خان والسادات... وأنا

08/08/2016 - 10:12:09

كتبت - هبة عادل

لا ولن أنسي أبداً.. تلك الليلة الصيفية البديعة ولا أصدق أنه قد مر عليها 15 عاماً حيث جلست في دار العرض بأحد المولات أكثر من ساعتين من الاستمتاع الراقي بواحد من أهم أفلام السينما المصرية الحديثة.. وأنا اتابع فيلم «أيام السادات» ولما كنت وقتئذ لم التحق بعد بمجلتي الموقرة «الكواكب» فلم تتسن لي فرصة الكتابة عن هذا الفيلم وبمجرد سماعي لخبر وفاة مخرجه الكبير الراحل محمدخان صباح الثلاثاء الماضي وقع على الخبر كالصاعقة وكأنه قد أتى ليجثم علي مركز الذكريات الجميلة والدافئة فى حياتي لا أكثر، لأجدنى منطلقة لأسطر مقالي هذا .. وذاك الفيلم الذي اجتمع فيه عملاقان لن يتكررا في تاريخ الفن هما أحمد زكي ومحمد خان رحمهما الله لإنتاج هذه الدرة الخالدة «أيام السادات» وذلك مع عناصر أخري عديدة لا تقل بالطبع ألقا وجودة وامتيازا عنها.
فإذا ما توقفنا عند الماكيير الشهير محمد عشوب الذي استطاع بمهارة فائقة تحويل شكل أحمد زكي إلي نسخة تكاد تكون مطابقة لملامح ومظهر الزعيم محمد أنور السادات حتي أننا في بعض المشاهد أو حتي الصور الفوتوغرافية لا نستطيع التمييز بينهما ولأنني قررت قبل الكتابة أن اشاهد الفيلم مجددا لمتابعة كافة تفاصيله فقد لمست حرص المخرج محمد خان في كتابته لتتر البداية ووضع محمد عشوب تحت اسم «فنان الماكياج» وليس مجرد ماكيير عادي.. إلي هذا المدي لم يترك تفصيلة ولو صغيرة إلا واعتني بها.
ثم نجد اختياره الأكثر من موفق للنجمة الشابة مني زكي في لعب دور السيدة الجميلة جيهان السادات في مرحلة شبابها المبكر ثم لقطة التحول المبهرة التي صنعها «خان» في تغييرها عبر تغيير صورة فوتوغرافية من مني زكي إلي النجمة الكبيرة ميرفت أمين وقد ألقي الفيلم طوال الوقت بكيفية وجود هذه العلاقة القوية بين السادات وزوجته وكيف أنه يحدثها طوال الوقت في شئون السياسة والحكم والهم السياسي والوطني كزوجة وحبيبة وشريكة مخلصة لرحلة الكفاح الطويلة منذ كان ضابطا صغيرا وحتي وصوله إلي سدة الحكم هذا البعد الإنساني والعاطفي الذي حرص الفيلم ومخرجه علي وجوده كخط مواز للأحداث السياسية الجافة حتي لا يترك للمشاهد لحظة يخرج فيها عن الإيقاع العام لأحداث الفيلم.
ثم نجد كيف أن «خان» انتقل بنا في تنوع بديع بين المشاهد الملونة ومشاهد الأبيض والأسود.. بين الجديد والقديم... بين الروائى الحي والوثائقي الذي استخدمه حيث كان الأمر يتطلب ذلك في مشاهد مثل تذكر السادات لنفسه وهو طفل في القرية يحفظ القرآن الكريم في الكُتاب والمشاهد التسجيلية لحريق القاهرة وجنازة عبدالناصر وحكاية مشاهد من خطبة الألماني هتلر إبان الحرب العالمية الثانية وخروج الملك فاروق من مصر وحرب 1956 وبيان ثورة يوليو 1952 وسط فرحة الشعب المصري... إلخ
