فى الخارجية.. المتحدث الرسمى وتصريحاته

10/08/2016 - 10:57:54

بقلم - السفير: د.عزمى خليفة

تمتعت وزارتنا العتيدة - وزارة الخارجية - بفترة زمنية كانت تزهو فيها بنفسها لعدة أسباب كان في مقدمتها أنها عينت متحدثا رسميا رائعا، كان يدرك أبعاد وظيفته وحدود منصبه جيدا بنفس قدر فهمه لسياسة مصر الخارجية، وتمتع بعلاقات جيدة مع المراسلين الصحفيين بالوزارة وبالمسئولين في كافة وسائل الإعلام وخاصة التليفزيون، حتي إنني داعبته يوما فقلت له إنني أخشي فتح صنبور المياه فأفاجأ بتصريحات لك تنزل منه بدلا من المياه، وكان مدركا لنفسية الشعب المصري واتجاهاته فاتسمت تصريحاته بالدقة والوضوح، وكانت في الوقت المناسب فكان اختيارا موفقا من الوزير للمنصب ومتطلباته.


وبطبيعة الحال فإنني أتحدث عن السفير د.بدر عبد العاطي سفيرنا الحالي في ألمانيا والذي شغل منصب المتحدث الرسمي للخارجية لفترة زمنية طويلة عبر خلالها عن سياستنا الخارجية في مشرق الأرض ومغربها خير تعبير .


إلا أنه بتولي د.بدر عبد العاطي منصبه في برلين تم تعيين متحدث رسمي آخر لوزارة الخارجية، ولاحظنا أنه أقل نشاطا من سابقه وأقل توفيقا في تصريحاته التي شحت والتي احتاجت إلى مزيد من الضبط وقدر أكبر من تحقيق التنسيق مع مختلف إدارات وزارة الخارجية وهو أمر حيوي ومطلوب لمن يشغل هذا المنصب، بالإضافة إلى ضرورة متابعته لتصريحات السيد وزير الخارجية والسيد رئيس الجمهورية إذ لا يكفي حضوره جميع مقابلات وزير الخارجية.


ففي يوم الخميس الماضي فوجئت بكم هائل من التليفونات من أصدقاء ليبيين مقيمين بمصر بعضهم كان ضمن المسئولين عن الحكم في ليبيا فيما مضي قبل وبعد الثورة ، وبالرغم من اختلاف توجهاتهم السياسية إلا أنهم جميعا وبدون أي استثناء اتفقوا علي الغضب من تصريحات المتحدث الرسمي الحالي للخارجية المصرية بشأن ما سبق وأعلنه عن موافقة مصر علي قيام واشنطن بضرب داعش من الجو ، فقد صرح المتحدث الرسمي للخارجية المصرية أن مصر تؤيد الضربات الجوية الأمريكية لداعش في سرت بليبيا من منطلق أنها جاءت بناء علي طلب من حكومة الوفاق الوطني الليبي !


وكان البيان الأمريكي والبيان الليبي قد أكدا قبل ذلك أن الطلب الليبي وجه لأمريكا من السيد فايز السراج الذي يتولي منصب رئيس مجلس الرئاسة الليبي، والأخطر والأهم أن حكومة الوفاق الوطني في ليبيا التي يدعي المتحدث الرسمي أنها طلبت تدخل القوات الأمريكية لم تكتسب الشرعية بعد ومازالت الخلافات بين الفرقاء الليبيين تسود الموقف، والسيد الرئيس ووزير الخارجية المصريان يلحان ليل نهار ويبذلان جهودا مضنية من أجل سرعة إنهاء قيام السلطة التشريعية الليبية بالتصديق علي حكومة الوفاق الوطني، ومن ثم كيف يمكن لحكومة لم تتمتع بالشرعية بعد أن تطلب طلبا بثقل التدخل الأمريكي في الشأن الليبي؟ خاصة وأن الحكومة قد فقدت توازنها السياسي نتيجة إقالة السراج لأربعة من أعضائها مستخدما القانون والأربعة يمثلون شرق ليبيا .


صحيح أن الأمم المتحدة تعترف بالمجلس الرئاسي كممثل لليبيا إلا أن الشعب الليبي مازال لديه تحفظات عديدة علي اتفاق الصخيرات ، بل وعلي مدي تمثيل المجلس الرئاسي لليبيا وهي مسائل خلافية كما نري لم يكن من المناسب الزج بمصر في أتونها خاصة وأن مصر تؤيد البرلمان وضرورة موافقته علي منح حكومة الوفاق الوطني الشرعية السياسية.


كما أن هذه التصريحات التي لم تعكس المؤثرات في الموقف الليبي، والتي لم تعكس حقيقة موقف مصر من الأزمة الليبية أدت إلى ارتباك جميع تحركات الأطراف الليبية ، معتقدين أن السياسة الخارجية المصرية قد مسها تغيير ، بل وأكسبت التدخل الأمريكي في المنطقة شرعية باعتبار السراج رئيسا للمجلس الرئاسي من ناحية وباعتبار أن مصر هي في قلب التغييرات في الشرق الأوسط ولكلمتها ثقل سياسي حتي بالرغم من تعرضها لمشكلات حادة من ناحية أخري، وهي تصريحات لا تعكس حقيقة الموقف المصري ، بل تضع قيدا عليه متمثلا في أن مصر ليس لديها مانع من التدخل الأمريكي في ليبيا، وكأننا نسينا تماما تجربة تدخل الناتو قبيل وفاة القذافي وما أدت إليه من كوارث مازالت ليبيا والمنطقة كلها تعاني منها للآن، وذلك بموافقتنا علي الضربة الجوية الليبية.


