نور الشريف :نعم أنت تستحق كل هذا الحب

23/09/2014 - 12:22:17

نور الشريف نور الشريف

كتب - عادل سعد

فى موعد ندوة نور الشريف، بمهرجان الإسكندرية السينمائى الدولى ،غصت القاعة بالحاضرين ،واتصلت ليلى علوى راجية تأجيل الموعد خمس دقائق لأنها فى الطريق ولا ينبغى أن يفوتها تكريم نور الشريف ، وحضر محمود ياسين ، وصعد نور على المنصة ، لكن الجمهور وكان معظمه من الفنانين والنقاد لم ينتظر وبدأ فى التصفيق والصياح : " بنحبك يانور .. بنحبك يا أستاذ " وارتجت القاعة بمظاهرة ووقف الجميع، وأجهش نور باكيا : "يا رب .. هل أنا استحق كل هذا الحب ؟ "وجرى الجميع نحوالمنصة لمعانقته .


تعرفت على نور الشريف منذ ربع قرن، لمحته بجلباب قديم فى ستديو الأهرام، وكانت معى صديقة من الكواكب نصحت بأن أستوقفه فقلت : لا أطيق غرور وغطرسة النجوم ، فقالت: أنت لا تعرف نور الشريف .


طلبت موعدا فقال غدا فى الثالثة، بالإستديو، وفى اليوم التالى وصلت، وكان يصور، وأشارثلاثين ثانية فقط من فضلك، وانتهى المشهد،ووضع نور يده على كتفى ، ورحنا لغرفة الملابس ، وقال: كم تحتاج من الوقت : قلت ثلث الساعة، لكننا قضينا ثلاث ساعات نتحدث.


بعد التسجيل سألنى نور مذهولا: هل هذا الحوار للكواكب ؟


كان قد اعترف خلال التسجيل بأن عقدة طفولته أن أمه تزوجت عمه إسماعيل، وأنه لم يعرف أن ذلك الرجل ليس أباه إلا بعد أن دخل المدرسة الابتدائية، وظل يشعر بالكراهية لأمه ولعمه إسماعيل طوال طفولته.


وندت على عينيه دمعة وهو يقول : كانت أتعس لحظات حياتى عندما كنت فى الخارج وعرفت أن عمى إسماعيل مات، يومها أدركت كم كنت جاحدا مع الرجل الذى أحسن تربيتنا أنا وشقيقتى زينب، ولم يكن ذنبه أبدا أن تزوج من أمى ليحافظ عليها وعلى أولاد أخيه.


وقال نور الشريف إنه يعانى من نوبات الاكتئاب ، ويعيش فى عالم بلا أصدقاء وتحدث عن فن الممثل وعلاقته بالفن التشكيلى والرسم والتصوير والشعر والأدب وعلم النفس.


أيامها كان فى دار الهلال تقليد جميل، بنشر أهم موضوعات المجلات الصادرة عن الدار، على لوحة عملاقة بشارع المبتديان، وظل الحوار مع نور معلقا على اللوحة ولا يتغير ثلاثة أشهر.


وخفت أن تكون الصراحة الصادمة قد أغضبت نور،واختفيت بعيدا عنه، وبالمصادفة فى حديقة نقابة الصحفيين القديمة ، عبر نور الشريف لحضور ندوة ، ولمحنى من بعيد،وتوقف من بين من يطاردونه للحصول على مواعيد، ليقول : «أنت فين»؟.


ولما أطرقت صامتا قرر أن يضع يده عل كتفى من جديد، فقلت: «أستاذ نور هل شاهدت الموضوع؟؟» وكنت خجلا، فقال : «نعم .. موضوع أوربى بكل المقاييس .. وانا قرأته وبكيت» وأردف: «إحنا لازم نبقى أصحاب».


بعدها اعتدت أن أتصل بنور لأخبره أن هناك كتابا مهما أو أن يشترى من أجلى كتاباً أو يطلب معلومة، أو نشاهد معرضاً أو نستمع لاغنية ممنوعة ،وكانت علاقته بهؤلاء المخرجين الذين صنعوا مجد السينما المصرية فى الثمانينات أمثال محمد خان وعاطف الطيب ومحمد النجار مفزعة .


فى فيلم «ناجى العلى» سأل نور الشريف فى قلق : عندى مشكلة ولا أعرف كيف أحصل على صوت ناجى العلى ؟ وذهبت إلى فنان الكاريكاتير الكبير بهجت عثمان وحكيت القصة فبكى و كان يحب ناجى.


