نحن وصندوق النقد الدولى

04/08/2016 - 9:17:25

بقلم - عبدالقادر شهيب

ليست هذه هى المرة الأولى التى تلجأ فيها مصر إلى صندوق النقد الدولى بعد ٢٥ يناير ٢٠١١.. لقد سبق أن لجأت إليه فى النصف الأول من عام ٢٠١٢ أثناء تولى المجلس الأعلى للقوات المسلحة إدارة شئون البلاد وبعد تشكل البرلمان الذى سيطر عليه الإخوان والسلفيون.. وقد وصلت المفاوضات بين مصر والصندوق إلى شبه اتفاق يقضى بحصولنا على نحو قرض يقدر بنحو ثلاثة مليارات دولار، لكن المهندس خيرت الشاطر نائب مرشد جماعة الإخوان أوقف تنفيذ هذا الاتفاق، وذلك بعد أن اشترط وفد الصندوق المفاوض لمصر حصول حكومة د. كمال الجنزورى وقتها على موافقة الشاطر على هذا الاتفاق.


غير أن نائب مرشد الإخوان اعترض على تنفيذه بدعوى أن حكومة الجنزورى التى كان يعاديها الإخوان ويلحون فى تغييرها وقيامهم هم بتشكيل حكومة بديلة سوف تنفق أموال قرض الصندوق، وعندما يحين موعد تولى الإخوان مسئولية حكم مصر سوف يجدون أنفسهم مطالبين بسداد أقساط وفوائد القرض!


أما بعد يونيه ٢٠١٣ فقد قطع صندوق النقد الدولى وقتها الطريق على مصر فى أى تفكير للجوء إليه، بعد أن تورط بعض مسئولين فى تصريحات صحفية تعتبر عملية التخلص من حكم الإخوان الفاشى المستبد انقلاباً عسكرياً، وذلك فى إطار الضغوط الأمريكية والغربية على مصر وقتها من أجل إعادة إدماج الإخوان فى العملية السياسية واستعادتهم حكم البلاد مجدداً، وهى الضغوط التى بدأت بتجميد المساعدات العسكرية الأمريكية لمصر وهو ما أدى إلى مقاطعة حكومة الببلاوى الاجتماعات السنوية للصندوق والبنك الدوليين.. غير أنه بمرور الوقت ومع تثبيت أقدام السلطة السياسية الجديدة فى مصر واستكمال إعادة بناء مؤسساتها السياسية، واقتناع الأمريكان والغرب باستحالة إعادة الإخوان إلى حكم مصر، وفى إطار البرجماتية الأمريكية بدأت الولايات المتحدة والغرب يتعامل مع مصر.. وبالتالى بدأت منظمات دولية اقتصادية تغير من موقفها تجاهنا وتقبل بالتعامل معنا.. وقد سبق البنك الدولى صندوق النقد الدولى فى ذلك، حيث توصلت معه مصر بعد مفاوضات على اتفاق يقضى بالحصول على تمويل بقدر ينحو ثلاثة مليارات دولار على ثلاث سنوات.


وهكذا صارت هناك فرصة للجوء حكومتنا مجدداً إلى صندوق النقد الدولى لإبرام اتفاق معه للحصول على قرض جديد وكبير منه طبقاً لما أعلنه وزير المالية يبلغ ١٢ مليار دولار، وهو ما سوف يفتح الباب لحصولها على تسعة مليارات أخرى قروضا من جهات وحكومات أخرى لتمكن من سد الفجوة التمويلية التى تعانى منها، خاصة من النقد الأجنبى.


والحكومة مضطرة فى اللجوء إلى صندوق النقد الدولى الآن بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة التى تمر بها والبلاد، وذلك بعد أن أصيبت السياحة الأجنبية بضربة مؤلمة بعد حادث سقوط الطائرة الروسية فوق شرم الشيخ، الأمر الذى أدى إلى انخفاض ضخم فى عائدات السياحة الخارجية لتقتصر على ثلاثة مليارات دولار فقط فى العام الماضى ٢٠١٥ / ٢٠١٦، وأيضاً بعد أن أخذت تحويلات المصريين العاملين فى الخارج نتيجة محاولات ممنهجة ومخططة للاستيلاء على مدخراتهم وحجبها عن الاقتصاد المصرى ومنع تحويلها إلى داخل مصر وهو ما تقوم عصابات منظمة لخنقنا اقتصادياً، بالإضافة إلى أن قدرة الدول العربية على مساندتنا فى سد الفجوة التمويلية كما حدث بعد يونيه ٢٠١٣ وخلال العامين الماضيين تراجعت نتيجة الانخفاض أو الانهيار فى أسعار النفط.


