في سينما محمد خان .. القاهرة وثائق وشوارعها حواديت

08/08/2016 - 10:13:35

كتب - د. حسن عطية

لا يشكل المكان بالنسبة لأى منا مجرد شوارع مر بها ، ومحلات تعامل معها ، وأجواء يتنسم عبقها ، وبشر يتذكر أحاديثهم ، بل هو فضاء تغوص فيه الروح حتى تسكنه ، وتلتقط فيه الذاكرة ما تختزنه وتعيد تذكره مؤكدة على اتصالها الدائم به ، ورصد هذا المكان سينمائيا يحول الفيلم فيما بعد إلى وثيقة تاريخية تقدم لعشاق السينما والتاريخ معا ما يساعدهم على تحليل مجتمعها المصور بالصورة والصوت ، إلى جانب الاستمتاع بقيم الفيلم الجمالية ، وأحيانا الحنين لرؤية الماضى متجسدا على الشاشة البيضاء .
هكذا كانت القاهرة الخديوية المستقرة بوسط البلد لمحمد خان ، يغادرها إلى لندن للدراسة ، أو لبيروت للعمل ، لكنه يعود إليها عاشقا لشوارعها وناسها ، لا يأبه بعدم امتلاكه للجنسية المصرية ، بسبب جنسية والده الباكستانية ، وإن حصل على هذه الجنسية المصرية قبيل رحيله بعامين فقط ، فقد أدرك منذ نعومة أظافره ، وفى دفء حضن أمه المصرية أنه يمتلك الهوية المصرية ، وأنه يذوب عشقا فى ترابها المشبع بتاريخ ممتد فى عمق الحضارة ، وأن أفلامه هى التى تمنحه جنسيته المصرية ، فهو ابن بار لها ولم يستطع يوما رؤيتها كما رآها الشاعر "أحمد عبد المعطى حجازى" فى مطلع شبابه فى خمسينيات القرن الماضى (مدينة بلا قلب) ، بل غمر ذاته بتاريخها وحاضرها ليراها كما رآها مؤخرا الشاعر "سيد حجاب" فى أغنية "على الحجار" (هنا القاهرة) "الساحرة ، الساخرة ، الصابرة ، الثائرة" .
القاهرة.. الصبر والتمرد
القاهرة عند "محمد خان" هى هذا المزيج الرائع للصبر والتمرد معا ، وهى الوجود الذى تتصور أنك أمسكته بيديك فور رؤيتها ، ثم سرعان ما تكتشف أنك لم تعرفها بعد ، هى الغموض الذى عليك أن تجهد ذاتك كى تكشف حقيقتها ، وهى المسالمة التى عليك أن تفتش فى أعماقها التاريخية والراهنة لترى أنها كالعنقاء قادرة دوما على الانتفاض كالعنقاء ، وهى التى استقرت بوجدان "خان" ورأى أن عليه واجب توثيق عالمها فى أفلامه ، فصنع أفلاما تحولت على امتداد ما يقرب من أربعة عقود إلى وثائق سينمائية شديدة التميز ، فصور بعين ناقد عاشق أحوالها ، عبر بطله الأثير عنده ، وهو عادة بطل متحرر من القيود المجتمعية ، متمرد على الأنظمة التى تكبل حركته الشخصية فى الحياة ، وبخاصة فكرة الزواج كمؤسسة ، غير أن دخوله فى التجربة الدرامية مع العاصمة تمنح وعيه النضج ، كاشفة له أنه ابن العاصمة ، إما أن يموت بشرف على طرقاتها ، أو يرنو بعينيه نحو نصر قريب لها .
