى لإيجاد تسوية سلمية تنهى الصراع المستمر منذُ عقود طويلة. أعطى وصول حزب العدالة والتنمية للحكم قبل ما يزيد عن عقد من الزمن الأمل، حينما قدّم الحزب نفسه كقوة سياسية ليبرالية ديمقراطية متعهداً بكبح جماح الجيش التركى وإدخال البلاد إلى الاتحاد الأوربي. ولكن أدى انتهاج الحزب سلوكاً أكثر سلطوية، إلى تحول الاتفاق الذى عرضه أردوغان على الكرد إلى صفقة خاسرة: مساعدته فى الحصول على السلطة المطلقة مقابل تأمين درجة معينة من الحرية الثقافية والسياسية بالنسبة لهم. ولكن بدلاً عن ذلك، اختار السياسى الكردى صلاح الدين ديمرتاش وحزبه، حزب الشعوب الديمقراطية، فى سبيل إحقاق الحقوق الكردية، قيادة حملة ليبرالية ضد أردوغان وطموحاته الرئاسية فى ربيع عام.٢٠١٥ ظهور حزب الشعوب القوى فى الانتخابات البرلمانية التى جرت فى يونيو ٢٠١٥ ، منعت «العدالة والتنمية» مؤقتاً من تشكيل حكومة وحده، وهو الأمر الذى تغير لاحقاً فى انتخابات نوفمبر من العام نفسه.ولكن الآمال المعقودة من أجل تحقيق السلام سرعان ما تحطمت بعد استئناف العمليات العسكرية فى تموز العام الماضي.


الآن وبعد مقتل المئات، وجرح الآلاف وتشريد مئات الآلاف خلال المعارك التى تجرى منذُ عشرة أشهر، هنالك أسباب قليلة تدفعنا إلى الاعتقاد بأن الوضع الحالى سيتحسن. ويشير تحليل سياسى متعلق بالأوضاع الحالية التى تزداد شدتها وتضاءل إلى الديناميكيات فى الساحة التركية والدول المجاورة لها ستؤدى إلى اشتداد الصراع، من المحتمل أن يصل إلى أعلى درجاته والتى ستكون تكلفتها البشرية كبيرة كما جرى فى تسعينات القرن الفائت.


تاريخ الصراع بين الدولة التركية والكرد هو طويل ووحشى فى المرحلة التى سبقت صعود حزب العمال الكردستانى فى ثمانينيات القرن المنصرم. ويعود إلى الفترات المبكرة من تاريخ الجمهورية التركية وبالتحديد عام ١٩٢٣. وعندما خفت حدة الصراع، كما فى خمسينات القرن الماضى، حيث حدث ذلك فى لحظات الانفتاح الديمقراطى والتى استغلتها الأحزاب السياسية، سعياً منها فى كسب الأصوات الكردية فى الانتخابات ضد مؤسسات الدولة المتحصنة، تماما كما فعل حزب العدالة والتنمية فى عام ٢٠٠٣.وكلما اندلعت موجات العنف، كما حصل فى عشرينات وثمانينات القرن المنصرم، ترافق ذلك مع تزايد الاستبداد الذى كان يصر وبقوة على سحق المعارضة – سواء أكانت ضد الدولة التركية أو إيديولوجيتها القومية – وفى سبيل ذلك كان شبح الحرب الأهلية ذريعة مناسبة ومُقنعة حتى لشرعنة المزيد من العنف والقمع.


