عادل إمام في فيلم مصري شجاع .. الحريف

08/08/2016 - 10:16:26

بقلم : حسن شاه

شاهدت فيلم «الحريف» للمخرج محمد خان لأول مرة في مهرجان برلين السينمائي في فبراير الماضي وكان الحريف هو أحد فيلمين مصريين عرضا خارج المسابقة في أحد اقسام المهرجان اطلق عليه اسم «بانوراما البحر الأبيض المتوسط» أما الفيلم الثاني فكان فيلم «الافوكاتو» ولسوء حظ الحريف ومحمد خان في ذلك الوقت أن الضجة التي أثيرت في الصحافة حول فيلم «الافوكاتو» بدأت وهذا الفيلم ومخرجه رأفت الميهي في ألمانيا فقد صدر حكم القضاء المصري بوقف عرض الافوكاتو في إحدي دور العرض بالصعيد في نفس الوقت الذي تحددت فيه جلسة لنظر القضية المرفوعة ضد الفيلم ومخرجه وبعض ابطاله في القاهرة بأعتبار أن موضوع الفيلم يسيء إلي مهنة المحاماة وإلي القضاء وانتشر الخبر بين أعضاء الوفود السينمائية في برلين وعلق في اللوحة الرئيسية للمهرجان وتجمع النقاد العرب وأرسلوا برقيات إلي المسئولين في مصر احتجاجاً علي الاتجاه إلي منع عرض الفيلم.
وهكذا بسبب مشكلة الافوكاتو اتجهت انظار النقاد خاصة العرب الموجودين في المهرجان إليه ولم يلتفتوا كثيرا إلي الفيلم المصري الآخر «الحريف» حتي عندما عاد النقاد المصريون والعرب إلي بلادهم كانت ضجة فيلم «الافوكاتو» قد وصلت إلي قمتها وهكذا خيم الصمت عن عرض فيلم «الحريف في برلين».
لكنني كنت من النقاد القلائل الذين لفت نظرهم بشدة فيلم الحريف وكنت قد حضرت عرضه في قاعة «الأم تسو» ببرلين وخرجت من قاعة العرض التي إزدحمت بالمتفرجين الألمان وأنا اشعر بإنني سعيدة بعرضه أمام الاجانب وإن كنت علي يقين من أن معظم المتفرجين الأوروبيين لم يفهموا تلك اللمسات المصرية الخالصة التي جعلت للفيلم مذاقا خاصا بالنسبة لكل من يعيش علي أرض مصر في هذه الفترة التي تغلي بالتغييرات الاجتماعية وبالفروق الهائلة بين الطبقات وتيار الفساد الذي أصبحت مقاومته تحتاج إلي بطولة يومية من الإنسان المصري العادي وكان هذا هو نفس رأي الصديق والكاتب المصري اللامع عبدالحكيم قاسم الذي يعيش في برلين منذ عشر سنوات والذي أصبحت مؤلفاته في الرواية والقصة القصيرة قاسما مشتركا في كل المكتبات العامة في الدول الأوروبية الكبري في أوروبا والذي ترجمت أعماله إلي معظم اللغات الأوروبية.
فقد اتفق معي في الرأي وهو الذي يرصد المجتمع المصري عن طريق زياراته المتتابعة لمصر ومن خلال رؤية بعيدة فاحصة يري فيها الصورة المصرية من مكانه البعيد في أوروبا أكثر وضوحا وعمقا أن فيلم الحريف هو دراما مصرية بالغة الحزن خالية من زيف الميلودراما ومبالغاتها تحكي قصة الإنسان المصري المسحوق الذي تحولت حياته إلي معاناة هائلة فهو يحارب في كل الاتجاهات حتي لا يغرق في طوفان المدينة الكبيرة التي تبتلع الناس وتضيع في دوامتها الواسعة أحلام البسطاء وتنتهي بهم إلي الانحراف.. أن الفيلم يقدم العالم الخلفي للقاهرة ليس عالم البريق والاضواء والفيللات الفاخرة وشقق التمليك والسيارات الفارهة ورجال ونساء مجتمع الاستثمار وإنما يصور عالم الرجال والنساء الذين يعيشون علي الفقر ويزحمون الحارات ويسكنون فوق الاسطح في حجرات الغسيل يؤرقهم في نفس الوقت مشاهد الثراء الفاحش الذي ظهر علي طبقات مجهولة العمل والهوية.
وقد اختار كل من المخرج محمد خان وكاتب السيناريو والحوار بشير الديك شخصية بطل الفيلم الذي قام بدوره في تميز شديد عادل إمام اختيار دقيقا ورسما شخصيته بذكاء شديد ووظفا كل جزئية من حياته حتي مكان سكنه في حجرة فقيرة فوق سطوح عمارة كبيرة للكشف عن الاحباط الذي كان يعيش فيه حتي وصلت به الأزمة إلي القمة فالانحدار...
