الحكومة بدأت فى تنفيذ شروطه منذ عدة أشهر هل يُصلح قرض «صندوق النقد» ما أفسده الدولار؟

04/08/2016 - 9:19:15

تقرير: أميرة جاد

طوال السنوات القليلة الماضية ظل حل اللجوء إلى المنظمات الدولية المالية واحدا من الحلول المؤجلة التى لم تسع الحكومات المتعاقبة إلى اللجوء إليها، البعض أرجع التخوف الحكومى هذا إلى السٌمعة السيئة المرتبطة بالحصول على قرض خارجى، وآخرون أكدوا أن شرائح شعبية من الممكن أن تٌضار حال الإقرار به حلا للخروج من الأزمة، غير أن حكومة المهندس شريف إسماعيل، التى لم تتوان لحظة فى التأكيد على سعيها لخدمة المواطن المصري، لجأت مؤخرا إلى حل الاقتراض من صندوق النقد الدولى مبلغ ١٢ مليار دولار، رغبة منها فى مواجهة أزمة الدولار الحالية ودعم الاحتياطى من النقد الأجنبى وكذلك العمل على سد العجز الموجود فى الموازنة العامة للدولة.


قرض صندوق النقد الدولى الذى لا يزال فى مرحلة التفاوض المقدر استمرارها أسبوعين مقبلين – إذ يزور مصر حاليا بعثة الصندوق برئاسة كريستوفر جارفيسالتي- بقدر ما يعتبر إنقاذا عاجلا ومؤقتا للوضع الاقتصادى الراهن بقدر ما يعمق العديد من المخاوف الاقتصادية ذات المردود الاجتماعى نظرا للاشتراطات التى يفرضها الصندوق على الحكومة من أجل الحصول على القرض، تلك الاشتراطات التى يصحبها فى الغالب تخفيض للدعم وخفض قيمة العملة المحلية إلى جانب رفع سعر الفائدة وكذلك خفض عجز الموازنة وما يتبعه من زيادة للموارد وتحديدا الضرائب وخفض للنفقات وهو ما يعرف بالسياسات التقشفية.


الاشتراطات المؤلمة لصندوق النقد لحصول مصر على القرض فتحت الباب أمام تساؤلات عدة من نوعية.. هل يكفى المبلغ المطلوب من الصندوق لإنقاذ الوضع الراهن؟.. هل هناك بدائل أخرى يمكن الاستعانة به تحول دون اللجوء إلى القرض؟ .. وما طرق مواجهة التبعات الناتجة عن الإجراءات التى تعتزم الحكومة اتخاذها للحصول على القرض؟.. وكيف ستعمل الحكومة على حماية الطبقات الفقيرة من تداعيات تطبيق اشتراطات الصندوق؟


على الصعيد الحكومى وحول التخوف من الاشتراطات التى قد يفرضها الصندوق على مصر قال أحمد كجوك نائب وزير المالية للسياسات المالية فى بيان رسمى صادر عنه – حصلت المصور على نسخة منه: البرنامج الإصلاحى للحكومة برنامج وطنى متكامل وشامل ومتوازن، ويعكس برنامج الحكومة الذى أقره مجلس النواب وكذلك الإصلاحات المالية التى تضمنتها موازنة ٢٠١٦/٢٠١٧ وتم إقرارها من البرلمان، وقد أشاد الصندوق بهذا البرنامج وأبدى استعداده لتقديم مساندة مالية لتنفيذه.


«كجوك» فى البيان ذاته، أوضح أيضا أن برنامج الحكومة يأخذ فى اعتباره إجراء إصلاحات على كافة المسارات والمستويات، وبه برامج واضحة للحماية الاجتماعية، مؤكدا أنه لا توجد أية إجراءات مالية أو اقتصادية تقوم أو ستقوم بها الحكومة إلا ويتلازم معها إجراءات وبرامج للحماية الاجتماعية تصاحب الإجراءات الإصلاحية الاقتصادية.


 نائب وزير المالية للسياسات المالية، شدد أيضا على أن الهدف الأساسى لبرنامج المساندة المالية وتغطية الفجوة التمويلية الحالية زيادة معدلات النمو بما يسهم فى تحسين المؤشرات المالية للموازنة العامة وخاصة على مستوى خفض الدين العام إلى نسبة أقل من ٩٠٪ من الناتج المحلى الإجمالى، إضافة إلى خفض نسبة عجز الموازنة لنحو ٩,٨ بانخفاض أكثر من ٢٪ من العجز المتوقع لهذا العام بما سيصب فى صالح المواطنين،وذلك عن طريق انخفاض معدلات التضخم والحد من ارتفاع الأسعار.


