لماذا اللجوء لصندوق النقد الدولى الآن؟!

04/08/2016 - 9:14:59

بقلم: عزت بدوى

كلمة صندوق النقد الدولى تصيب المصريين بحالة من الارتكاريا فقد ارتبط اسمه بارتفاع الأسعار لكافة السلع والخدمات وفرض التقشف على البطون الخاوية وإثارة الاضطرابات الاجتماعية فى العديد من الدول النامية التى دخلها من قبل ومن بينها مصر فى مظاهرات ١٧ و١٨ يناير عام ١٩٧٧ حينما لجأت إليه مصر لإصلاح مسارها الاقتصادى فقدم لها روشتة اقتصادية قاسية تقصم ظهر المصريين وترفع أسعار كافة السلع بما فيها الخبز ذاته فثار عليها المصريون وألغيت فى ذات اليوم رغم إقرارها من البرلمان فى ذلك الوقت.


المصريون يطلقون على الصندوق لفظ صندوق «النكد الدولى» رغم تغييره لسياساته القاسية وروشتته الموحدة لكافة الدول مع اختلاف ظروفها وثقافاتها وأوضاعها الاجتماعية وحرصه على البعد الاجتماعى فى وصفاته العلاجية لاقتصاديات الدول النامية بعد فشل تجاربه مع العديد من الدول التى طبقت سياساته دون مراعاة البعد الاجتماعى للفقراء والمهمشين من شعوبها والانعكاسات السلبية للخطط العلاجية للصندوق عليهم.


وإذا كان الأمر كذلك فلماذا تلجأ مصر الآن لصندوق النقد الدولى وهل نحن مضطرون إلى ذلك إن لدينا بدائل أخرى لعلالج مشكلاتنا الاقتصادية دون الحاجة إلى الصندوق ووصفاته القاسية.. وهل لجأنا للصندوق بسبب تراجع مواردنا من النقد الأجنبى وحاجتنا الملحة لقرض الصندوق البالغ ١٢ مليار دولار نحصل عليها على مدار ثلاث سنوات؟ وإذا كان هذا هو السبب فى لجوئنا للصندوق فهل لا نستطيع تدبير هذا القرض من أشقائنا وأصدقائنا الدوليين دون الحاجة لصندوق النقد الدولى وروشتته القاسية؟ وغيرها من التساؤلات الكثيرة التى يثيرها بعض المتخصصين وغير المتخصصين بل وبسطاء المواطنين منذ وصول بعثة صندوق النقد الدولى لمصر يوم الجمعة الماضى لبدء مفاوضاتها بشأن التفاوض على برنامج جديد لإصلاح الاقتصاد المصرى للوصول إلى اتفاق بهذا الشأن يعرض على مجلس إدارة الصندوق فى اجتماعات الخريف منتصف الشهر القادم.


بداية إن سياسات صندوق النقد الدولى تغيرت تماماً عن سياسات الثمانينيات بعد فشلها الذريع فى العديد من دول العالم التى لجأت إليه.


وتأكده بضرورة قبول شعوب هذه الدول لبرامج الصندوق الإصلاحية ووضع برامج اجتماعية تراعى الفقراء ومحدودى الدخل جنباً إلى جنب مع خطط الإصلاح الاقتصادى لضمان الأمن الاجتماعى فى هذه الدول وبالتالى أصبحت الدول هى التى تضع برامجها الإصلاحية بنفسها وتناقشها مع خبراء الصندوق المختصين بما يراعى ظروفها وأوضاعها الاجتماعية وعدم التأثير السلبى لخطط الإصلاح على الفقراء والمهمشين وتكون مهمة الصندوق هو التأكد من جدية هذه الخطط وضمان تنفيذها وملاءمتها للأوضاع الاقتصادية السائدة فى كل دولة على حدة ولم يعد هناك برنامج موحد يطبق على كافة الشعوب كما كان يحدث من قبل.


وبالتالى فإن ما يتم الآن مناقشته مع بعثة الصندوق منذ وصولها يوم الجمعة الماضى والتى تستمر حتى نهاية الأسبوع القادم هو مناقشة البرنامج المصرى الذى أعدته الحكومة المصرية وخبراؤها لإصلاح أوضاعها الاقتصادية وإعداد تقرير أولى بشأنه لعرضه على مجلس إدارة الصندوق فى واشنطن خلال الشهر القادم دون فرض أى شروط مسبقة على مصر.


