من حجى إلى صباحى وحجازى: القضية ليست السيسى ولكن مصر

04/08/2016 - 9:35:55

بقلم: أحمد أيوب

لو بحث السيسى نفسه عن وسيلة تنبه الشعب المصرى للمؤامرة التى تدبر ضده لما وجد أفضل من التزامن المريب بين كلام عصام حجى وحمدين صباحى عن أطماعهما فى الرئاسة، تزامن لا علاقة له بمصلحة البلد ولا الخوف عليها، لو كان هذا دافعهما لاجتمعا على أن يمدا أيديهما لمصر ومساندة حكومتها ودعم رئيسها ضد ما تواجهه مصر من مخاطر وتهديدات ومؤامرات واضحة للجميع، لكن الغرض مرض، وقد ظهر الغرض واضحا جليا فى كلام حجى وصباحى، غرض السلطة الذى يزيغ الأبصار ويفقد صاحبه الصواب ويجعله ألعوبة فى يد من يحركه ويقود خطاه الملعونة.


تحدث حجى عن فريق رئاسى لخوض الانتخابات الرئاسية فى ٢٠١٨ لإقصاء السيسى، ولا جدال أن هذا حق مشروع لحجى أو غيره، لا يلومه عليه أحد، فالرئاسة ليست حكرا على السيسى، وإنما حق لكل من تتوافر فيه شروطها القانونية من المصريين، لكن غير المشروع أن يكون الحديث عن الانتخابات الرئاسية الآن ليس خالصا لوجه الوطن وإنما تقف وراءه أغراض خبيثة ونوايا شريرة.


لقد حاول حجى إخفاء هذه النوايا وحاول إيهامنا بأن غايته الإصلاح، فتحدث عن التعليم والتنمية، لكن يكاد المريب أن يقول خذونى، وحجى مريب من يومه، ولهذا لم ينجح فى إخفاء حقيقة ما يريده، فضحه وكشف عورة كلامه ما طرحه عن كون الفريق المزعوم سيكون من أهم أهدافه وبرامجه المصالحة، يقصد بوضوح مصالحة من قتلوا الشعب وحرقوا ممتلكاته وخربوا دولته، قالها بكل بجاحة، أنه سيتصالح مع جماعة الإخوان الإرهابية، التى لا يخجل عصام حجى عن الحديث عنها باعتبارها فصيل سياسى مصرى، متجاهلا جرائمهم ضد المصريين ومتناسيا دم الشهداء ضحايا إرهابهم.


قد يسأل أحد.. كيف يمكن تصور أن يصدر هذا من حجى الذى كان يوما مستشارا علميا لرئيس الجمهورية المؤقت عدلى منصور؟!


لكن قبل أن يستغرق هؤلاء فى السؤال نذكرهم بمن كانوا مستشارين ونوابا لرؤساء مصر ثم اكتشفنا أنهم مصريون بالاسم فقط، ولكن هواهم وثقافتهم وقناعاتهم وربما انتماءاتهم غربية.


وعصام حجى واحد من أصحاب الهوى الأمريكى الخالص، لا يعنيه الشهداء ولا يشغله التخريب الذى ارتكبته الجماعة الإرهابية، فهو يعنيه فقط كيف ينفذ المطلوب منه، كيف يحقق للأمريكان ما يريدونه من فتح للمزاد الانتخابى مبكرا ليزيد من حالة الاستقطاب السياسى ويشعل الساحة ويربك المشهد ويمهد الأرض لمزيد من الصراع كبداية لمخطط هدفه قطع الطريق على السيسى ومنعه من خوض انتخابات الرئاسة القادمة بأى طريقة كانت، ليكون الرئيس القادم صناعة أمريكية خالصة تنفذ لهم ما يطلبونه دون مناقشة وتحقق لهم حلم عودة الإخوان، شركاء مخطط الفوضى الخلاقة فى المنطقة والتى لا تزال واشنطن مصرة على استكمالها وأصبح فى حكم المؤكد أنه العقبة الوحيدة فى سبيل تحقيقها هو بقاء السيسى فى الرئاسة، واستمرار الجيش المصرى على قوته ووحدته، خطة محبوكة أمريكيا ومعلنة بكل بجاحة، قالتها هيلارى كلينتون مرشحة الرئاسة الأقرب حتى الآن للفوز بالانتخابات، أعلنت بوضوح فى مؤتمراتها الانتخابية أنها ستسعى ليعود الإخوان إلى الحياة السياسية والإفراج عن المسجونين منهم، ليخرج حجى بعدها بساعات ويعلن أن البرنامج المطروح للرئاسة هو المصالحة مع من تريد هيلارى عودتهم، اختار أن يعلن هذا من منبر إخوانى التوجه ولم يحدد حتى اسما واحدا ممن أطلق عليهم الفريق الرئاسى، لأن الحقيقة أنه لا يوجد فريق وإنما توجد خطة لزعزعة الأوضاع فى مصر، وإرباك السيسى فى تحركاته، والتضييق عليه، وحجى لاعب رئيسى فيها.