شمس .. خان
بدأ "خان" مشواره السينمائى مع قاهرته ، بفيلم (ضربة شمس) 1978 ، الذى كتب قصته مستوحيا فكرته من فيلم الإيطالي "مايكل أنجلو أنطونيونى" (انفجار) 1966 ، والذى يعنى عنوانه تكبير الصورة ، وهذا التكبير الذى قام به بطل الفيلم المصور الفوتوغرافي لصورة التقطها لعاشقين فى حديقة عامة ، جعلته يكتشف جريمة قتل ، تدخله فى تجربة درامية خطرة ، وهو تقريبا نفس ما قامت عليه قصة "خان" التى كتب لها السيناريو والحوار "فايز غالى" فى الفيلم الذى حمل اسم بطله "شمس" الجوال بدراجته البخارية فى شوارع القاهرة ، دون أن يمسك بأسرارها ، فيبدو الغموض جليا للمشاهد منذ تتراته الأولى ، وعبر شخصياته وحدثه الدرامي المؤسس بدوره على صورة فوتوغرافية تكشف عن جريمة قتل ، ويبنى الفيلم على غموض حادثة القتل هذه وما يستتبعها من محاولات لطمس الحقيقة ، وكذلك على رؤية "خان" للقاهرة ، فيبدأ الفيلم بمشهد مضبب لشوارع وسط العاصمة ، تظهر التترات فيه على واقع بلا ملامح ، ثم تتضح رويدا رويدا كاشفة عن جزء من شارع رمسيس ، لتتوجه الكاميرا إلى نافذة مغلقة لشقة فى إحدى العمارات ، سرعان ما ننتقل لداخلها دون أن تنسى الكاميرا لحظة أن القاهرة تحيا خارجها ، وأن زحام العاصمة متجل فى صور لحافلات مزدحمة بجماهير السبعينيات ، معلقة على حوائط غرفة بطل الفيلم المصور الصحفي "شمس" (نور الشريف) المنطلق فى الحياة بحريته الفردية والمتهرب من الارتباط بالزواج من صديقته الموظفة "سلوى" جدتها الفنانة نورا واللذان نراهما يستعدان للخروج بعد سويعات من لقاء حميمي بينهما ، وينقلنا الفيلم من الصورة الفوتوغرافية لسيارة (الأوتوبيس) المزدحمة بالبشر ، لصورة سينمائية لحافلة مشابهة تسير فعلا فى الشارع ، تتقاطع مع دخول "شمس" وصديقته على دراجة الأول البخارية يمرقان فى شوارع العاصمة فى لقطات سريعة ومتعاقبة (فوتومونتاج) تستعرض وسط العاصمة زمنذاك ، فيبدو فى عمق إحدى اللقطات ملصق إعلانى (بوستر) لفيلم (قاهر الظلام) المنتج عام 1978 تأكيدا على زمنية الوقائع ، متحركان من شارع رمسيس إلى ميدان التحرير لشارع محمد محمود ، حيث تهبط "سلوى" متوجهة لعملها ، فيعود "شمس" بدراجته عبر شارع الشيخ ريحان متوقفا لحظات لحين مرور قطار حلوان الذى سيلعب دورا هاما فى الفيلم ، والذى كان يتحرك فوق الأرض زمنذاك ، واصلا لمحطته الأخيرة بميدان باب اللوق ، قبل أن يهبط تحت الأرض فيما بعد متصلا بمسار آخر يصل به للمرج ، ثم يستكمل "شمس" مساره مرورا بشارع شريف ليصل إلى صالة بلياردو كائنة بشارع 26 يوليو أمام دار القضاء العالي ، يلتقي فيها بصديقه ضابط الشرطة "مراد" جسده الفنان أسامة عباس وتبدو فى العمق صورة السادات إلى جانب عبد الناصر ، حيث كان العرف وقتذاك وضع صورة الرئيس الحالى والراحل إلى جوار بعضهما .
الحريف بطل قاهري
هذه المشاهد ليست مجانية ، بقدر ما تلعب دورا دراميا فى الفيلم وزمنه الداخلي ، وتحوله فى نفس الوقت لوثيقة تاريخية عن زمن إنتاجه ، كما هى الحال مع فيلمه (الحريف) 1983 والذى يجسد "عادل إمام" بقدراته الخاصة نفس ملامح بطل "خان" القاهرى المفضل ، فقير ومتمرد طلق زوجته أم ابنه لأنه لا يقدر على الحياة الاجتماعية المستقرة ، يعمل في ورشة تصنيع أحذية بشارع الفلكى بباب اللوق ، ويقيم فى إحدى شقق أسطح عمارة مطلة على أول شارع رمسيس ، ويعمل لاعب كرة بالشوارع القريبة بمقابل مادى ، فى مراهنات البسطاء ، وتتجول الكاميرا به وحوله فى الشوارع الضيقة الموجودة بحى معروف ، وفى الخلفية أغنية (الشوارع حواديت) لصلاح جاهين وهانى شنودة ، واصلة إلى كوبرى 6 أكتوبر ، بالمساحات التى نشأت تحته ، واستغلها أبناء الحى للعب الكورة ، قبل أن تستولى عليها اليوم الجراجات الرسمية وغير الرسمية ، وتتعدد صور القاهرة الصباحية المليئة بالحيوية والمسائية المثيرة للتأمل .