وقد جرب البنك المركزى من قبل طرح سندات دولارية لكن الاستجابة دولياً لم تكن مرضية، كما جربت الحكومة سواء حكومة محلب أو حكومة إسماعيل.. دفع الاستثمارات الأجنبية لكن استجابة المستثمرين الأجانب لم تكن هى الأخرى ما نتطلع إليه أو نسعى إليه.. وتراهن الآن الحكومة على الاتفاق مع الصندوق فى حفز المستثمرين الأجانب والمقرضين الدوليين فى مد يد العون المالى بشكل أفضل لمصر مما يساعدها فى سد الفجوة التمويلية والناجمة عن العجز فى ميزان المدفوعات الذى تسبب فيه بشكل أساسى العجز فى الميزان التجارى البالغ ٣٨.٧ مليار دولار.


ولذلك وجدت الحكومة السبيل الوحيد لديها الآن هو اللجوء إلى صندوق النقد الدولى للحصول كما قال عدد من مسئوليها على شهادة منه تحث المستثمرين الأجانب على القدوم إلى مصر وتحض المقرضين الدوليين على توفير قروض أخرى تقدر بنحو تسعة مليارات دولار فى السنوات الثلاث القادمة، بالإضافة للحصول على قرض من الصندوق يبلغ ١٢ مليار دولار وهو ما تسمح به حصة مصر فى الصندوق بعد أن تم زيادتها مؤخراً.


وقد شجع الحكومة على ذلك أنها أعدت برنامجاً مالياً واقتصادياً يلقى قبولاً من الصندوق ومؤسسات اقتصادية دولية أخرى وبدأت تنفيذه بالفعل مثلما يحدث منذ عامين بخفض دعم الطاقة سنوياً حتى يتم التخلص منه على مدى خمسة أعوام، وإقرار قانون الخدمة المدنية الذى سوف يسيطر على الزيادة فى أعداد موظفى الحكومة، وأجورهم التى زادت بمعدلات كبيرة فى السنوات الخمس الأخيرة بما يتجاوز قدرة الموازنة العامة للدولة، بالإضافة إلى انتهاج البنك المركزى سياسة جديدة لسعر الصرف لا تستبعد تحريكه وتخفيضه قيمة الجنيه المصرى بل وتنفيذ تخفيض له قبل عدة أسابيع مضت بنسبة ليست قليلة بلغت نحو ٢٠٪.. ولذلك فإن الحكومة لديها ما يدفعها للتفاؤل فى إمكانية التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولى سواء فى هذه الجولة الجديدة من المفاوضات أو فى جولة مقبلة إذا احتاج الأمر لاستكمال هذه المفاوضات مستقبلاً، خاصة أن التفاوض الحالى لا يقتصر على بنود برنامج الحكومة الاقتصادى والمالى وتوقيتات تنفيذه، وإنما يشمل أيضاً قيمة القرض الذى ستحصل عليه الحكومة من الصندوق وتوقيتات حصولها على شرائح هذا القرض التى قد تكون ربع سنوية أو نصف سنوية، بالإضافة إلى سعر الفائدة والذى قد يتراوح ما بين ١٪، ٢٪ والذى سوف يتوقف على اقتناع إدارة الصندوق بقدرة الحكومة على السداد لأقساط هذا القرض فى المواعيد المقررة، فإذا كان ثمة اقتناع كبير لدى إدارة الصندوق فى هذا الصدد سوف يخفض بمعدل الفائدة.


وهكذا يدور التفاوض الآن بين الحكومة ووفد الصندوق الذى يزور مصر حول برنامج مالى واقتصادى أعدته الحكومة بالفعل وحصلت على موافقة البرلمان المصرى عليه.. وكل بند من هذا البرنامج سواء ما يتعلق بدعم الطاقة أو زيادة الإيرادات الحكومية وتخفيض مصروفاتها لتخفيض عجز الموازنة، مع السياسة النقدية التى ينتهجها البنك المركزى مع الحكومة، هو الأمر محل نقاش تفصيلى بين ممثلى الحكومة وبين وفد الصندوق، وهذا يفسر لنا أن المدة المقترحة لهذه الجولة من المفاوضات تبلغ أسبوعين، وأيضاً الزيارات التى يقوم بها وفد الصندوق للبنك المركزى وللوزارات الاقتصادية المختلفة والتى بدأت بالطبع بوزارة المالية.