تلعب هذه التغييرات دوراً فعالاً فى المرحلة الحالية. وتؤثر طموحات الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان ضد طموحات الكرد فى تركيا بالحصول على الحكم الذاتى الذى يسعون إليه، فى حين تلعب استراتيجية المحاولة على إذعان الكرد عن طريق القوة دوراً وظيفياً فى كسب الناخبين القوميين والذين يعتمد أردوغان على دعمهم ليتمكن من تعديل الدستور التركي. كما يجعل الشقاق الحاصل فى المجتمع الكردى والحركة السياسية الكردية من فرص التسوية بين الدولة التركية والقيادة الكردية ضئيلة وغير قابلة للتحقق على نحو كبير. أظهرت الانتخابات التى جرت مؤخراً أن الاختلافات الإيديولوجية بين المجتمع الكردى فى تركيا لا تزال واضحة كما كانت فى ثمانينيات وتسعينيات القرن الفائت، فى حين ظهر توتر بين أطراف الحركة القومية الكردى نفسها، بين حزب الشعوب الديمقراطية، وزعيم حزب العمال الكردستانى المسجون فى جزيرة إمرالي، عبدالله أوجلان وبين قيادة حزب العمال فى جبال قنديل، وهو الأمر الذى أدى إلى زيادة الراديكالية لدى الشباب الكردى فى العديد من المدن الكردية. أضف إلى ذلك، هنالك مجموعة من المؤثرات الإضافية التى من الممكن أن تؤدى إلى توسع وإطالة القتال، كما ويمكن أن تتضمن زيادة فى عدم الثقة بسبب فشل المفاوضات السابقة وأكثر من أى شيء آخر، هنالك الحرب السورية. سيكون تفاقم الصراع الكردى – التركى مدمراً بالنسبة لتركيا، وبشكل خاص بعد التغييرات الجوهرية والانعكاس فى الجوانب الاقتصادية، السياسية، والاجتماعية خلال عقد ونصف من الزمن، وتغييرها عما كانت عليه من فترة مظلمة غير مستقرة، مشوهة بسبب التسلط والعنف والقمع السياسي.


لكن على أى حال، لن تكون المأساة فى تركيا وحدها، حيثُ سيفعل صنّاع القرار الأمريكى ما بوسعهم لمعرفة أبرز القضايا التى تقلقهم والمتعلقة بتدهور وضع تركيا متصلة بالصراع الكردى – التركي. أنقرة لن تصبح حليفاً وثيقاً يمكن الاعتماد عليه فى القتال ضد تنظيم «داعش» ولا حتى فى بناء مجتمع أكثر ديمقراطية إذا لم تكن قادرة، على الأقل، على الوصول إلى وقف إطلاق النار مع حزب العمال الكردستاني، وإيقاف اضطهاد السياسيين الأكراد والعودة إلى طاولة المفاوضات.


على النقيض من ذلك، تطلّعت واشنطن لمساعدة أنقرة للتخلص من جميع الديناميكيات والمتغيرات التى تقلق الولايات المتحدة ولاستئصال العنف الطائفى والعرقى على المستوى الإقليمى والذى يشبه الورم الخبيث فى جسد الإنسان، كما وتطلعت من أنقرة مساعدتها فى التعامل مع التدخلات الروسية والإيرانية، وكذلك طوفان اللاجئين المزعزع للاستقرار فى الاتحاد الأوربى – والعكس سيحدث إذا تورطت تركيا فى حرب أهلية متصاعدة. ولكن مع الولايات المتحدة الأمريكية التى تلتزم بالتنسيق مع كلا الطرفين (الكرد – الأتراك) فى حربها ضد تنظيم «داعش»، يهدد استمرار الصراع الكردى – التركى أو تصعيده إلى مستويات أخطر، وبشكل جدي، على المصالح الأمريكية الاستراتيجية فى الشرق الأوسط. إذ يحمل الصراع مخاطر أخرى أيضاً من شأنها أن تقوض التحالف بين الطرفين ما استمر سوء التفاهم وعدم معالجة الأمر، سيما أن هذا التطور جاء على خلفية العلاقات الأمريكية – التركية المتوترة سابقاً.


غياب أى تغيير فى المنطق والدوافع يصعّد الصراع بشكل حتمى – تغيير من غير المحتمل أن يتحقق فى هذه المرحلة – ومن المرجح أن يتحول الانقسام بين واشنطن وأنقرة قريباً إلى هوة لا يمكن تجاوزها. فالعوائق التى تمنع إعادة إحياء مفاوضات السلام أو على الأقل إعادة الطرفين إلى طاولة المفاوضات كبيرة ومهمة جداً. حتى الآن، وبالنظر إلى حجم، إذا ما لم تكن الخطوط العريضة للحل خارطة طريق لتحقيق الحل واضحاً، يتعين على الولايات المتحدة الأمريكية إضافة إلى جميع الفاعلين المؤثرين فى الحل، بذل كل ما بوسعهم لمنع احتدام الصراع بين الطرفين».