كما أشار أيضا إلى أن الاقتراض من المؤسسات الدولية يكون بسعر فائدة مخفضة -بنسبة الثلث تقريبا- عن الاقتراض من السوق العالمية حيث تتراوح فائدة القرض من ١.٥٪ إلى ٢٪ إضافة إلى وجود فترات السماح طويلة الأجل.


ولفت «كجوك» الانتباه فى سياق بيانه الرسمي، إلى أن الاقتراض من الصندوق ليس الهدف منه فقط الحصول على شهادة ثقة، حيث قال: الاقتراض من أى مؤسسة دولية يؤكد أنه هناك خطة جيدة ورؤية واضحة لهذا الاقتصاد كما أنه يسهم فى جذب استثمارات أخرى سواء فى أسواق المال أو الشركات بما يدعم استمرار دوران عجلة الاقتصاد بشكل أفضل، وهناك تعاون مع المؤسسات الدولية الأخرى منها لقاء مسئولى البنك الأفريقى للتنمية الفترة الماضية للتفاوض على الشريحة الثانية من قرض قيمته ١.٥ مليار دولار حيث تلقت مصر ديسمبر الماضى الشريحة الأولى وقدرها نصف مليار دولار.


وفيما يتعلق بالإصلاحات التى ستشهدها الفترة المقبلة، قال نائب وزير المالية للسياسات المالية: الإصلاحات ستمتد لتشمل مختلف المجالات الاقتصادية منها بحيث يتم طرح جزء من حصة الدولة فى بعض الشركات العامة ببورصة الأوراق المالية بما يدعم جهود الحكومة لتنشيط البورصة خلال المرحلة المقبلة خاصة أنه لم يتم طرح أسهم جديدة فى البورصة منذ ما يتراوح بين ٤و٥ سنوات، كما أننا يجب أن نضع فى الاعتبار أن تنشيط سوق المال والطرح بالبورصة يسهم فى ضخ الأموال بالسوق وتحسين النشاط الاقتصادى وتوسيعه وجذب استثمارات من الخارج وتنشيط البورصة ذاتها التى تعتبر أيضا مصدر دخل لفئة من المواطنين،وهذا البرنامج ضمن اختصاص وزارة الاستثمار التى سوف تديره بكوادرها وكفاءتها.


 كما تتم حاليا إصلاحات كبيرة على مستوى السياسة الضريبية وتحسين الإدارة الضريبية ذاتها وجار الانتهاء من صياغة قانون جديد للمشروعات الصغيرة وآخر متعلق بالتصالح الضريبى، ومن الإجراءات الإصلاحية التى تتجه الحكومة إليها حاليا الإعداد لطرح سندات دولارية فى الأسواق المالية العالمية حال توافر الظروف المواتية.


وأكد «كجوك» أنه هناك تنسيق كامل بين وزارة المالية والبنك المركزى حيث تم وضع آليات مؤسسية تضمن استمرار هذا التعاون والتنسيق على كافة الأصعدة موضحا أن هناك تواصلا دائما مع المؤسسات الدولية لشرح تطورات الأوضاع الاقتصادية والاستفادة من الخبرات المتوافرة بتلك المؤسسات أو بالاستفادة من البرامج التمويلية لديها باعتبارنا عضوا فى هذه المؤسسات – على حد وصفه.


وحول قرض صندوق النقد الدولى قال: برنامج التمويل الذى تتفاوض مصر بشأنه مع صندوق النقد الدولى يصل إلى نحو ١٢ مليار دولار خلال ٣ سنوات وسوف يدعم أرصدة الاحتياطى الأجنبى لدى البنك المركزى، كما سيتيح تمويلا إضافيا لسد عجز الموازنة من خلال هذا القرض تمويل عجز الموازنة وكذلك تمويل المشروعات مما يسهم بالإيجاب فى خفض معدلات العجز والتضخم.


نائب وزير المالية للسياسات، أكد أيضا أن حصول مصر على قرض من صندوق النقد أو غيره من المؤسسات هو حق للدول المساهمة فى هذه المؤسسات الدولية ومن بينها مصر وهو يعتبر تمويلا طبيعيا فى حدود حصة مصر بالصندوق، وأنه فى حالة التوصل إلى اتفاق مع الصندوق خلال الأسابيع المقبلة، من المقرر أن تحصل مصر على شريحة أولى بقيمة ٢ مليار دولار أو أكثر خلال ٦٠ يوما.


