خروجا عن مبادئ الإسلام نكـــبة البرامـكـــة

10/08/2016 - 11:02:36

بقلم - رجائى عطية

كان البرامكة ، ومن قبل ولاية هارون الرشيد ، غرة فى جبين الدولة العباسية ، فقد خدمت هذه العائلة الدولة العباسية منذ بدايات نشأتها ، فكان الجد « خالد بن برمك » من كبار دعاتها وقادتها ، وتابع ابنه « يحيى بن خالد بن برمك » خدماته العريضة للدولـة ، وكـان « يحيى » أثيرًا لدى الخليفة « محمد المهدى » ، والقائم بأمر نجله هارون من طفولته ويفاعته ، فقد قامت زوجته على رضاعة الطفل الذى تزامن مولده مع مولد « الفضل بن يحيى » ،


وقيل إن زوجة يحيى والخيزران أم الرشيد ، تبادلتا إرضاع الرضيعين : هارون ، والفضل الذى ولد قبل هارون بسبعة أيام ، فنشأ الطفلان أخوين فى الرضاع ، وكان « يحيى بن خالد بن برمك » هو المعهود إليه بكفالة الرشيد وتربيته إلى أن شب ، وكان الرشيد يدعوه بأبى ، وقد بذل « يحيى » واجبات هذه الأبوة الروحية فى رعاية الرشيد والذود عنه ، وهو الذى تصدى لرغبات « موسى الهادى » فى عزله عن ولاية العهد التى عقدها لهما على التوالى أبوهما الخليفة « محمد المهدى » ، واستطاع الرجل أن يسكن لفترة هوى « موسى الهادى » فى عزل أخيه هارون ، ولما عاد « الهادى » واشتد فى طلب « الرشيد » بعد أن كثر تحريض البطانة عليه ، لجأ « يحيى » إلى الحيلة ليخلص « الرشيد » من توابع هذه الملاحقة ، فأشار عليه أن يستأذن أخاه « الهادى » فى الخروج إلى الصيد حتى تهدأ الأمور , فعمل الرشيد بمشورته وأذن له أخوه , إلاَّ أن « الهادى » الذى أعطى أذنيه لحاشيته ، عاد يطلب من الرشيد العودة ، فلما أبطأ أخذ الهادى يظهر التحقير له والاستهانة به ، وشتمه ، حتى أطلق قواده ومواليه ألسنتهم فى الرشيد ، وانقلب « موسى الهادى » على « يحيى البرمكى » وأودعه السجن جزاء مساندته للرشيد ، ولكن وفاة « الهادى » ردت إليه حريته ، وخرج « يحيى » من السجن ليمهد كل السبل ويهيئ الكتّاب والعمال للرشيد لولاية الخلافة التى أتته تسعى بعد أن كان قد تعرض للعزل والقتل !أما هارون ، فقد قابل وفاء يحيى بوفاءٍ وتقدير ، وهو تقدير يصادف جملة ما كان ليحيى من مكانة وكفاءة ، فقلده وزارة التفويض أولاً ، حيث كانت الوزارة فى الدولة آنذاك على ضربين : وزارة تفويض ، ووزارة تنفيذ .. وكان الوزير المفوض صاحب سلطات واسعة ، يستطيع أن يتخذ ما يراه من قرارات من غير أن يرجع إلى الخليفة ، ثم ضم الرشيد إلى يحيى وزارة الخاتم أو وزارة التنفيذ ، فاجتمعت له الوزارتان .