أما اللجوء للصندوق فهو “شر” لابد منه فى ضوء الحصار الدولى المتعمد على مصر لثنى إرادتها وإرادة شعبها منذ ثورة ٣٠ يونيه عام ٢٠١٣ والذى أسفر عن تراجع مواردها من النقد الأجنبى على كافة الأصعدة بداية من السياحة إلى تحويلات المصريين من الخارج إلى الاستثمارات الأجنبية المباشرة وبالتالى الصادرات وهو الأمر الذى أدى إلى خلل فى سوق الصرف للعملات الأجنبية وعودة السوق السوداء من جديد للعملات الأجنبية مقابل الجنيه المصرى مع تزايد عجز الموازنة المصرية وارتفاعها لأول مرة إلى ١٣٪ بجانب تزايد حجم الدين العام والذى بلغ تجاوز هذا العام ٢.٥ تريليون جنيه مصرى بعد أن سجلت الأرقام الرسمية للبنك المركزى بلوغه فى نهاية ديسمبر ٢٠١٤ لنحو تريليون و٩٢٤.٧ مليار جنيه مصرى بينما تراجعت الاستثمارات الأجنبية المباشرة لمصر إلى ٨.١ مليار فى العام المالى ٢٠١٥ / ٢٠١٦ وسجلت أرقام البنك المركزى المصرى ٥.٨ مليار دولار استثمار أجنبى مباشر خلال الثمانية أشهر الأولى من يوليو إلى نهاية مارس ٢٠١٦ بعد أن كانت مصر قد حققت استثماراً أجنبىاً مباشراً بلغ ١٣.٢ مليار دولار قبل عام ٢٠٠٩ / ٢٠١٠ كما ارتفعت نسب التضخم رغم الجهود المضنية التى تبذلها الحكومة للسيطرة على الأسعار بطرح المزيد من السلع الرئيسية بأسعار مخفضة فى ظل الضغوط والمؤامرات التى يتعرض لها الاقتصاد المصرى كان لابد من اللجوء إلى صندوق النقد الدولى ليس فقط للحصول على قرض بـ١٢ مليار دولار على مدى ثلاث سنوات رغم أهمية ذلك فى توحيد أسعار الصرف للنقد الأجنبى للبلاد وإنما وهو الأهم بث الثقة فى الاقتصاد المصرى لدى مؤسسات التمويل الدولية والمستثمرين الأجانب من خلال تأييد صندوق النقد الدولى لبرنامج الإصلاح الاقتصادى المصرى الذى أعدته الحكومة المصرية ومنحها شهادة ثقة بمثابة صك الغفران تفتح الباب أمام مصر لعودة تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة خاصة بعد الاستقرار الأمنى الذى تشهده البلاد وانتهاء حالة الفوضى التى كانت سائدة قبل ثورة ٣٠ يونيه عام ٢٠١٣ وهذا الصك يعنى أن مصر تسير على الطريق الصحيح فى إصلاح مسارها الاقتصادى وجاذبة للاستثمار كما ستساهم هذه الشهادة فى رفع الحصار السياحى عن البلاد وعودة تدفق السائحين لتعود السياحة من جديد تضخ مليارات الدولارات فى شرايين الاقتصاد المصرى كما أن خطة الإصلاح المصرية المعروضة الآن على بعثة الصندوق تتضمن برامج اجتماعية حمائية للطبقات الفقيرة والمهمشة فى المجتمع وبدأ تطبيقها بالفعل قبل التوقيع للصندوق بداية من توفير وحدات الإسكان الاجتماعى إلى زيادة المعاشات المدنية والعسكرية وتطبيق برنامج تكافل وحماية على الفقراء.. كما أن الخطة الإصلاحية بدأت بالفعل فى إصلاح الدعم وتوصيله لمستحقيه لأول مرة فى مصر من خطة واضحة وفترة زمنية محددة راعت محدودى الدخل والفقراء فى تصدى حقيقى لقضية الدعم الأزلية كما تتضمن الخطة زيادة موارد الدولة لمواجهة عجز الموازنة وخفضته، وبالتالى خفض التضخم باستئناف برنامج الخصخصة بالطرح المباشر للشركات العامة والحكومية وبيع جزء من أسهمها من خلال البورصة المصرية إن برنامج الإصلاح الاقتصادى والاتفاق مع الصندوق يتم طبقاً لرؤية مصرية خالصة تهدف إلى التصدى للمشكلات الاقتصادية التى تعوق الخطة الطموحة للنهوض بمصر ولم يعد الأمر كما كان من قبل بفرض خطط أجنبية لا توائم الوضع المصرى.