النقاد يؤكدون : ناظر المدرسة الواقعية الجديدة

08/08/2016 - 10:49:42

كتب - محمد نبيل

استقبل عشاق ومحبو السينما المصرية والعربية خبر وفاة المخرج الكبير محمد خان بالكثير من الحزن، حيث وافته المنية عن عمر يناهز 74 عاما بعد رحلة عطاء ممتدة، استطاع من خلالها أن يثرى السينما المصرية بعشرات الأفلام الخالدة، وأن يؤسس لتيار جديد يعتبر هو الأكثر تأثيرا على مدى تاريخ السينما المصرية المتواصل.
ويعتبر المخرج الراحل أحد أهم مؤسسي مدرسة الواقعية الجديدة، والتي أنضم إليها عدد من زملائه ويعتبرها الكثير الأبرز من بين عدد محدود من الاتجاهات السينمائية المؤثرة، وفى مقدمتهم داود عبد السيد، عاطف الطيب، وخيرى بشارة وذلك عن طريق تغيير مسار اتجاهات السينما التي سادت في السبعينيات، التي لم تكن لترضى طموحهم بعد أن ترعرعوا في كنف المخرجين رواد الواقعية "القديمة" والتي كان صلاح أبو سيف أبرز فرسانها.
خان قدم عددا من الأفلام حاول من خلالها أن يسبح ضد التيار السائد، مستغلاً المكان على حساب شخصياته بصورة بديعة ميزت أسلوبه في السرد، ووضعته بمنأى عن أبناء جيله، ومجرد التفكير في المقارنة بين ما يمكن أن نطلق عليه الواقعية الجديدة والقديمة جائز من الناحية النظرية ولكنه ليس ممكنًا على الأرض، حيث الظروف لا تتطابق على كافة المستويات.
الكثير يرون أن خان كان يحطم من خلال أعماله عددا من التابوهات التي كانت تخشى من قبله الأغلبية في الاقتراب منها، حيث يمتاز مشروعه منذ بدايته بالتطور الحاد من عمل لآخر، وأيضا بالخصوصية الشديدة التي يتفرد بها أبطال أعماله فى إطار تجارى وجماهيري مع إصراره على الاحتفاظ بكامل الجوانب الفنية قائمة.
وكان له بصمة سينمائية خاصة به، خلّدت أسماء فنانين عملوا تحت توجيهاته، فأخرج إلى المشاهد العربي أجمل أعمالهم مثل "الحريف" لعادل إمام، ورائعته "موعد على العشاء" لسندريللا الشاشة العربية سعاد حسني في فيلم جمعها مع العملاقين أحمد زكي وحسين فهمي، و"خرج ولم يعد" للفنان يحيى الفخراني، وعشرات الأفلام التي ترجمت الواقع المصري بأفراحه ونكساته، شموخه وانكساره، وما صاحب هذا الواقع من تقلبات سياسية واجتماعية واقتصادية، تعايش معها المواطن على اختلاف ثقافته.
ويعد "زوجة رجل مهم" من أهم أفلامه وأنجحها جماهيريا وفنيا، حيث احتل مركزاً متقدماً ضمن قائمة أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية، وقد جمعت القصة أحمد زكي (هشام) وميرفت أمين (منى) في العام 1988، وقدم من خلاله خان رصدا للكثير من الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية إبان حكم الرئيس الراحل أنور السادات، داخل أجواء درامية مليئة بالواقعية وكادرات مفعمة بالتفاصيل.
فالعقيد هشام ضابط في المباحث يبدو من الوهلة الأولى طيباً وودوداً، لكنه في الحقيقة غير سوي ومتسلط ويستغل سلطته كضابط شرطة بكل الأشكال، وفور إحالته للتقاعد، يتحول إلى وحش كاسر في المنزل لرفضه واقعه الجديد الخالي من الهيمنة والنفوذ، فيقدم على الانتحار بعد أن يقتل والد زوجته .
وبالنظر الى جماهيرية الفيلم، بين أفلام المخرج الراحل، نجد أن هناك ثمة وجاهة في كون العمل استطاع أن يقدم ما يحتاجه المشاهد فعلا وهو ما يعود الى صياغة مشاهد العمل مع المؤلف رءوف توفيق بشكل جذاب عن طريق سطحية رواية حياة ضابط شرطة وما يتداخل معها من تفاصيل تثير المشاعر وتحقق النجاح المراد.
الناقد أحمد شوقي يؤكد في كتابه "محظورات على الشاشة التابو في سينما جيل الثمانينيات" والذى صدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، أن سينما خان تحمل الصورة الأكثر بروزا لسمات الحركة من الحبكات المختزلة وإعلاء قيمة الشخصية فوق الحدث والحضور الطاغي للمكان، وهذه الميزة تجبرنا على النظر بجدية شديدة لمشروع خان السينمائي حتى الأعمال التي لا يعتبرها المحللون ضمن قائمة أفضل أعماله.
ويضيف: "من الإنصاف البحثي ألا يتم التعامل مع الأعمال الأولى للمخرج بمعزل عن باقي مشروعه، وألا نقوم بالحكم سلبا على الضعف في بعض عناصرها، حيث إنها مجرد إرهاصات لمنهجية ستصقل في كل فيلم عن سابقه، وتجارب أولى لرجل وضع مع زملائه لبنة الحركة الفنية الأبرز في تاريخنا السينمائي".
أما الناقدة ماجدة موريس فقد أكدت أن المخرج محمد خان لم يكن ليصنع هذا الاتجاه "سينما الواقعية الجديدة" في الثمانينيات، ولكنه شارك في أهم موجة مصرية لأكثر من 50 عاما، لأن واقعية صلاح أبو سيف وزملائه في الخمسينيات والستينيات كانت في الانتقال من الملكية للجمهورية والثورة، والانفتاح نسبيا علي المجتمع، واستطاع جيل خان أن يخلص السينما من سطوة المال التي لا تسعى إلا لجنيه عن طريق أفلام المقاولات.
وقالت: بدأ خان الاتجاه الجديد أو ما يعرف بالواقعية الجديدة حيث إنه أول من أخرج في رفاق رحلته، ونضجت تجاربه شيئا فشيئا، حتى أصبح لها شخصية تميزها، ولكننا عند تناول هذه الحركة لا يمكن أن نفصل الجميع عنها وفى مقدمتهم عاطف الطيب، داود عبد السيد، رأفت الميهي، ورءوف توفيق وفايز غالى وغيرهم.
ورفضت الناقدة الكبيرة الاتهامات التي كانت توجه للفنان والمخرج الراحل حول عدم تحقيق أفلامه إيرادات كبيرة، مشيرة الى أن الدولة لم تكن تهتم بالفنون والسينما في فترة سطوعه بالقدر الكافي، وأغلقت الكثير من دور العرض، وسط تراجع الثقافة الجماهيرية، مؤكدة من جهة أخرى أن قيمة العمل الفني لا تقدر بالمال ولا تقاس بإيرادات شباك التذاكر.