وسط القاهرة
"فارس" آخر يقدمه "خان" فى فيلمه (طائر على الطريق) الذى كتب قصته مع "بشير الديك" ، وكتب الأخير السيناريو والحوار له ، فبطله سائق الأجرة يحب صديقته "" (آثار الحكيم) : لكنه يتهرب من الزواج بها ، ويقيم علاقة مع زوجة شابة (فردوس عبد الحميد) تعاطف معها فى البداية ثم تورط فى حبها ، ورغم أن عمله على الطريقين الزراعي والصحراوى بين القاهرة والإسكندرية ، غير أن "خان" لا يتركه يمر بالقاهرة دون أن يحركه بسيارته بوسط البلد ، متعللا بتوصيل المرأة التى دخل معها تجربة الحب تذهب بزوجها لعيادة فى عمارة اللواء بشارع شريف ، حيث معالم الثمانينيات واضحة جلية على الشارع ومحلاته وناسه ، حيث يمكنك ببساطة التعرف على أزياء هذه الحقبة وموضاتها والتى لم تكن تعرف بعد لا حجاب ولا نقاب ولا زى أفغانستاني .
الثمانينيات في مشوار عمر
من محل مصوغات بشارع طلعت حرب تنطلق أحداث فيلم (مشوار عمر) 1985 ، الذى كتبه "خان" مع السيناريست "رءوف توفيق" ، تنطلق فى شوارع القاهرة الصباحية ، مع بطل "خان" بعد أن صعد من القاع مع الانفتاح الاقتصادى ليصير بورجوازيا لا يقدر قيمة ما صار يمتلكه ، دون أن يفقد ملامحه الأساسية : متمرد على التقاليد ، عاشق للحياة ، محب للسيارات الفخمة ، يطوف بها أنحاء القاهرة برعونة أحيانا ، يدخله الفيلم تجربة درامية حادة بقذفه خارج العاصمة ، حينما يرسله والده إلى طنطا لتسليم علبة مجوهرات ، فيسلمه الطريق الزراعي لمغامرات تهز شعوره المتعالي بذاته ، والمتماهى مع سيارته الفخمة حينما تغتصب منه ، وتكشف كاميرا الفيلم الذكية عن تحول المجتمع من نمط إنتاجى إلى نمط استهلاكى يثير الحقد لدى فقراء القرى تجاه أبناء العاصمة منعدمى الشعور بالمسئولية والمتعلقين بحلم الثراء السريع .
المرأة فى شوارع العاصمة
تنقل سينما "خان" فى السنوات الأخيرة البطولة من الرجال إلى النساء ، وسكن نموذجه البطولة جسد الأنثى ، متقدما فى (زوجة رجل مهم ) ليصبح النموذج المقابل لممثل السلطة المتفاخر بسطوته ، وتصعد (أحلام هند وكاميليا) باحثة عن فضاءات تتحقق فيها ، وتكشف (بنات وسط البلد) عن معاناة الفتاة المصرية وسط مجتمع ذكورى ظالم ، وتفتش فتاة (فى شقة بمصر الجديدة) عن حلمها القديم الفرح ، وتتمزق (فتاة المصنع) تحت ماكينة الحياة اليومية الباطشة بالفقراء ، وفى كل هذه الأعمال لا تغيب شوارع العاصمة عن سينما "خان" ويوثق ببراعة المتغيرات المجتمعية التى طرأت على مدينة لا تستطيع أن تدعي أنها بلا قلب ، لأنك حتما ستقع فى هواها وتعشق صباحاتها وأمسياتها ولياليها العاشقة للحياة .