وإذا نجحت الحكومة فى نهاية المطاف وبعد هذه المفاوضات التى من المؤكد ليست سهلة مع وفد الصندوق فى الحصول على اتفاق يوفر لها قرضا مناسباً معه فإن ذلك بالطبع سوف يساعدها على حل أزمتها والمتمثلة فى ذلك العجز الذى تشكو منه موازنتها والذى وصل إلى نسبة حرجة من الناتج القومى ١٣٪، مثلما بلغ الدين المحلى الذى وصلت نسبته إلى الناتج المحلى ٩٨٪.


ولكن هذا الاتفاق مع الصندوق لا يكفى وحده لحل مشكلة عموم الناس وخاصة الفقراء وأصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة الذين سوف يتحملون بدورهم نصيبهم من تطبيق برنامج الحكومة الاقتصادى والمالى، سواء من خلال خفض دعم الطاقة، أو زيادة أسعار الخدمات “كهرباء ومياه”، أو زيادة الأسعار التى سوف تصاحب تطبيق قانون القيمة المضافة.


صحيح أن الحكومة تراهن.. كما يقول المسئولون عن إدارة اقتصادنا القومى.. على أن تسهم الحزمة التمويلية الجديدة فى تحسين المؤشرات الدولية لاقتصادنا وبالتالى تشجيع الاستثمارات الأجنبية والمحلية ليتمخض ذلك عن زيادة فى معدل النمو الاقتصادى وهو ما سوف يصب فى نهاية المطاف فى مصلحة عموم الناس.. كما أنها تراهن على أن ما ستقوم به لخفض عجز الموازنة سوف يؤدى إلى السيطرة على معدل التضخم وهو ما سوف يخفض من معاناة أصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة.


ولكن يبقى أن شهادة الصندوق وحدها لا تكفى لجلب الاستثمارات الأجنبية لمصر أو تشجيع الاستثمارات المحلية والتى بدونها لن تحقق زيادة فى الناتج القومى ومعدل النمو وستخفض وارداتنا وتزيد صادراتنا ونخفض احتياجاتنا من النقد الأجنبى وبالتالى تخفض الضغط على الجنيه المصرى وتحميه من التخفيضات التى تلاحقه الآن.


نحن نحتاج لسياسة ثابتة ومستقرة فى التعامل مع المستثمرين والاستثمارات تزيل القيود والعوائق البيروقراطية وغير الإدارية التى تعترض زيادة الاستثمارات وتحفز المستثمرين، أجانب ومصريين، على مزيد من الاستثمار فى مصر.. نحن نحتاج إلى حوافز تشجع الاستثمارات وليس عقبات تعترض طريق زيادتها بل ونؤدى الآن إلى تقلصها.. وهذا لن يوفره لنا اتفاقنا مع الصندوق.


ونحن نحتاج لمظلة حماية اجتماعية تتسع لكل فقراء مصر والذين بلغ عددهم طبقاً لآخر تقدير لجهاز التعبئة والإحصاء قرابة الثلاثين مليون مواطن، وكذلك من يعيشون على هامش خط الفقر أو الذين ينتمون للفئات الدنيا من الطبقة المتوسطة والذين ينضم منهم سنوياً أعداد تحت خط الفقر.


ونحن نحتاج أيضاً لمعالجة الآثار الانكماشية التى سوف تترتب على اتفاقنا مع الصندوق، حيث يركز الصندوق عادة على حزمة إجراءات مالية واقتصادية انكماشية، بينما نحن لا نحتاج للانكماش الاقتصادى الآن فى ظل تراجع معدل النمو الاقتصادى الذى نعانى منه منذ عام ٢٠١١، بل نحتاج لسياسات توسعية حقيقية.. أى يتعين ألا تقبل الحكومة بأية اقتراحات للصندوق تخفض من الاستثمارات العامة أو تحد من مساهمتها فى المشروعات القومية التى يتضمنها البرنامج الانتخابى للرئيس السيسى.


ونحن نحتاج كذلك إلى تشغيل الطاقات العاطلة مع زيادة الاستثمارات وهذا سوف يفرض على الحكومة التزامات ومساهمات مالية إضافية.. أما إذا أرادت الحكومة تخفيض انفاقها فلتبتعد عما يتعلق بزيادة الإنتاج.. وفى مقدورها ذلك يمكنها تخفيض المصروفات غير الضرورية لمسئوليها، مثل تجهيز المكاتب الجديدة للوزراء والمحافظين وتخفيض عدد السيارات المخصصة لهم وتسريح أعداء من المستشارين الحكوميين وبذلك تحل الحكومة مشكلة عموم الناس ومشكلتها.