وبقصد وتعمد يلعب حمدين صباحى على نفس الخط ويسير فى نفس الاتجاه، قد يقول قائل للمرة الثانية.. كيف يعقل هذا وصباحى نفسه قد سبق له وحسم أمره وأعلن بوضوح أنه لن يترشح مجددا للرئاسة؟!


 والرد سهل وبسيط.. فما المانع أن يراجع حمدين نفسه ويتراجع عن كلامه، فهو لم يقل قرآنا وكرسى الرئاسة يستحق التنازل والتضحية بالكثير حتى ولو كانت المبادئ، خاصة اذا كان الوهم يخيل للبعض أن الحلم يمكن أن يتحقق، وصباحى إلى آخر يوم فى حياته لن يفرط فى حلم الرئاسة، يدفع كل عمره ليدخل يوما واحدا إلى قصر الاتحادية ليحكم مصر، وفى سبيل ذلك لا مانع عنده من التحالف مع الشيطان سواء كان الاخوان، أو الأمريكان، حمدين جاهز للتحالفات ومحترف تربيطات طالما أنها تخدم أطماعه وتحقق أوهامه.


ما بين حجى وصباحى تظهر تفاصيل المخطط الكامل، إبعاد السيسى عن قصر الاتحادية بأى ثمن، فوجوده أصبح مقلقا للأمريكان ومفسدا لكل مخططاتهم فى المنطقة، رئيس غير مرغوب فيه أمريكيا، مطلوب حرق الأرض من تحته، وكل السبل لتحقيق هذا مشروعة، والأدوات متاحة، من طابور خامس مدرب وجاهز ويتحرك بالريموت، ومجتمع مدنى ماهر فى تصيد الأخطاء وحشد المواطنين، ووسائل إعلام تم تشكيلها وتأهيل قياداتها على اطلاق حملاتهم بمجرد الإشارة لتشويه الرئيس وسياسته، والمليارات جاهزة وقابلة للتحويل لتضخيم الأزمات، من فتنة طائفية مصطنعة إلى إرهاب تشتد وتيرته لإرهاق الجيش والأجهزة الأمنية إلى ملفات تنفجر وتزداد تعقيدا، وأزمة دولار مفبركة واسعار ترتفع يوما بعد الآخر دون مبرر، وخلايا اخوانية تعبث فى كل المؤسسات لتزيد الفوضى وتشعل الغضب من حول الرجل، ووسائل تواصل اجتماعى لا تتوقف عن الفبركة واختلاق الأخبار الكاذبة التى تضع السيسى فى حرج شعبى، وفى هذا التوقيت يظهر حجى ليعلن عن نفسه ويضع اسمه فى الصورة ويخرج حمدين من صمته ليشارك كعادته فى اللعبة طمعا فى حلم ما زال يراود خياله الرئاسى، خطة شيطانية لا تراعى شيئا سوى التخلص من الرجل المرعب لهم، السيسى.


حجى وصباحى يلعبان على نفس الوتر، ينطقان بلسان واحد وإن اختلفت الصيغة والمناسبة،  يفتحان الملفات الشائكة والقضايا التى تثير الفتنة وتشعل الخلاف، يتحدثان بثقة وكأنهما يعرفان النتيجة مسبقا، حجى يقول أن فريقه المزعوم سيفوز بالرئاسة حتى لو ترشح السيسى، وحمدين يتحدث عن أن السيسى سيكون آخر رئيس عسكرى لمصر، وبينهما تأتى مقالات المنظر المستورد مصطفى حجازى لتساهم فى تمهيد الأرض لهذا المخطط وإفقاد السيسى شرعيته وشعبيته.


تحالف مشبوه ومخطط مفضوح، بدايته فتح مقصود لملف الرئاسة فى وقت تنزف فيه البلد، استغلال سيئ لظرف غير طبيعى،  تخديم واضح على من لا يريدون لمصر خيرا.