وأخيرا جاءت تصريحات المتحدث الرسمي لتتجاهل بوضوح ما يحدث في ليبيا، فبالرغم من أن القوات الليبية خاضت عملية تحرير سرت مما أدي إلى فرض سيطرتها من أجدابيا إلى طرابلس ونجاحها في الاستيلاء علي مواقع إنتاح النفط وموانئ تصديره معا، وهي خطوة استراتيجية هامة لأنها توفر مصادر تمويل تسمح بإعادة تقديم الخدمات للسكان المقيمين في هذه المناطق ، كما أنها خطوة مهمة أيضا لتأكيد القوات الليبية علي نجاحها في صهر عدد من الميلشيات المسلحه للاندماج بالجيش الوطني الليبي، إلا أن هذا النجاح للقوات الليبية ينفي حاجة ليبيا عمليا إلى التدخل الأمريكي خاصة وأن عدد قوات داعش في سرت محدود لا يتجاوز ٦٠٠ متطرف ومن ثم يضعف مصداقية فايز السراج أمام شعبه وأمام البرلمان.


إضافة لذلك فإن الدور الأمريكي في ليبيا يعد دورا مشبوها لا داعي لمصر أن ترتبط به ، أو تعلن صراحة تأييدها له، فالتحليلات تشير إلى فتح ممرات آمنة لهروب مقاتلي داعش بمساعدات المخابرات الأمريكية خاصة وأن دول الجوار الليبي أعلنت جميعها اتخاذ إجراءات مشددة لمنع دخول هذا القوات إليها ، كما ثبت عدم صحة التقديرات الأمريكية التي ادعت أن قوات المتطرفين اتجهت للجنوب والجنوب الشرقي بهدف دخول مصر ، خاصة بعد تلقي أنصار بيت المقدس ضربات موجعة في سيناء، مما أدي لمقتل المدعو أبو دعاء ومعه ٤٦ من قيادات التنظيم أي أن التنظيم فقد عموده الفقري، مما أثر علي نشاطه سلبا علي حدودنا الغربية، وفي مثل هذه الأوضاع يصعب علي داعش الانتحار بدخول مصر من الغرب.


إن مصر مدعومة من الأردن والإمارات تؤيد البرلمان بوصفه الممثل لجميع طوائف الشعب الليبي، كما أنها نجحت في إحداث تغييرات إيجابية هامة في الموقف الروسي والفرنسي، وهذه التغييرات أدت إلى استقبال روسيا لحفتر مما أدي إلى إعادة التوازن بين الحكومة والبرلمان، بعد أن كان لصالح الوفاق، وهي تغييرات تجعل مصر أكثر تمسكا بالبرلمان ودوره لا أن تعطي الشرعية لمطالب حكومة الوفاق أيا ما كانت، ويسهل عليها اتخاذ مواقف أكثر توازنا بين جميع الفرقاء الليبيين لتحبط التحركات الأمريكية الرامية لدعم دور الإخوان في ليبيا علي حدودنا الغربية.


إن ليبيا دولة حدود لمصر، وهناك امتدادات قبلية لبعض قبائل ليبيا في مطروح والبحيرة، مما سهل الزيجات المختلطة، ويسكن مصر حوالي مليوني من قبائل شمال أفريقيا منهم عدد كبير من الليبيين، وتأمين حدودنا معها يأتي في مقدمة أولويات سياستنا الخارجية، وكان تأييد مصر للبرلمان الليبي وإعادة توازن الاعتراف الدولي بينه وبين حكومة الوفاق خطوة هائلة، وكان ينبغي البناء عليها بتأكيد دوره في منح الشرعية لحكومة الوفاق إلا أن تصريحات المتحدث الرسمي جاءت خلافا لذلك، وهي غلطة لا تنم إلا عن سوء فهم وسوء تقدير لمجمل ما يحدث في ليبيا من جانب، ولمجمل تطور العلاقات المصرية الليبية وتوجهات السياسة المصرية نحو ليبيا، لأن تأمين حدودنا معها لا يمكن أن يبدأ إلا باستقرار مجمل ليبيا شرقا وغربا وجنوبا واقتصار دور الأطراف الدولية علي دعم شرعية البرلمان، وليس علي دعم مطالب بالتدخل الأجنبي حتي وإن كانت صادرة عن السراج أو حتي حكومة الوفاق التي لم تكتسب الشرعية بعد، ومن ثم فإنها غلطة تضاف إلى غلطات أخري للمتحدث الرسمي للخارجية، مما يستدعي ضرورة التفكير في منحه منصبا آخر داخل الوزارة أو خارجها؛ لأن علاقاتنا مع دول الجوار لا تحتمل مزيدا من الأخطاء في الوقت الراهن، كما أن الوقت قد حان لتبذل مصر مزيدا من الضغط المتوازن لتعريف الفرقاء الليبيين أن استمرار خلافاتهم، وأن استدعاء أي قوات أجنبية سيسبب المزيد من تدهور الموقف والاتجاه بقوة لتقسيم البلاد، علي غرار ما هو حادث في العراق وسوريا، مما يستدعي ضرورة دعم البرلمان بجميع طوائفه لإعادة صياغة سياسات ليبيا الداخلية والخارجية في أقرب وقت ممكن.