فى الذكرى٢٥ لوفاة أسطورة الأدب والفكر: الدكتور يوسف إدريس

10/08/2016 - 10:55:48

بقلم : سناء السعيد

هناك نوعان من الكتاب.. كاتب حرفى وكاتب مثير للتفكير والجدل والاندهاش، يأتى الحياة كالزوبعة ويحيل ركودها إلى حركة، وقديمها إلى تجدد ومواتها إلى حياة. ويوسف إدريس ينتمى إلى هذا النوع. وأستدعيه اليوم مع الذكرى الخامسة والعشرين لوفاته فى أغسطس ١٩٩١ ــ. ملامح الخيط الرفيع فى حواراتى معه كانت تبدأ بيوسف إدريس ككاتب ومفكر يكتب عن الناس والحياة بأعين مفتوحة يقظة، هدفها أن تغير الحياة والناس، يكتب بأعين من عاش أبعاد كل شىء وكل تجربة، وهو عندما كان يتحدث معى يتطرق إلى قضايا عديدة تثيرها المعطيات والأحداث. يتحدث عنها من خلال ارتباطاته العضوية القوية، أما وسيلته إلى ذلك فهى كلمته الحادة المسنونة التى تملك بعدا نافذا يتسلل إلى قلب القارئ وعقله على حد سواء.


الذكرى تستدعى ضرورة أن نبحر فى ومضات هذا الكاتب، فمن حق المرء أن يعيش عبر هذا الإنسان سواء بالنسبة لفكره وذهنيته الحادة اللماحة أو بالنسبة للصحوة التى ينفثها فى الآخرين بعين من يرى ومن يستجلى ويحلل، إنه يوسف إدريس الذى لم يكن بالكاتب الروتينى المحدود، فهو لم يعش فى صدفة المقاولة ومؤداها أن يجد الكاتب لزاما عليه أن يكتب بضع صفحات كل يوم، فهو لم يكن يكتب إلا إذا شعر بأنه سيقدم الجديد، فالكتابة موقف ورؤية. وهو لم يكن ليتخلى عن دوره فى الحياة فكانت أول مهمة له هى التغيير نحو الأحسن.


عرفته عن قرب عبر عدة لقاءات جمعتنى معه إما فى جريدة الأهرام أو فى منزله. رأيته عن كثب بارتباطاته الكاثوليكية وشعاره الذى يرفعه دائما: (الكاتب دولة ذات سيادة على قلمه أو رئيس جمهورية تعداد سكانها شخص واحد)، كان يتأمل الأحداث والوقائع كظواهر ينظر لها بتلقائية شديدة ويتحدث عنها بلا تردد أو مواربة، حاورته من خلال ما كان يؤمن به، فهو يتألم بحثا وراء الحقيقة التى تخدم الآخرين، وهو بحكم تركيبته يصطدم بالحياة اصطدامات مؤلمة، ولكن شرار الألم يتم نسجه فى محاولات كتابية. كان يرى أن المُسكِّن الوحيد للألم هو الإحساس بأن معاناته وألمه قد غيرت شيئا ما أو حسنت وضعا ما أو ساعدت إنسانا ما على أن يعيش وفق كيفية جديدة، وعندما يتحدث عن التناقضات وضرورة أن يتحرر منها الرجل والمرأة أسأله:( وماذا عنك؟ هل تحررت من التناقضات داخلك؟) فيجيبنى قائلا:( لا بالطبع. أنت تطرحين أمرا غير معقول لأن هذه مسألة تحتاج إلى سنوات ولابد أن يتحرر معى على الأقل الفصيلة الأولى من الزحف الشعبى).


إنه الكاتب المتمرد الثائر على أوضاع كثيرة. خابت توقعاته بالنسبة لأشياء كثيرة منها الزواج. وهو كإنسان ليس من الحسابين أى من يحسب كل شىء، فهو مثل كتاباته تلقائى وحياته تلقائية، قد يجلس مع الشخص ويتحدث ويعجبه الحديث وهنا يمكن أن يستمر الحديث ثلاثة أيام ويلغى من أجله المواعيد الأخرى، وقد يجلس مع آخر ويلغى الحديث بعد ثانية إذا لم يعجبه، إنها فلسفة حياته وهى بهذا الشكل وباعترافه متعبة لصاحبها.


ورغم أنه يؤمن بأن الحياة الحديثة حياة محسوبة بدقة ويجب أن يخرج الإنسان منها رابحا فى كل موقف من مواقفها لكى يستطيع أن ينجح ويبنى نفسه إلا أن الحياة بالنسبة له تختلف عن ذلك، فهى عملية غير محسوبة إطلاقا، تلقائية وعملية قد يخرج منها خاسرا لشىء ما. لكنه فى الوقت نفسه يكسب شيئا أعظم وهو أنه عاش كما أراد.