والبطل كما ظهر في الفيلم يشتغل عاملا في ورشة احذية صاحبها واحد من هؤلاء الصنايعية الشطار الذين تحولوا إلي أصحاب عمل وهو شخص متسلط سوقي بلا مشاعر دائم التأنيب للبطل علي اهتماماته خارج الورشة لكن البطل يحلم بأن يرتفع بمستوي معيشته وأن يكون إنسانا له مكانته في الحياة فهو رياضي ممتاز والفيلم يشير إلي إشادات سريعة مبتورة إلي أنه كان عضوا في فريق كرة القدم بأحد النوادي الكبيرة وفصل لاسباب لم يدخل الفيلم في تفاصيلها وإن كانت الاشارة إليها تفسر كيف تحول لاعب الكرة في ناد كبير إلي مجرد لاعب للكرة الشراب في أزقة القاهرة وحواريها.. وإن كان قد احتل مكان اللاعب الأول في هذه اللعبة الشعبية حتي اصبح يطلق عليه لقب «الحريف».
والفيلم يكشف عن هذه الدنيا الغريبة للعبة الكرة الشراب في الحواري والأراضي الخلاء والملاعب المهجورة والقري الصغيرة ويصور عشاقها وجماهيرها وسماسرتها وأبطالها الذين يحترفون اللعب بالفلوس وبطل الفيلم عادل إمام أو الحريف يتعاقد علي اللعب مع متعهد مباريات كرة شراب أعرج «عبدالله فرغلي» يمارس عليه انواعا من الضغوط حتي يقاسمه الجنيهات القليلة التي يكسبها من المباريات والتي يتنقل من أجل الحصول عليها من زقاق لآخر ومن حي لحي من قرية لأخري وفي ذهنه طبعا أن هذه الجنيهات هي فرصته الوحيدة لزيادة دخله في مواجهة متطلبات الحياة لكن الأهم من المكسب أن هذه المباريات التي يتجمع لمشاهدتها مئات من عشاق اللعبة الشعبية هي فرصته الوحيدة للشعور بأنه إنسان مختلف بأنه أكبر من مجرد عامل في ورشة أحذية فهو يسمع الهتاف باسمه والتصفيق من أجله فيشعر بالتفوق علي كل الظروف المحيطة التي تواجهه أن ملعب الكرة الشراب هو المكان الوحيد الذي يشعر فيه بأهميته أما خارج الملعب فالفشل يلاحقه في كل مكان .. في ورشة الأحذية التي يحاول أن يتمرد فيها علي تسلط صاحبها فينتهي الأمر به إلي الطرد وفي علاقته بمطلقته فردوس عبدالحميد التي هجرته رغم الحب والابن الذي بينهما لأنه لا يمكن الاعتماد عليه وحتي في علاقته بزميلته في العمل التي تحبه «زيزي مصطفي» والتي ينتهي بها الأمر إلي الارتباط بعامل جديد بعد يأسها منه حتي في مكان سكنه في حجرة بائسة علي سطح عمارة كبيرة فأن الإحساس بالهوان يطارده علي صورة ضابط بوليس يؤمن إيمانا لا يسانده دليل علي أنه المجرم الذي قتل إحدي ساكنات العمارة فهو لا يكف عن مطاردته بالشبهات والاستجوابات.
وهكذا ينسج السيناريو كل الخيوط التي تشعرك بأن البطل واقع في عش هائل للعنكبوت تلتف خيوطه الواهية القاسية حوله في انتظار أن تقبل الفريسة لتلتهمه وتصل الفريسة إلي المكان الذي يقيم فيه البطل ممثلة في زميل قديم يدخل الحارة راكبا مرسيدس فاخرة آخر موديل.. ويدهش الحريف فهو يعرف أن زميله لم يفلح عمره في شيء فمن أين أتته هذه الألوف التي تجري بلا حساب بين يديه؟! ويضحك الزميل القديم من بلاهة صديقه ويدعوه ليعمل معه في التهريب وأعمال أخري مشبوهة أنه ساعتها سوف يركب «الخنزيرة» وينتقل من حجرته الجرداء فوق سطح العمارة إلي قلب العمارة ذاتها .. ساعتها لن يطارده ضابط الشرطة باعتباره أكثر سكان العمارة محلا للريبة ساعتها سوف تعود إليه زوجته والابن اللذان اضاعهما منه الفقر.
أن براعة الفيلم تنبع من أنه لا يروي حدوتة مسلية وإنما هو ينسج مواقف إنسانية يغزلها واحدة فوق أخري بحيث يكتشف المتفرج في النهاية قسوة الصورة اللإنسانية التي يعيشها البطل بلا مبالغة أو صراخ أو أحداث دامية لكل الأحلام غير المحققة.. وكل مشاعر الحب مذبوحة وحتي مصدر الفخر الوحيد لقب حريف الكرة الشراب يصبح مهددا فقد ظهر لاعب جديد أكثر شبابا وفتوة وقدرة علي اجتذاب فلوس السمسار وهتاف الجماهير..
وهكذا لم يعد هناك مبرر لتماسك الحريف ومقاومته لتيار الفساد الممثل في صديق الطفولة اللص المهرب أن التيار يجرف الحريف مع ألوف من اصحاب الإيمان الضعيف فينطلق في اللقطة الأخيرة في السيارة الفارهة مع المهرب في طريق طويل مجهول.. إن كل عناصر هذا الفيلم التي تشمل التأليف والإخراج والتصوير «سعيد شيمي» والمونتاج «نادية شكري» والأداء «عادل إمام وفردوس عبدالحميد» دليل علي أن السينما المصرية مازالت بخيروأن هناك مخرجين شبان شجعان أمثال محمد خان يستطيعون أن يكسروا القاعدة التقليدية فيقدمون افلاما شجاعة تستحق الاحترام والتقدير.
العدد 1726
28 أغسطس 1984