وكرَّس يحيى البرمكى وأبناؤه الأربعة الفضل وجعفر وموسى ومحمد ـ أنفسهم لخدمة الرشيد ، وكانوا جميعًا على حنكة ودراية ، وتقاسموا الصفات الطيبة التى تحتاجها الدولة ، فكان الفضل أخا الرشيد فى الرضاعة ، وأكبر أخوته ، كان نجيبًا متعدد المواهب ، ينوب عن والده وعن الخليفة فى جلائل الأعمال ، وولاه الرشيد الخروج بالجيش إلى الديلم لتصفيته أمر « يحيى بن عبد الله بن الحسن العلوى » ، ونجح الفضل فى مهمته ، وأتى بيحيى بن عبد الله العلوى معه إلى بغداد ، بعد أن أقنعه بالتصالح والنزول على أوامر الخليفة ، وهو التصالح الذى سرَّ به الرشيد وأعطى عنه الأمان ليحيى بن عبد الله العلوى على ما مرّ بنا ، مما زاد من تقدير الرشيد للفضل بن يحيى ، فولاه كور الجبال والرى وجرمان وطبرستان وقومس ودنباوند والريان ، وفى سنة ١٧٨ هـ ولاه خراسان وثغورها فأحسن السيرة فيها ، وظهرت كفاءته فى جميع الأعمال التى أسندت إليه .


أما الابن التالى « جعفر بن يحيى » ، الذى كان حِبِّ الرشيد وصديقه المقرب ، المشارك له فى مجالس أنسه ، فكان بعيد الهمة جليل المنزلة ، على قدر كبير من الجود والكرم والسخاء ، وعلى قدر كبير أيضًا من الحصافة والبلاغة ، وقد نقل إليه الرشيد ديوان الخاتم الذى كان مع أخيه « الفضل بن يحيى » ، وولاه مصر سنة ١٧٦ هـ إضافة إلى ما كان مكلفًا به من أعمال ، وأشخصه سنة ١٨٠ هـ لمواجهة العصبية التى شجرت بالشام ، فنجح فى مهمته وأصلح بين الناس الذين عادوا إلى الأمن والطمأنينة قبل أن يكر « جعفر » عائدًا إلى بغداد مدينة السلام بعد أن أوفى بمهمته .


أما « موسى بن يحيى البرمكى » ، فكان أشجع القوم وأشدهم بأسًا ، وإن لم ينل من الشهرة ما ناله أخواه الفضل وجعفر ، وقد كان من القادة البواسل ، وإليه عهد الرشيد بإخماد الفتنة العصبية التى شجرت بالشام سنة ١٧٦ هـ ، بين النزارية واليمانية ، وقتل فيها كثيرون ، فأقام « موسى بن يحيى » بالشام حتى أصلح أهلها ، وسكنت الفتنة ، واستقامت الأمور .


واتفق المؤرخون على أن البرامكة نعموا فى خلافة الرشيد بمكانة عالية عما أدوه ويؤدونه للدولة من جلائل الأعمال بإخلاص وكفاءة وحكمة ، وصارت إدارة الدولة وشئونها إليهم ، وذاع صيتهم فى البلاد ، وصاروا مقصد الشعراء والأدباء والكتاب ، وقيلت فى مزاياهم وجودهم المدائح ، فهل كان هذا هو سبب نكبتهم التى تفجرت فجأة بقتل وصلب « جعفر بن يحيى البرمكى » شر قتلة ، فى آخر ليلة من ليالى المحرم سنة ١٨٧ هـ ؟!


بداية النكبة


انشغل المؤرخون القدامى والمحدثون ، فى البحث عن أسباب هذه النكبة التى استيقظ الناس على أول مشاهدها ، بقتل « جعفر بن يحيى البرمكى » غدرًا ، وبلا مقدمات ظاهرة ، شر قتلة ، بقطع عنقه وصلبه على ثلاثة جسور ، ثم حرقه ، وقتل ولديه ، إلقاء أسرة البرامكة برمتها فى السجن .