بعد أيام أخبرنى بهجت عثمان بأن فى الطريق لمصر شريطين كاسيت بصوت ناجى العلى فى الندوات والحياة ومع الأصدقاء ، دبرتهما الأديبة المصرية رضوى عاشور زوجة الشاعرالكبيرمريد البرغوثى وكان وقتها سفيرا لفلسطين فى إحدى الدول الأوربية، وبالمصادفة أيضا اتصل صديقى الراحل أحمد كمال من موسكو وقال إنهم يقيمون هناك مؤتمرا عن ناجى العلى وجمعوا كل أعماله المنشورة بالصحف والكتب، وأرسل نسخة من الأوراق بالبريد العاجل.


لذلك لم أتعجب كثيرا عندما خرج وقتها إبراهيم سعدة رئيس تحرير ورئيس مجلس إدارة أخبار اليوم، المخلص للأجهزة السرية التى يعمل لديها، ليهاجم فيلم ناجى العلى بضراوة، فقد كانت بداخله تعرية فاضحة، لكل من يتاجرون بقضية فلسطين من الحكام العرب والفلسطينيين.


الرصاصة الخائنة التى قتلت ناجى العلى وهو يعبر على الرصيف المقابل فى لندن،لم تنجح فى تكرار خيانتها فى القاهرة ، وأتذكر أيامها ونحن صغار السن ، أن عقدنا اجتماعات ووقفنا بضراوة ضد حملة إبراهيم سعدة الذى استعان بسيناريست فاشل ليكتب شهادات عن وقائع كاذبة، وعدد من الحاقدين ، وقمنا بإجراء تحقيقات كشفت أن كل ما يردده إبراهيم سعدة ومن جنّدهم على صفحاته أكاذيب مفضوحة، فتوقفت الحملة لكن بعد أن ضربت جماهيرية الفيلم فى الصميم.


فى الفيلم مناضل فلسطينى يعيش فى لندن ويقيم حفلا نضاليا بالويسكى والسيمون فيميه والكافيار والنساء الفاتنات، ويقدم مفاجأته للضيوف، بإزاحة الستارعن بيارة برتقال،فى قصره، كرمز للوطن الضائع، فيتقدم ناجى من بين كل المدعوين، ويفتح بنطاله ويتبول على البيارةّ وصاحبها المناضل!


بعدها تعودت أن أتسلل لنور، ليستعير بعض كتبى ، وبعضها لم يرجع إلى الآن ،أو أن أكتب دراسة عن تاريخ البغاء فى مصر قبل أن يبدأ مسرحية : " كنت فين يا علي" أو أحضر مسرحية : " كاليجولا" ومحاولات نور لاقتحام المسرح بطلبة أكاديمية الفنون.


سافرت مع نور داخل مصر، وكنت أجلس معه وحيدا وهو يصبغ شعره بالحناء قبل التصوير، وكان ولا يزال أبا حنونا وعطوفا على ابنتيه،وعلى عم على ، الرجل العجوزالذى يرافقه كظله، والذى كان يبتسم عندما يرانى مهللا ، لأنه يعرف علاقتى بالأستاذ.


اختفيت من عيون نور سنوات طويلة، عملت خلالها بالكتابة فى السياسة، وغيرها، وليتنى ما فعلت، لكن آفة الصحف المصرية أن من يكتبون فى السياسة أغلبهم أدعياء وينظرون لمن يكتبون فى الفن والرياضة كدرجة أقل ، مع أنهم كالهواء الفاسد ومن أكبر الدجالين.


وكانت الدنيا تغيرت ،عندما تقابلت مع نور الشريف، فى الإسكندرية وعلى الفور قال : " يااااه ..عادل"


وكنت عاجزا عن الكلام، فقد مر نور بمحنة عابرة، واعتقدت أنها لن تصيبه ، لأنها كاذبة وتافهة، لكننى كنت واهما، لأن السموم طالت أخيرا نور الشريف، وبدا أمامى واهنا من المرض.


وها أنذا أعتذر ، لأننى كتمت شهادتى - بدون قصد - عن نور الشريف الإنسان والمثقف والفنان.


ويا نور الشريف شفاك الله وعافاك، وأنت بالفعل تستحق كل هذا الحب وأكثر.