أبطاله يعكسون شيئا من ذاته .. محمد خان : السينما ليست حدوتة بل مشاعر وأحاسيس وتفاصيل وانفعالات ولحظات صدق

08/08/2016 - 11:07:14

كتب - محمد جمال كساب

ولد محمد حامد حسن خان فى حي غمرة بالقاهرة يوم 26 أكتوبر 1942 وتربي في حي السكاكيني والده باكستاني وأمه مصرية حصل علي الجنسيتين الباكستانية والبريطانية ترك دراسة الهندسة المعمارية بلندن ليتجه إلي عشقه للفن والسينما وفي عام 2014 حصل علي الجنسية المصرية بعد معاناة سنوات طويلة بقرار من الرئيس السابق عدلى منصور فى 23 مارس 2014 ورحل يوم الثلاثاء الماضي 26 يوليو 2016.
التحق خان بمعهد السينما في دفعته الأولي للدراسة في مدرسة لندن للعلوم السينمائية في الستينيات وتعرف هناك علي الموجة الجديدة في السينما الامريكية والفرنسية والإيطالية واليابانية وغيرها عمل هناك في بعض أفلام مخرج السينما العالمية هيتشكوك وتأثر بالمخرج الإيطالي أنطونيوني أول من أخرج سينما الديجيتال في مصرهو «كليفتى» وذهب إلي لبنان للعمل مساعدا للإخراج في عدة أفلام من 1964 إلي 1966 منها «الليالي الحلوة» و«الرهينة» و«انتربول في بيروت» و«مغامرات فلفلة» وتزوج من فتاة مصرية جميلة تعرف عليها بلندن أثناء ذهابها لدراسة اللغة الإنجليزية ثم تزوج من وسام سليمان وله ولدان حسن ونادين عاش فترة القومية العربية كما طال به العمر ليعاصر ثورتى 25 يناير و30 يونيه وقد كتب العديد من المؤلفات منها باللغة الانجليزية «مقدمة للسينما المصرية» وآخر عن السينما التشيكية.
إلى جانب العديد من سيناريوهات أفلامه ورفض العمل بالتليفزيون لأنه لم يستهوه وأنشأ شركة إنتاج باسم «الصحبة» مع زملائه المخرج عاطف الطيب والسيناريست بشير الديك والمونتيرة نادية شكري بهدف تقديم أفلام هادفة تعبر عن الناس لا تخضع لشروط السوق وسيطرة النجوم.
كما ظهر ممثلا في العديد من أعماله بأدوار صغيرة كنوع من المداعبة.
قضية الانتماء
ظلت قضية الانتماء تشغل عقل ووجدان محمد خان في حياته وأعماله وهوجم بسببها لعدم حصوله علي الجنسية المصرية رغم أنه عاش وتربي في بلده مصر الذي عشقه بكل مافيه وتعلم في مدارسه واخلص له.
شعر بالجرح الغائر في أعماقه وكرامته دون أي ذنب اقترفه، علمه والده حب مصر والانتماء إليها قلبا ووجدانا وعلم أولاده الأمر نفسه وعبرت أفلامه عن هذا الحب الجارف.
ايد خان ثورتي 25 يناير و30 يونيه ومطالبهما المشروعة في الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية وهي المبادئ التي ظل يدافع عنها في أعماله وحتى آخر لحظة فى حياته.
الصراع السياسي والاجتماعى
كشفت أعماله عن الكثير من جوانب المرحلة الاجتماعية والسياسية والثقافية الراهنة وألقت بحجر في المياه الراكدة في محاولة للتغيير للأفضل حيث أثارت الكثير من الجدل بين الجمهور والنقاد والإعلاميين بجرأتها وصدقها وغوصها في أعماق الحياة بحثا عن الإنسان داعماً لحريته وكرامته رافعا عن كاهله الظلم والديكتاتورية التي تمارسها السلطة بمختلف اشكالها وأنواعها وشخصياته وأبطاله يدفعون الثمن في بحثهم عن الانتماء للإنسان، الأرض ، الوطن وقضاياه لكن القوي المسيطرة عليهم لا تسمح لهم بذلك ويغلب عليهم حالة الحزن والتمزق الوجودي وهي تحاول البحث عن اجابة لتساؤلاتها المتناقضة بمشاعرها وسلوكياتها في رحلتها الشاقة من أجل الحياة.