وقد كانت مشاهد قتل جعفر وجز رقبته ، أبشع من القتل نفسه ، وقد قيل إن الرشيد كان راجعًا من الحج ، ونزل فى طريق عودته بالحيرة بقصر عون العبادى أياما ، ثم شخص فى السفن حتى نزل العمر بناحية الأنبار ، فلما كانت الليلة الأخيرة من المحرم سنة ١٨٧ هـ ، أرسل مسرورًا الخادم ـ المعروف بلقب السياف ـ فى جماعة من الجند ، لإحضار « جعفر بن يحيى البرمكى » الذى كان قد غادر مجلس الخليفة لتوه ، فاستغرب الرجل أن يدعوه الخليفة ولم يغادره إلاَّ من ساعة ، فقال له مسرور : « يا أبا الفضل ، الذى جئت له
من ذلك قد والله طرقك (أى أن الموت قد طرقك) ، فأجب أمير المؤمنين » .. وأضاف مسرور : « فرفع يديه ، ووقع على رجلىّ يقبلهما » ، وطلب أن يدعه يدخل داره فيوصى ، فأجابه مسرور بأن الدخول لا سبيل إليه ، ولكنه يستطيع أن يوصى بما شاء ، فأوصى الرجل وأعتق مماليكه وقيل بل بعضهم ، وأتت رسل أمير المؤمنين تستحث مسرورًا وتستعجله ، فمضى إلى المنزل الذى فيه الرشيد ، وحبس جعفر وقيّده بقيد حمار ، يريد أنه قيده كما تقيد السائمة ، ومضى إلى الرشيد فأعلمه . فأمره الرشيد وهو فى فراشه أن يأتيه برأسه ، فذهب السياف إلى جعفر فأخبره بأن أمير المؤمنين أمره بأن يأتيه برأسه ، فطفق جعفر يستحلفه ويتوسل إليه ، فقد يصبح الخليفة على غير ذلك ويعاتبه فيما أجراه ، ورجاه أن يؤامره فى ذلك حتى إذا أصبح يؤامره فى شأنه ثانية ، وروى مسرور أنه عاد بالفعل إلى أمير المؤمنين ، ولكنه لم يمهله حتى يقول ، فما إن سمع صوته حتى بادره بسب غليظ ، وكرر عليه الأمر أن يأتيه برأسه ، فلما عاود الخليفة للمرة الثالثة استجابة لتوسلات جعفر ، قذفه الرشيد بعمود ، وأقسم بأبيه المهدى بأنه إن لم يأته برأس جعفر ، ليرسلن من يأتيه أولاً برأس مسرور ، وبرأس جعفر ، فعاد إلى حيث ربط جعفرًا ، وهو قائم يصلى ، وضرب عنقه بسيفه الذى كان قد استله منه ، وأخذ رأسه بلحيته وطرحه بين يدى أمير المؤمنين !


الصلب والحرق


واتفق المؤرخون على أن الرشيد مثل بجثة القتيل شر تمثيل ، فأرسل جيفته ورأسه إلى بغداد .. مدينة السلام ، وأمر أن ينصب الرأس على جسر ، وأن يُقطع البدن إلى قطعتين ، نصبت كل منهما على جسر ، ثم أمر الخليفة بعد ذلك بإحراق الجثة ، فتم حرقها .


وقال الرواة إن الرشيد أمر فى تلك الليلة بتوجيه من أحاطوا « بيحيى بن خالد البرمكى » وجميع ولده ومواليه ، ومن كان منهم بسبيل ، فلم يفلت منهم أحد كان حاضرًا ، وكلف الرشيد بهذه المهمة مسرورًا الخادم أو السياف ، فذهب إلى منزل القتيل « جعفر بن يحيى » ، وبعث بآخرين إلى منزل « الفضل بن يحيى » ، وآخرين إلى منزل « يحيى الأب » و« محمد بن يحيى » ، وأمر بقبض جميع مالهم ، وأمر بالنداء فى جميع البرامكة بأنه لا أمان لمن آواهم ، ثم أمر الرشيد بقتل « أنس بن أبى شيخ » يوم قدم الرّقة ، وتولى قتله من يدعى إبراهيم بن عثمان بن نهيك ، ثم صلب جثمانه . أما الأب « يحيى بن خالد البرمكى » , فقد حبس فى البداية بمنزله ، ثم حبس مع ابنه « الفضل » فى دير القائم ، وجعل عليهم الرشيد حفظة من قبل « مسرور » الخادم وهو ثمة بن أعين ، وعاد الرشيد فضيق عليهم أبلغ الضيق وأشده .