أنا هنا لا أحاول الحجر على حق أحد، ولا أدافع عن السيسى، وإن كنت مقتنعا تمام الاقتناع أنه يستحق الدفاع عنه، لكن الحقيقة أن القضية لم تعد بقاء السيسى أو رحيله، وإنما القضية أصبحت بقاء مصر نفسها كدولة لها هويتها وحدودها وعقيدتها، القضية أصبحت مستقبل هذه الدولة والذى تصر واشنطن على أن تكون هى المتحكم فى تحديده، وترفض أن تترك لأهل مصر فرصة أن يختاروا مستقبلهم أو يحددوا مصيرهم بأيديهم، بل تسعى بكل قوة لتصحح ما حدث فى ٣٠ يونيو وتعيد الكرة إلى ملعبها لتمسك مجددا بزمام الأمور فى مصر، تحاول أن تخلق من جديد رئيسا تابعا لها ونظاما يأخذ أوامره من البيت الأبيض، لن تريد أن يبقى السيسى فى الاتحادية يوما واحدا ولا حتى أن يظهر رئيس جديد بنفس شخصيته أو رؤيته، فواشنطن ترى أن كل يوم يقضيه السيسى فى الرئاسة خسارته كبيرة عليها، ليس فى مصر وحدها وانما فى المنطقة برمتها، لا تنسى أن ٣٠ يونيو ورئاسة السيسى لمصر كانت أول تمرد حقيقى على الهيمنة الأمريكية، رفض مصر للأوامر الأمريكية بعد ٣٠ يونيو والاصرار القاهرى على التعامل مع واشنطن بمنطق الند وليس التابع أمر لم يكن معتادا ولم يعد مقبولا من رعاة البقر.


ما يحدث الآن من مؤامرة على مصر  وبمعاونة من بعض أبنائها العاقين، يستدعى على الفور ما كان يلمح له السيسى نفسه منذ فترة، وهو أن المعركة معركة بقاء، فالأمريكان يخوضون المعركة حتى آخر نفس لأنهم لا يعترفون بالهزيمة ولا يرفعون الراية البيضاء، ومصر لابد أن تكون كما أرادوا لها، دولة ممزقة كما بقية المنطقة، دولة بلا جيش كما فعلوا فى دول وجيوش أخرى، فكل الجيوش العربية التى كنا نراهن على قوتها أصبحت ماضيا لا وجود لأثر منه الآن،  لكن الجيش المصرى هو الوحيد الذى ما زال حاضرا ونتحدث عنه بلغة المضارع ويصر على أن يلعب دورا فى صناعة مستقبل المنطقة بالكامل، يرفض الانكسار ويستعصى على الانقسام الذى طال غيره من جيوش المنطقة فكان السقوط، والأمريكان أيقنوا أن اللعب مع الجيش المصرى صعب ولا مجال سوى السيطرة على مقاليد الرئاسة وإزاحة السيسى من مكانه.


لكن اللعبة مفضوحة وأدواتها مكشوفة، يعرفهم المصريون ويعرفون حجمهم الحقيقى، ويدركون أن أغلبهم لا يتحركون من أرضية وطنية، وإنما لمصالح شخصية وأطماع رخيصة.


يبقى التأكيد على أن ما لا يعرفه هؤلاء أن المصريين ليسوا أغبياء ولن تنطلى عليهم هذه الألاعيب ولن تخدعهم الشعارات الكاذبة ولا الوعود البراقة، فالمصريون قد يغضبون بعض الشىء من رئيسهم، وقد يعترضون على قرارات أو تصرفات، وقد لا تعجبهم بعض المواقف، لكنهم لن يتخلوا عنه ولن يتركوه وحيدا فى مواجهة تلك المؤامرة الدنيئة، بل سيصرون على مساندته حتى وإن كلفهم هذا حياتهم، قد يراهن هؤلاء ومن يدعمهم أو يحرضهم على أن شعبية الرئيس الآن تعانى بعض التراجع بفعل مؤامراتهم لكن ما لا يدركونه أن هذا التراجع ليس دائما وإنما هو تراجع مؤقت يمكن أن يختفى وتعود الشعبية كما كانت فى لحظة، لأن غضب بعض المصريين من رئيسهم هو غضب المحبين الذين سرعان ما يعودون إلى ودهم، ودعم رئيسهم الذى اختاروه بإرادتهم وفوضوه عن قناعة ما زالت قائمة وإن تعرضت لبعض الأزمات.