شخصيات خان متواجدة علي هامش المجتمع أو تبحث عن وجودها فيه يحاول فهمها ومعرفة الصحيح والخطأ في اسس الحياة نفسها دون ان يكون مصلحا اجتماعيا تشغلها الرغبة في الانتماء إلي العائلة أو القرية أو الوطن أو السلطة أو أي شيء تجهله أنها شخصيات ضالة تبحث عن طريقها في الحياة فأبطاله يعكسون شيئا من ذاته تظهر ولعه بالمدينة وشوارعها وأزقتها وحواريها والخروج بالتصوير في الشارع بعيداً عن الاماكن المغلقة.
انطونيونى الأب الروحى
استطاع محمد خان أن يخلق لنفسه أسلوبا ومنهجا مميزا في الإخراج متأثرا بأستاذه والأب الروحي المخرج الإيطالي العالمي الشهير انطونيوني الذي أدخله عالم الفن السابع وعلمه أن السينما ليست حدوتة بل مشاعر وأحاسيس وتفاصيل وانفعالات ولحظات صدق من خلال استخدام أدواته واحساسه القوي بالصورة وزوايا الكاميرا والقطع والمونتاج وامساك اللحظة بكل تفاصيلها الدقيقة ليبقي الزمن دلالة قوية في حياة الإنسان علمه انطونيوني كيف يختار موضوعاته التي تعبر عن الواقع والناس بصدق لماذا يختار هذا المشهد واللقطات البعيدة والقريبة والكادرات المختلفة للتصوير واحجام عدسات الكاميرا وألوانها وكيفية ترتيبها لتعطي التأثير المطلوب في سيمفونية موسيقية مبهرة.
الواقعية والتأثيرية
مزج خان بين المدرسة الواقعية والتأثيرية في أفلامه بين التعاطف الحميم والتأمل المحايد من خلال عالمه الغني الذي يمتزج فيه البعدان الاجتماعي والوجودي في رحلته عبر الزمان والمكان فكاميراته تستطيع اقتناص أدق تفاصيل اللحظة باجوائها العميقة وشفافيتها وألمها وتسجيلها بحيوية وتلقائية لتظل خالدة معبرة بدلالاتها لتظهر علي الشاشة وتثير عقل المتلقي بلغة متميزة مباشرة وأخاذة.
وقد حرص خان علي اختيار ممثليه بعناية شديدة كي يناسبوا الشخصيات التي يجسدونها دون أي اعتبارات أخري حيث يدرسها جيدا بكل دقة في شكلها وملامحها وتركيبتها النفسية وصوتها واحساسها وتعبيراتها ونظراتها وملابسها سواء كانت امرأة أو رجلاً لينطلق بهم بانيا عالما سينمائياً جديدا.
قضايا أعماله
قدم محمد خان عشرات الأفلام التي تعكس نبض المجتمع لعدد من النجوم الكبار.
«البطيخة» 1978 حول رحلة موظف فقير يسعي لإسعاد أسرته.. و«ضربة شمس» سيناريو فايز غالي بطولة نور الشريف ونورا ويدور موضوعه البوليسي حول المطاردة العنيفة لمصور صحفي في شوارع القاهرة «وخرج ولم يعد» ليحيي الفخراني وليلي علوي ويتناول موضوع الهجرة من المدينة إلي القرية والمشاكل الموجودة فيهما.. و«فارس المدينة» بطولة محمود حميدة الذي يشبه محمد خان في مضمونه وفلسفته حيث البطل الذي يقوم ببيع كل ما يملك من أجل تسديد ديونه وهكذا فعل خان عندما اتجه للإنتاج لكي لا يخضع لشروط المنتجين والنجوم لكنه واجه مشاكل كثيرة في تسويق أعماله واضطر لبيع ممتلكاته لتسديد قروض البنوك.. و«زوجة رجل مهم» إدانة لبعض رجال الشرطة المصرية من خلال الضابط الذي يسئ استخدام السلطة ضد الناس..
و«يوسف وزينب» لفاروق الفيشاوي والمدرس المصري الذي يسافر للبحث عن فرصة عمل في جزر المالديف فيعشق إحدى بناتها الجميلات.
و«أيام السادات» بطولة النجم أحمد زكي الذي يرصد فيه حياة الرئيس السادات الشخصية والسياسية.
و«طائر علي الطريق» عن معاناة سائق الأجرة و«نصف أرنب».