كما نلاحظ أيضا كيف كان يصور مشاهد الرئيس الراحل عبدالناصر من الخلف ولا يظهر وجه الفنان الذي قام بدوره .. حتي يظل التركيز الذهني فقط في بطل العمل المحوري أحمد زكي أو السادات نفسه دون الخروج ولو للحظة مقارنة بين شكل الفنان الذي يلعب عبدالناصر والرئيس الحقيقي أو حتي بينه وبين أحمد زكي نفسه والذي كان قد لعب من قبل دور عبدالناصر في فيلم «ناصر 56» أما إذا تحدثنا عن بعض أهم الأدوار الأخري التي لعبها باقي أبطال العمل وكيف راعي فيها «خان» الاختيار الدقيق حتي في الأدوار التي لم تستعرق أكثر من مشهد علي الشاشة مثل دور النجم الشاب آنذاك أحمد السقا في دور شقيق السادات أو دور الفنانة إسعاد يونس وهي تؤدي شخصية الإعلامية همت مصطفي وقد أجادت تقليدها إلي حد بعيد كذلك نري دور الفنان مخلص بحيري في أداء شخصية الكاتب الراحل الكبير محمد حسنين هيكل صاحب الدور البارز في حياة الزعيم جمال عبدالناصر السياسية بل ومصر كلها آنذاك ولا ننسي بالطبع أن نشير إلي أن هيكل العظيم كان واحداً من نخبة كتاب مصر الذين شاركوا بكتبهم في إنتاج هذا العمل...حيث نجد علي تتر النهاية أكثر من 15 اسما لكبار كتاب مصر ومنهم علي سبيل المثال لا الحصر مع حفظ الألقاب.. أحمد بهاء الدين - محمد حسنين هيكل - موسي صبري - رشاد كامل - عادل حمودة وكيف صاغ كل هذا بإبداع كبير السيناريست والكاتب الكبير أحمد بهجت ليخرج لنا «خان» من خلال هذه العناصر الجمالية المنصهرة بعناية في بوتقة رائعة تحفته بل درته الفنية البديعة في «أيام السادات» تاريخ مصر السياسي والإنساني والفني ولا يمكن أن يفوتني ختاما.. كما اختتم الفيلم بواحدة من أهم المشاهد علي النحو السينمائي والتاريخي أيضا.. حيث الزيارة التاريخية للسادات للكنيست الإسرائيلي والتي يقول عنها أنا مستعد أن أذهب إلي آخر العالم وستدهش إسرائيل عندما تسمعني أقول إنني مستعد أن أذهب إلي بيتهم إلي الكنيست ذاته.. وهناك يلقي خطابه الشهير وقد حرصت علي نقل أهم أجزائه في رأيي والتي يدعو فيها إلي السلام قائلاً تبصوت جلل فيا كل رجل وامرأة وطفل في إسرائيل شجعوا قيادتكم علي نضال السلام ويا أيتها الأم الثكلى ويا أيتها الزوجة المترملة ويا أيها الابن الذي فقد الأخ والأب يا كل ضحايا الحروب املأوا الأرض والفضاء بتراتيل السلام ..املأوا الصدور والقلوب بآمال السلام.
اجعلوا الانشودة تعيش وتثمر اجعلوا الأمل دستور عمل ونضال وإرادة من الله إني أردد مع زكريا قوله أحبوا الحق والسلام واستلهم آيات الله العزيز الحكيم حين قال «قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والاسباط وما أوتي موسي وعيسى وما أوتى النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون» صدق الله العظيم.
وصفق اعضاء الكنيست وبكيت أنا في دار العرض بكاء لن أنسي طعم دموعه وكلما أعيد هذا الفيلم علي شاشة التليفزيون حتى ولو شارف علي الانتهاء أجلس لاتابع كلمات هذا الخطاب القادر أن يستدعي دموعي ويهز وجداني ويسترجع دقات قلبي حتي لحظتنا هذه لاسيما عندما تأتي هذه الكلمات علي خلفية الموسيقي «الرهيبة» لصاحبها المبدع الموسيقار الكبير ياسر عبدالرحمن .. وهذا كله يدل علي أن الفن الراقي والصادق يعيش ويبقي ويظل حيا مؤثرا مهما رحل صناعه وأحمد الله رغم قسوة المناسبة التي اكتب فيها هذا المقال أن واتتني هذه الفرصة للكتابة عن هذا الفيلم بتوقيع الكبير محمد خان وأهدي لروحه سطوري هذه وليرحمنا الله جميعا.