من جانبها قالت د. سلوى العنتري، الخبير الاقتصادي: الاقتراض من صندوق النقد حق من حقوق مصر فى الأساس، لأن مصر لديها حصة فى رأسمال الصندوق، ما يجعل الاقتراض من الصندق ليس مِنة أو منحة من القائمين عليه، واستخدامات القرض محددة مسبقا من قبل الصندوق فى دعم الاحتياطى من النقد وتخفيض عجز الموازنة العامة ولا يحق للدولة استخدامها فى استثمارات بعينها.


وفيما يتعلق بالاشتراطات التى ستتواكب مع الحصول على قرض «النقد الدولى»، قالت د. «سلوى»: الاشتراطات التى يطلبها صندوق النقد مطبقة بالفعل لأن جمعيها شملته برنامج الحكومى الاقتصادى الذى وافق عليه مجلس النواب والذى تضمن تخفيض قيمة الجنيه ورفع سعر الفائدة وضريبة القيمة المضافة ودعم الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والحكومة بدأت فى تنفيذ هذه الإجراءات منذ فترة حيث تم تخفيض قيمة الدعم الموجه للطاقة بشكل تدريجى كما تم تخفيض قيمة الجنيه ١٤ ٪ خلال مارس الماضى، كما رفع البنك المركزى خلال الاجتماع قبل الأخير معدلات الفائدة وكلها أمور لم تفلح فى تخفيض المعدل المطلوب لعجز الموازنة أو دعم الاحتياطى وهو ما يجعل التساؤل الأهم حاليا ما الجديد الذى يمكن أن تتخذه الحكومة من إجراءات إضافية للحصول على القرض؟


وعن ما تم تداوله حول الاتجاه إلى بيع بعض الأصول العامة لسد عجز الموازنة واجتذاب الاستثمارات الأجنبية قالت: الخصخصة الصريحة والمباشرة هى الإجراء الجديد الذى من المتوقع أن تلجأ إليه الحكومة ليضاف إلى قائمة الإجراءات التى تمكن الدولة من الحصول على القرض.


و حول مدى فاعلية القرض فى حل أزمة الدولار الحالية قالت «د.سلوى»: القرض إذا تم الحصول عليه سيحل الأزمة بشكل مؤقت، ولكن ما لم يكن الاقتصاد قادرا على توفير احتياجاته بشكل ذاتى من خلال تقليل الاستيراد والاعتماد على الإنتاج المحلى ستظل المشكلة قائمة، وفى المقابل تجب الإشارة إلى أن اللجوء إلى تخفيض الجنيه لجذب الاستثمارات وزياردة الصادرات أثبتت التحربة العملية أن هذه النوعية من الإجراءات غير مجدية فى جذب العملة الأجنبية.


وعن تاريخ مصر مع قروض صندوق النقد الدولى، قالت د. سلوى: القاهرة لم تحصل على قرض صندوق النقد سوى مرة واحدة فى بداية التسعينيات وهو القرض الذى كان من تبعاته الخصخصة وتطبيق مجموعة السياسات الاقتصادية التى حولت الاقتصاد المصرى إلى اقتصاد يعتمد على قطاع الخدمات وقللت معدلات التصنيع ورفعت الاعتماد على الصادرات، وكانت مصر قد حاولت فى السبعينيات والثمانينيات الحصول على القرض، لكنها تراجعت خوفا من تبعات الاشتراطات التى يفرضها الصندوق على البعد الاجتماعي.


على الجانب الآخر قالت د. يمن الحماقي، أستاذة الاقتصاد بجامعة عين شمس: قرض صندوق النقد مقبول فى حالة واحدة هى أن يكون بالتوازى معه خطط للتنمية الاقتصادية يتم تحقيقها بكفاءة وفى إطار زمنى محدد، ولكن أن يتم اللجوء للصندوق والتعامل معه كونه أحد آليات حل الأزمة الحالية، فهذا الأمر لن يجدى معه استغلال حق مصر فى الاقتراض من الصندوق أو غيره.