وأورد ابن كثير فى البداية والنهاية أن السجون شحنت بالبرامكة وسلبت كل أموالهم ، وحل الخراب بديارهم مع زوال النعمة ، وأضاف أنه فى الليلة التى غَدَر فيها الرشيد بصديقه « جعفر » ، كانا معًا راكبًا وإياه فى الصيد من أول اليوم ، وخلا به دون ولاة العهود ، وطيّبه بيده الغالية ، فلما كان المغرب ودعه الرشيد وضمه إليه وقال له : « لولا أن الليلة ليلة خلوتى بالنساء ما فارقتك ، فاذهب إلى منزلك واشرب واطرب وطب عيشًا ، حتى تكون على مثل حالى ، فأكون أنا وأنت فى اللذة سواء » .. إلاَّ أنه ما كاد يذهب من الليل بعضه ، حتى كان الرشيد قد أوقع به من البأس والنكال ما تقدم ذكره !


وقد قيل ولا أحسب إلاَّ أنه من انتحال الـرواة ، إن الرشـيد بكى بكاءً شديدًا إثر قتله « جعفرا » على الصداقة الوثيقة التى كانت بينهما ، وإنه جعل ينكث الأرض . فقد كَذَّبَ هذا الانتحال ـ أن الرشيد قبض فى ليلته على أبيه وأخيه وجميع أولاد البرامكة ، وغلمانهم ومواليهم ، واستباح ما عندهم ، وأنه وجه مسرورًا إلى معسكرهم فأخذ جميع ما فيه ، وأنهم قد أحصوا من قتلهم الرشيد فى الغلمان والموالى فبلغوا نحو ألف إنسان ، وأمر أن لا يرجع أحد من صنائعهم إلى وطنه حتى لا يحرض على الثورة هناك ، وشتت شمل من بقى منهم فى البلاد . ويكذّب أيضًا هذا الانتحال لأسف الرشيد ـ أنه أمر بضرب عنق صبيين صغيرين بريئين من أولاد « جعفر » وأمر أن لا تذكر البرامكة فى مجلسه.


وأحسب من انتحال الرواة أيضًا ، ما روى من أن الرشيد كان بعد ذلك يقول : « لعن الله من أغرانى بالبرامكة ، فما وجدت بعدهم لذة ولا راحة ولا رجاء ، وددت والله أنى شطرت نصف عمرى وملكى وأنى تركتهم على حالهم » .


فقد أتيحت للرشيد عدة فرص للعفو أو على الأقل لتخفيف النكاية بهم بعض التخفيف ، واستعطفه « يحيى بن خالد البرمكى » الذى كان يناديه بأبيه ، بخطاب يفيض رجاء فلم يستجب ، وذهبت الأم التى أرضعته ، ذهبت إليه شعثاء حافية لتتوسل إياه وتتشفع عنده ، فلم يجب لها رجاء ولا شفاعة ، ومن العسير تصور الأسف أو الندم بعد هذه الأحداث الجسام ، والقسوة الغليظة التى عامل بها الرشيد أسرة البرامكة وكل من ينتمى إليهم بصلةٍ أو عاطفة !


ابحث عن الاستبداد


يأتيك الجواب !


لقد أجهد المؤرخون القدامى والمحدثون ، أنفسهم للبحث عن أسباب هذه النكبة ، وتعددت الأسباب وجرى من حولها الاختلاف ، إلاَّ السبب الرئيسى الذى ترد إليه جميع الأسباب ، ويستحيل أن تجرى بدونه ـ مثل هذه النكبة !


لقد واجه الأستاذ الكبير محمد الخضرى النكبة التى اجتهد المؤرخون فى تلمس أسبابها ، بأن هذا العمل لم يكن بدعًا فى الدولة العباسية ، فإن للمنصور والمهدى سوابق فى هذا المضمار ، فقد أوقع المنصور ـ فضلاً عن قتل الخراسانى والخلال ـ أوقع بوزيره أبى أيوب الموريانى فقتله هو وأقاربه واستصفى أموالهم لما قيل إنه خيانة مالية اطلع عليها منهم ، وأوقع « محمد المهدى » أبو هارون ، بوزيريه أبى عبيد الله معاوية بن يسار ويعقوب بن داود لوشاية جاءته فيهما ، وبرغم نزاهة الأول وحسن سيرته ، وبرغم ما كان للمهدى من الولوع بالثانى حتى كتب للناس أنه قد اتخذه أخًا فى الله .