يرصد مشاكل المال والسلطة والطموح و«الحريف» للنجم عادل إمام عن لاعب الكرة وهو من أنضج أعماله ومحطة هامة في حياته.
و«فتاة المصنع» لياسمين رئيس يتناول قصة حب لفتاة بسيطة ومعاناتها في العمل بالمصنع..
و«بنات وسط البلد» الذى يعكس صورة الفتاة التي تكدح وعمرها 16 سنة من أجل تحقيق أحلامها. وتثبت ذاتها.
و«الغرقانة» بطولة نبيلة عبيد يلمس جانب الدين من خلال معالجة الدجل والشعوذة. و«سوبر ماركت» عن التطرف والإرهاب. و«مستر كاراتيه» بطولة أحمد زكي، و«الرغبة» بطولة مديحة كامل و«الثأر» لمحمود ياسين ويسرا و«مشوار عمر» و«يوم حار جداً» و«كليفتي» و«قبل زحمة الصيف.».


يختار خان أسماء أفلامه بعناية شديدة لتصف أبطاله وتعبر عن الأحداث بدلالاتها المتعددة وأبطالها يعكسون شيئاً من ذاته.
شخصيات أفلامه
شخصيات أفلام خان متواجدة علي هامش المجتمع أو تبحث عن وجودها فيه منها «البطيخة» أول أعماله الروائية القصيرة عام 1972 نجد الموظف المطحون يبحث عن سعادة مزيفة يقدمها لزوجته وأولاده، نلمح بوادر الاهتمام بشوارع القاهرة ومحلاتها وإنسانها البسيط بأحلامه المهدرة.
وفي «طائر علي الطريق» نجد سائق السيارة الأجرة والذي يعاني ظروفاً صعبة جداً حيث سبث وأن عاشق خان نفس التجربة عندما عمل سائقا فى لندن أثناء دراسته للإنفاق علي نفسه ولاعب الكرة في «الحريف» 1983 والموظف في «خرج ولم يعد» 1984، ابن الطبقة الجديدة العائد من الغربة في «عودة مواطن»، ضابط المباحث في «زوجة رجل مهم».
المرأة في سينما خان
اهتم خان بالمرأة بشكل قوي في أفلامه التى تقاسمتها مع الرجل، لشعوره بأنها مظلومة ومقهورة نتاجا لتقاليد المجتمع العقيمة وقوانينه الظالمة التي تحد من حريتها وانطلاقها.
حيث التركيز علي قضاياها ونفسيتها ومعاناتها من ظروف الحياة القاسية ففي «هند وكاميليا» نجد الفتاتين وعلاقة الصداقة بينهما والفتاة الحالمة في «شقة مصر الجديدة».
ومناقشة الأحوال الاجتماعية للفتيات اللاتي ينتمين لشريحة متواضعة في «فتاة المصنع» بطولة ياسمين رئيس.
الوجوه الجديدة
اهتم خان بالممثل المناسب للشخصية بعيداً عن شروط النجومية والأبطال وقدم مجموعة من الفنانين الشباب في بداية حياتهم منهم أحمد زكي وفردوس عبدالحميد في «طائر علي الطريق»، محمود عبدالعزيز في «نصف أرنب»، نور الشريف ونورا في «ضربة شمس»، يحيي الفخراني وليلي علوي في «خرج ولم يعد» ونهلة سلامة في «الصرخة» وسعاد حسني في «موعد علي العشاء».
جوائز وتكريمات
شارك معظم أفلامه في العديد من المهرجانات الدولية وحصدت الجوائز والتكريمات فقد منح خان وسام الجمهورية من الطبقة الأولي ووسام الاستحقاق الوطني من الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي.
و«لجنة التحكيم الخاصة من مهرجان نانيت» لـ «طائر علي الطريق» 1982 الجائزة الفضية من مهرجان قرطاج 1984 لـ «خرج ولم يعد»، ونفس الجائزة من مهرجان دمشق 1987 عن «زوجة رجل مهم» والجائزة البرونزية لمهرجان فينسيا عام 1988 عن ««أحلام هند وكاميليا»، وجائزة مهرجان دبي 2013 عن «فتاة المصنع» وكرمه مهرجان الإسكندرية السينمائي الدولي في نفس العام وجائزة الإخراج من مهرجان جمعية الفيلم عن فيلم «شقة مصر الجديدة» 2008.