و حول كيفية مواجهة تداعيات تنفيذ مصر لاشتراطات صندوق النقد قالت د.»يمن»: تطبيق الضرائب التصاعدية وتحقيق التمكين الاقتصادى واستهداف الفقراء أهم سبل مجابهة التداعيات الاقتصادية ذات البعد الاجتماعى لاشتراطات صندوق النقد، والتمكين الاقتصادى للفقراء يحدث من خلال إتاحة فرص التدريب والتأهيل والتعليم وهى السبل التى من شأنها رفع كفاءة خريجى الدبلومات والكليات ذات الأعداد الكبيرة وهم يمثلون القاعدة العريضة للفقراء.


و فيما يخص الاتجاه إلى «خفض قيمة العملة المحلية» كأحد اشتراطات الصندوق للحصول على القرض قالت أستاذة الاقتصاد: خفض قيمة الجنيه لا بد وأن يتم ربطها بالقيمة الاقتصادية للدولار نفسه والتى تتراوح بين ١٠ و ١٠.٥ جنيه، ويجب أن ندرك جيدا أن خفض الجنيه لم ينجح ولا مرة على مدار الثلاثين عاما الماضية فى زيادة الصادرات لأن مشكلة الصادرات لم تكن يوما فى سعر الصرف وإنما فى الجودة والترويج والتسويق والتنافسية.


أما د. فخرى الفقي، المساعد السابق لمدير صندوق النقد فقد كشف أن قرض صندوق النقد يتم التفاوض عليه من قبل البنك المركزى منذ ٣ أشهر كاملة، وأكمل قائلا: ارتفاع السعر الموازى للدولار هو الذى اضطر الحكومة للإعلان عن المفاوضات، فالاقتصاد المصرى يعانى من اختلالات مالية متمثلة فى ارتفاع عجز الموازنة العامة واختلالات نقدية بسبب زيادة المعروض النقدى فى مقابل تراجع حجم الإنتاج.


«فخرى» أضاف قائلا: كما أن تراجع الموارد الدولارية الخمسة كانت دافعا أساسيا نحو الاقتراض من صندوق النقد الدولى لدعم الاحتياطى الأجنبى وخفض عجز الموازنة العامة حيث إن الصادرات تراجعت إلى ١٧ مليار دولار فى مقابل ٢٢ مليار دولار حصيلة خلال العام الماضي، بجانب تراجع إيرادات قناة السويس بسبب تباطؤ حركة التجارة العالمية، بينما تراجعت الاستثمارات الأجنبية المباشرة بسبب الفجوة بين السوق السوداء والرسمية وهو ما خلق سوقا غير مستقر لسعر الصرف، فيما انخفضت تحويلات المصريين من ١٩ مليارا إلى ١٧ مليارا لأسباب خارجة عن الإرادة العامة بسبب تراجع أسعار النفط، كل هذا أدى إلى عدم قدرة البنك المركزى للحصول على الدولار كما أن مافيا تجارة العملة استطاعت أن تحصل على ٦٠ ٪ من إيرادات مصر الدولارية.


المساعد السابق لمدير صندوق النقد، فى إجابته عن التفاصيل والاشتراطات الملازمة للقرض الدولى، قال: مهما كانت تفاصيل القرض هناك سؤال أهم من التفاصيل وهو هل ستستطيع الحكومة الحالية تطبيق البرنامج الإصلاحى الذى يفرضه الصندوق؟.. والذى بدأت الحكومة تنفيذ بعض بنوده بالفعل فى برنامجها الذى وافق مجلس النواب عليه.


وشكك د. «فخرى» فى مقدرة الحكومة على تنفيذ البرنامج الإصلاحى لصندوق النقد، حيث قال « كل عضو يعمل بمفرده كما أن أعضاء الحكومة يضربون فى بعضهم من تحت الحزام، والصندوق لن يوقع القرض إلا إذا ضمن عدم إفشاله شعبيا بمعنى أنه سيسعى بجدية لدى الحكومة لإعادة هيكلة شبكات الضمان والحماية الاجتماعية لمعالجة الآثار الاقتصادية ذات البعد الاجتماعى لبرنامج الصندوق مثل ارتفاع الأسعار.


المساعد السابق لمدير صندوق النقد، أنهى حديثه بقوله: البنك المركزى لن يستطع تخفيض سعر الجنيه لقيمته العادلة دون الحصول على احتياطى نقدى قوى لتلبية الاحتياجات السوقية من الدولار والقضاء على السوق السوداء، كما أن المركزى لن يستطع خفض الجنيه كأحد إجراءات الإصلاح التى يطلبها الصندوق دون أن يكون لديه احتياطى نقدى يبلغ ٣٠ مليار دولار على الأقل.