فالـذى لا شـك فيه أن الرشيد أراد ما فعله ، يشـهد على ذلك تغيره سلفًا فى معاملة « يحيى » بلا مبرر ، وتراجعه ـ حياءً فى الظاهر ـ عما بدر منه من إحراج له على الدخول عليه بغير إذن ، مع أنه هو الذى أعطاه ذلك حتى لكان يدخل عليه وهو فى فراشه ، وذلك يحمل على الاعتقاد بأن الرشيد أراد لأسباب فى داخله ـ أن ينقلب هذا الانقلاب على البرامكة ، وأنه ما كان يقبل بديلاً عنه ملامةً ولا عقابًا ، ولا هو كان مهددًا من البرامكة بما يخيفه على ملكه أو على ردة فعلهم ، فقد جمعهم جميعًا وألقى بهم فى السجون ، وأعمل القتل فى بعضهم وفى غلمانهم ومواليهم ، فلم يرفعوا ضده راية ، ولا نهضوا لمقاومته أو معارضته ، بل استكانوا استكانةً تسحب من الرشيد أى أسباب لمعاملتهم على هذا النحو الغليظ ، سيما وكل ما قيل ـ فيما عدا رواية مرجوحة عن جعفر والعباسة ـ يقبل المراجعة واللوم والتوجيه والتصحيح ، بل إن ما نسب إلى جعفر فى شأن « يحيى بن عبد الله بن الحسن العلوى » ، قد لا يخلو من الحجة وحسن التصرف الذى ينبغى على الرشيد أن يحسبهما له ، فإن اختلف الرأى ، فإنه يتسع إلى اللوم والتقريع أو إلى العقاب الذى لا يصل إلى حد القتل بضرب العنق وتقطيع الجثمان وصلبه على ثلاثة جسور قبل إنزاله وحرقه !


لذلك فقد أصاب الأستاذ محمد الخضرى ، وأصاب الأستاذ أحمد أمين ، وأصاب غيرهم، فيما عزوا به هذه المأساة إلى الحكم الاستبدادى ، وحب الملك المستبد أن يستأثر لنفسه وحده بالسلطان ، لا يشاركه أو يراجعه فيه أحد ، ويأبى لذلك أن يظهر إلى جواره من قد يروق فى عيون الناس ، ويحسبه المستبد منافسًا خطرًا على نفوذه وسلطانه ، واتفق المؤرخون على أن الرشيد كان حاكمًا مستبدًا برأيه ، يهيمن بنفسه على كل شئون الدولة حتى ما كلف به بعض معاونيه أو قواده ، فكانت جميع السلطات بيده ، وإليه وحده المرجع فى كافة الأمور .


ويبدو أن الأب « يحيى بن خالد البرمكى » ، كان متفطنًا إلى الداء الذى به تتحرك غيرة أو حساسية الملوك والخلفاء ، وكثيرًا ما نصح أولاده بمحاذير زيادة الاقتراب من الخليفة ، وقد روى أنه كان ينهى ابنه « جعفرًا » من منادمة الرشيد ، ويأمره بترك مجالس الأنس معه ، حتى إنه قال للرشيد نفسه يومًا : « يا أمير المؤمنين , أنا والله أكره مداخلة جعفر معك ، ولست آمن أن ترجع العاقبة فى ذلك علىَّ منك » ، ويتمنى على الخليفة أن يعفيه من ذلك ويقتصر على ما يتولاه للخليفة من جلائل الأعمال .


وعلى ذلك ، فأيا كانت الأسباب لانقلاب الرشيد على البرامكة ، فإنها ما كان يمكن أن تأخذ هذا الشكل ، ولا أن تقتضى هذه الصورة من التنكيل العنيف ، لولا الاستبداد الذى هو آفة السلطة فى كل العصور . أما الأسباب ، فإليها عودٌ فيما بقى لنا من حديث حول الرشيد.