يحدثنى عن المرأة، فيرى أن مشكلة المرأة فى الشرق أنها تعيش فى إطار القطيع الأنثوى الذى يتحامى ببعضه، وله تمائمه الخاصة ومجتمعه الخاص.ولكن تلفت نظره من تستقل وترفض فكرة القطيع. كان يتحمس للمرأة المتحمسة لنفسها فى كافة أشكالها كأنثى كعقل كتصرف كمسئولية، ويرى أنه نظرا للظروف التى مرت بها المرأة فى المجتمع فقد نظر إليها على أنها غير مسئولة وغير منضبطة. ولكن عندما تكون المرأة صادقة يكون كلامها أوقع بكثير من كلام الرجل. أما إذا لم تكن صادقة يصبح كلامها أى كلام.


لم يحدث أن نظر يوسف إدريس إلى المرأة ككاتب أى كظاهرة يتحدث عنها، وإنما نظر إليها بإحساس وبتلقائية شديدة جدا. وأول مايلفت نظره مقدار التجاوب الذى يشعر به تجاهها، وعندما يتعمق معى فى الحديث عن المرأة يقول: (الأساس أننى متحيز للمرأة فى نظرتى إليها. كنت أتمنى أن تكون نظرتى لها موضوعية خالصة ولكنى بتكوينى متحيز لها. أعتبرها الأصل، فهى الحياة الفطرية أما الرجال فيمثلون الحياة المصنوعة، فنحن لم نخلق هكذا وإنما صنعنا أنفسنا بهذه الكيفية، فالرجل هو عبارة عن نتيجة من نتائج المرأة، ولهذا أنا أحب الأصل وأتحيز له. ولهذا فإن الرجل الذى قال إن المرأة أنثى لحيوان انقرض يعد متحيزا ضد المرأة. وأنا أعتبره متحيزا ضد نفسه وضد الحياة.


ويردف الدكتور إدريس قائلا: (بالنسبة لى فأنا أود أن أحتويها وأن يكون قلبى من الكبر بحيث يستطيع أن يحتضن نساء العالم ويرعاهن). إنها اللافتة التى يرفعها الأديب العاشق لتقول: (يا نساء العالم اتحدوا وتعالوا إلى حضن يوسف إدريس)، يوسف إدريس كإنسان يتمسك بعقدة المغامرة عند الرجل ونقطة ضعفه هى المرأة أية امرأة ولهذا تمنى لو أن نساء العالم اجتمعن فى امرأة واحدة لكى يظفر بها بمفرده، وعندما أسأله عن حجم التضارب فى حياته يجيبنى قائلا:( التضارب مهول. أنا أحب كل نساء العالم. هذه نقطة ضعفى وأتمنى كما قال برناردشو أن تجتمعن النساء جميعا فى امرأة واحدة. حتى القبيحة أشعر أن فيها جمالا من نوع آخر. ولكنى فى تعاملى مع النساء وصلت إلى قاعدة مؤداها أن صاحبة الصوت الحلو تكون قبيحة والعكس صحيح)!!.


يدلف يوسف إدريس إلى موضوع آخر عندما يتحدث عن الكاتب فيرى أنه يحتاج إلى حد أدنى من الشجن وحد أدنى من التفاؤل، حيث إن المزاج الكامل يحول دون الكتابة. وأحيانا تكون درجة الأزمة أعنف وأعمق من أن يتغلب عليها المرء بالكتابة، وأتطرق معه إلى الحرية وكيفية التخلص من المراهقة الفكرية فيقول: (أنشد المزيد من الحرية فهى الأكسجين الذى يساعد الأشكال الضعيفة على الحياة لتقوى، ومن ثم يساعد على قتل العناصر الطفيلية والمتجمدة التى هى ضد الحياة.


الحرية هى أسير الحياة والتقدم، وجرعة منها هى الطريق للتخلص من المساوئ).


يناقضنى فى أن المفارقات اليومية هى المحور فى الحياة ولكن يتفق معى فى كونها تلعب دورا فى حياة المرء. ولقد لعبت معه دورا مضحكا عندما جاءته ابنته وهى فى السادسة من عمرها وسألته:( ألست كاتب قصة؟ قال نعم. قالت له إذن احكى لى قصة). أخذ يوسف إدريس الموضوع ببساطة وحاول أن يقص عليها قصة للأطفال، إلا أنه بعد قليل وجد أن المهمة شاقة جدا فتوقف وفشل ككاتب قصة. ويرد على نفسه قائلا:(لكى تصلى إلى عالم الأطفال لابد أن يكون لديك خيال جامح ليمكنك غزو أحلامهم. وأنا فشلت فى ذلك).


أما مسك الختام فهو مقولاته الرائعة: (التفسخ الذى حدث فى المجتمع كان نتيجة فقدان عنصر الأمومة فى حياة الأطفال.. المرأة تخلت عن دورها والرجل تخلى عن دوره).


( الديمقراطية غلالة مضيئة استباحها الغوغاء فكريا فى غفلة من الزمن ليمارسوا تحت ستارها الفوضى والعبثية المقيتة).


( الانتماء لفظة لاوجود لها إلا على سطح أملس من الأناشيد الممعنة فى السذاجة).


رحم الله الأديب العاشق الذى رأى أن الكتابة ليست ضربا من الهلوسة وإنما هى الحقيقة التى تعين الإنسان على اجتياز الواقع.......