« خــــــــان » .. شاعر السينما الحديثة

08/08/2016 - 10:06:12

عاطف بشاي عاطف بشاي

بقلم : عاطف بشاي

ليس هناك أفدح من رحيل مبدع ذي موهبة طاغية كان مازال مزدهراً ومازال متألقاً ومازال واعداً بكنوز يكمل بها مشروعه الساحر في صنع سينما مختلفة ومدهشة وثرية في زمن فقير بالعطاء ومناخ مترد يشي بتراجع حضاري ويتشح بأردية من قبح وابتذال .
من البداية التي استهلها بـ "ضربة شمس" و أعقبها "بالحريف" و"خرج ولم يعد" و "موعد على العشاء" و "زوجة رجل مهم" و "أحلام هند وكاميليا" و "سوبر ماركت" وصولاً إلى "بنات وسط البلد" و"في شقة مصر الجديدة" و "قبل زحمة الصيف" وهو يرسم ملامح سينما جديدة تتجاوز حدود "الواقعية" بمفهومها الاجتماعي الضيق .. إلى "واقعية شعرية" تنسف منطق "الحدوتة" التقليدي وتثور ضد المسلمات الأخلاقية الراسخة وتتحرر من اعتقال "الحبكة الدرامية" العاجزة عن ارتياد عوالم أكثر رحابة .. عميقة في طرحها الإنساني وجميلة في نسجها الرومانسي مستعينة بصورة سينمائية وكادرات وزوايا تصوير خلابة .
إن المعالجة الدرامية الفريدة عند "خان" تحفل بالتفاصيل الصغيرة والمنمنمات الرقيقة الدالة والموحية من جملتها يكشف المخرج عن سلوك بشر نتفاعل معهم تفاعلاً وجدانياً آسراً وحميمياً ببساطة وتلقائية .. دون أن يتدخل المخرج الفنان في حلبة الصراع الدرامي التي تبقى موحية أكثر منها مباشرة ..
ولأن "خان" لم يكن يفتعل صنع الأحداث ولا يسعى إلى تطويرها وصولاً إلى ذروة درامية .. بل يترك شخصياته لتصنع عالماً بتفاصيله المتشابكة والمتناقضة دون أن يهتم بتحديد مصائر وجودهم الإنساني .. ودون أن يفصل في تعسف بين واقعهم المعاش وأحلامهم المجهضة (يبرز ذلك بوضوح في فيلمه الأخير قبل زحمة الصيف) ولأنه لا يعنيه تلك الفرضيات وحتمية المقدمات التي تؤدي إلى النهايات والأسباب التي تدفع إلى النتائج والتمهيدات التي تتسق والتسلسل المنطقي للأحداث .. فإن الفيلم عند "محمد خان" هو مغامرة مدهشة في الإبحار داخل النفس الإنسانية بكل جموحها وبرودها .. شططها وخنوعها .. تمردها وانسحاقها .. خضوعها لواقع مؤلم ومحاولاتها للإفلات من مصير فاجع .. جمودها ورتابتها .. جنونها ولا معقوليتها وهكذا ..
وفي أفلامه الأخيرة يبدو المخرج العجوز أكثر شباباً .. وحيوية ونضارة وجرأة وحماساً وتطوراً مستنداً إلى حنكة وخبرة وحكمة وتمكناً اكتسبهم خلال مشواره الفني الطويل والبديع ..
وكعادة "خان" في الاهتمام الفائق بالمكان وتفاصيله الدقيقة يعكس في فيلم (فتاة المصنع مثلاً .. وكذلك أحلام هند وكاميليا) بشر يعيشون في أحياء عشوائية ويعانون من شظف العيش .. ورقة الحال .. أحزان كبيرة وأحلام صغيرة .. سعادة غامرة برحلة متواضعة إلى الإسكندرية تجمع فتيات المصنع والمشرف الشاب .. ولحظات رغبة مختلة مفعمة بمشاعر حرمان وعطش غريزي متأجج أكثر من كونها عاطفة حب واعدة .. وفي هذه اللحظات المسروقة يسلب مشرف المصنع الشاب شرف الفتاة البائسة .. ويتنكر لها بغلظة في مشهد مؤثر ومقبض ..
يا خسارة .. كان "بابا نويل" يحمل لنا في جرابه هدايا جميلة دائماً مع كل فيلم جديد "لخان" .. لكن طائر الموت الكريه إختطفه قبل أن يفي بكل وعوده كمخرج عتيد صاحب تاريخ باهر في السينما المصرية الحديثة..